***
في اليوم التالي، استغرب «جويل» من عدم ظهور نيريسا في الورشة دون أي اتصال مسبق.
“حسنًا، هذا غريب. لقد مر وقت طويل على موعد وصولها…”
فكر جويل في الذهاب إلى منزلها، لكنه قرر الانتظار قليلاً تحسبًا لأي طارئ.
في تلك اللحظة، دق الفارس ذو الشعر الرمادي الذي رآه جويل من قبل باب الورشة.
“جئتُ لأبحث عن الآنسة نيريسا.”
“آه، أنت الفارس الذي زارنا من قبل.”
عرف دوران أن جويل يتذكره، فعبس قليلاً.
“أهي في الطابق العلوي؟”
“كلا، لم تصل الآنسة نيريسا بعد.”
“أليست معتادة على التأخر هكذا؟”
“نعم في الحقيقة، كنتُ في حيرةٍ من أمري، هل أذهب لمنزلها لأطمئن عليها أم لا.”
تصلّب تعبير وجه دوران.
شعر جويل بأنه تطفل بلا سبب.
“إذاً… يمكنك العودة بعد قليل، وسأخبرك…”
“لا داعي. سأذهب بنفسي وأتأكد.”
“آه، هل تعرف عنوان منزل الآنسة نيريسا أيضًا؟”
اشتعل فضول جويل فجأة.
ما العلاقة بين ذلك الفارس الصامت ذي الشعر الرمادي ونيريسا؟ كان يعتقد أنها أعطت عنوان منزلها بالضبط له ولابنة الدوق فيسبادن فقط.
أومأ دوران برأسه بإيجاز بوجهٍ لا يعبّر عن شيء، وغادر الورشة على الفور.
شعر جويل وكأنه اكتشف سرًا عظيمًا.
“أوه، أتراها تكون…!”
لطالما قلق سرًا من أن نيريسا، المنطوية دائمًا في الورشة، قد تمضي شبابها اللامع دون أن تخوض حتى علاقة حب واحدة.
لذلك، سُرَّ كثيرًا بذلك الفارس ذي الشعر الرمادي، الذي قد يكون «ذلك الشخص» بالنسبة لها.
لحسن الحظ، كان جويل يدرك جيدًا ألا يتدخل في شؤون النبلاء.
“حسنًا، يبدو أن لدي الكثير لأسألها عنه.”
ابتسم بخبث وعاد إلى عمله.
***
انطلق دوران بجواده كالريح.
أليست نيريسا معروفةً بضميرها الحي الذي لا يُشق له غبار؟ إن عدم حضورها إلى الورشة دون اتصال لا يمكن أن يكون أمرًا عاديًا بأي حال.
لو كانت لا تزال مقيمة في قصر فيسبادن، لكانت قد أعلمت الورشة بطريقة أو بأخرى.
لكن، نظرًا لأن النجار في الورشة لا يعرف شيئًا، استنتج دوران أنها قد غادرت القصر بالفعل.
وصل أخيرًا إلى منزلها.
نزل عن جواده بسرعة وكاد أن ينزلق، ثم قفز فوق السياج وبدأ يقرع باب المدخل بعنف.
“هل هناك أحد؟!”
عندما لم يأتِ رد سريعًا، زاد قرعه للباب عنفًا.
“آنسة!”
كانت نيريسا منهارةً على الأريكة، فتحت عينيها مرتبكة عند سماع الضجة.
“…؟”
بعد عودتها من قصر فيسبادن الليلة الماضية، كانت قد نامت منهارةً على الأريكة.
لقد استنفدت قواها تمامًا ولم تتمكن حتى من الوصول إلى غرفة النوم.
تلاطمت مشاعرها بشكل فوضوي: شعور بالذنب وكأنها السبب في تدمير حفلة عيد ميلاد أديلايد، ورغبة في الاعتراض على اتهامات أديلايد لها وتحويل المسؤولية إليها.
نتيجة لذلك، استنفدت نيريسا طاقتها العقلية تمامًا وغرقت في نومٍ عميق أشبه بالإغماء حتى ذلك الوقت.
“…؟”
كانت نيريسا في حيرةٍ لبعض الوقت.
لم تكن قد استفاقت تمامًا بعد، فكانت في حالة بين النوم واليقظة.
لكن صوت القرع العنيف على الباب عاد يتردد بقوة مرة أخرى.
“آنسة!”
“…!”
نهضت نيريسا فجأة في ذعر.
أصابها صداعٌ شديد كاد أن يشق رأسها من شدة القيام المفاجئ. وبيدها تضغط على صدغها، تمايلت نحو المدخل.
“من هناك…؟”
ما إن رأت الزائر من فتحة الباب حتى أصيبت بالذهول.
لقد حضر دوران بنفسه!
“الفارس دوران!”
ما إن فتحت نيريسا الباب على عجل، حتى وجدت الرجل العنيد واقفًا وقد غضب.
“كنتِ بالداخل؟ كدت أحطم الباب لو تأخرتِ قليلاً.”
“آه… أنا آسفة…”
تلعثمت نيريسا معتذرة أولاً.
سألها دوران بنبرة جافة:
“جئت لأنكِ لم تحضري إلى الورشة. كما أن الفارس روبرتو أوصاني بإيصال شيءٍ لكِ.”
“…؟”
قبل أن تستوعب نيريسا الموقف بوعي كامل، أخرج دوران فجأةً من معطفه رزمة صغيرة.
“تفضلي.”
“آه، نعم…”
“هل تشعرين بألم في مكان ما؟”
“ماذا؟ كلا… لقد نمت فحسب…”
كانت نيريسا لا تزال مرتبكة.
أومأ دوران برأسه موحيًا بأنه فهم، ثم انقلب فور انتهاء مهمته وركب جواده وانصرف.
“ما هذا… في الصباح الباكر…”
تمتمت نيريسا قليلاً ثم تنبهت فجأة.
في الصباح؟ لكن الوقت الآن ليس صباحًا!
“يا إلهي!”
قفزت نيريسا من مكانها.
لحسن الحظ أنها صاحبة الورشة، ولو كانت تعمل تحت إمرة أحدٍ كما في حياتها السابقة، لكان ذلك كابوسًا حقيقيًا.
استعدت للخروج في عجلة.
وبينما تفعل ذلك، تذكرت الرزمة التي أعطاها إياها دوران، فأخذتها بعناية وركبت دراجتها ثلاثية العجلات.
“واااه، لقد تأخرت!”
لوهلة، شعرت وكأن الصخرة الثقيلة التي كانت تضغط على قلبها قد اختفت.
***
دخلت نيريسا إلى الورشة في عجلة من أمرها بعد تأخرها الكبير.
“آه، آنسة نيريسا!”
“أوه، آسفة يا جويل. لقد نمت متأخرة فحسب…”
رفض جويل اعتذارها ولوّح بيديه رافضًا.
“لا بأس على الإطلاق. المهم أنكِ بخير، ولم يحدث لكِ مكروه.”
“حسنًا، لا داعي للمبالغة…”
أحمرّ وجه نيريسا خجلاً.
في تلك اللحظة، سألها «جويل» بصوت منخفض ومُوحي:
“أنتِ… ذلك الفارس ذو الشعر الرمادي الذي زار الورشة من قبل، أليس كذلك؟”
“نعم…”
أجابت نيريسا بنبرة حذرة.
ثم تنبهت فجأة إلى شيء ما.
“آه، أتراه جاء إلى هنا أولاً؟”
“نعم جاء بعد وقت قصير من فتح الورشة يسأل عنكِ، فأخبرته أنكِ تأخرت دون اتصال وأننا قلقون.”
أمسكت نيريسا برأسها.
أدركت الآن سبب قرع دوران لباب منزلها في الصباح.
لكن سؤال جويل التالي كان أكثر إثارة للحيرة.
“أنتِ… آنسة نيريسا. بالضبط، ما هي علاقتكِ به…”
“ممم؟ ماذا تقصد؟”
قطبت نيريسا حاجبيها وسألت في استغراب.
فتراجع جويل مترددًا، لكن فضوله تغلب عليه في النهاية.
“أعني… أتراه يكون… حبيبكِ؟”
“هيه، كلا!”
رفعت نيريسا. صوتها مستنكرة.
“إنه فقط، الفارسدوران،ن هو… حسنًا… أعني…”
لا، الأمر ليس كذلك، إن علاقتها بـ دوران ليست من ذلك النوع أبدًا، لكن كيف تشرح ذلك؟
تلكئت نيريسا لبعض الوقت وهي تحاول العثور على الكلمات المناسبة.
“إنه فقط… اليوم… آه صحيح! أجل، جاء ليوصّل لي شيئًا!”
فتشت في حقيبتها الصغيرة بعجلة.
كانت هدية روبرتو التي أعطاها إياها دوران موجودة فيها بهدوء.
لكن جويل ابتسم ابتسامة توحي بفهمٍ زائف.
“آه، حسنًا، فهمت يا آنسة نيريسا…”
كانت نيريسا على وشك الانفجار من الغيظ.
“أقولها مرة أخرى، الأمر ليس كذلك!”
“هاها، حسنًا. لن أخبر أحدًا.”
أجاب جويل وهو يلوّح بيديه.
أطلقت نيريسا تنهيدة طويلة.
بما أنه قال إنه لن يخبر أحدًا، فربما يكون ذلك أفضل.
“…حسنًا. أرجوك يا جويل. احفظ سرّي حقًا.”
“بالتأكيد! لا شك في ذلك!”
كان جواب جويل مفعمًا بطاقة غريبة.
***
دخلت نيريسا بسرعة إلى غرفة العمل الخاصة بها وأغلقت الباب بإحكام.
“آه، حقًا…”
بغض النظر عن مدى حيرتها في كيفية تصحيح سوء فهم جويل، قررت أولاً فتح الرزمة التي بين يديها.
مدّت يدها إلى العقدة المربوطة بإحكام، ثم توقفت فجأة.
“……”
شعرت بثقلٍ في صدرها مرة أخرى.
تذكّرت روبرتو في قاعة الاحتفال الليلة الماضية.
خاصةً عينيه الزرقاوين اللتين كانتا تحدقان فيها بتركيز.
رغم فهمهما الكامل لظروف بعضهما، إلا أن روبرتو ما زال قلبه معلقًا بها، فأرسل دوران في الصباح ليوصّل لها هذا.
أحست بحرارة في محاجر عينيها.
رمشت نيريسا عينيها بسرعة.
لا يجب أن تبكي مرة أخرى.
تتخذ العزيمة في كل يوم، وفي كل لحظة.
وتتخلى عن الأمل مع كل نفس.
رغم تأكيدها على نفسها بعزيمة صلبة، إلا أنها كانت تضطر إلى تجديد عزمها في كل مرة تذرف فيها دموعها مثل هذه.
وإلا، فستنهار في لحظة.
إنه ليس لها.
عليها أن تتخلى عنه.
عشرات المرات في اليوم، بل أكثر، كانت تتخلى عن «وبرتو وتتخلى عنه مرة أخرى.
لكن الآمال غير المجدية كانت تظهر من جديد دائمًا.
فتقطفها مرة أخرى.
“هوه…”
تنهدت نيريسا وهي تحل العقدة المربوطة بإحكام.
عندما فكت الغلاف الورقي المشدود بإحكام، انتشرت رائحة القهوة اللاذعة.
“آه…”
كادت أن تبكي مرة أخرى.
كيف عرف أنها تعيش على القهوة طوال الوقت؟
إنه لأمر مدهش حقًا.
الهدايا التي تلمس القلب حقًا ليست تلك الكبيرة والباهظة الثمن، بل الأشياء الصغيرة والبسيطة التي تُظهر اهتمامًا دقيقًا بها.
وضعت نيريسا حبوب القهوة التي أرسلها روبرتو في الطاحونة اليدوية الموجودة في غرفة العمل.
وعندما أدارت المقبض ببطء، انتشرت رائحة أقوى.
“واو، يبدو أنه اختار نوعًا جيدًا حقًا.”
أجبرت نيريسا نفسها على الابتسام وهي تحضر القهوة. امتلأت الغرفة سريعًا بالرائحة العطرة.
“هاا…”
لحظة لتذوق القهوة.
ركزت حواسها فقط على حاسة الشم والذوق.
هدأ صدرها بشكل طبيعي.
واختفت الأفكار المشتتة التي كانت تدور في رأسها دون أن تدري.
ابتسمت نيريسا بضعف.
“ربما يكون التعرض لسوء الفهم أفضل للحفاظ على السرية.”
بالنسبة لـ نيريسا، كان من الأكثر طمأنينة أن يعتقد الناس أن هناك علاقة غامضة بينها وبين دوران، بدلاً من اكتشاف علاقتها السرية بـ روبرتو.
لذلك، قررت هذه المرة أيضًا ألا تشرح الأمر على مضض.
“عليّ أن أتحدث مع الفارس دوران على انفراد لاحقًا…”
طالما أن دوران لن يثور، فسيكون الأمر مقبولًا.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 109"