الفصل الثامن عشر: رسالة بلا ختم
لم يبدأ الأمر بانفجار.
بل بصوت خفيف.
عندما غادرت ليليانا القاعة أخيرًا، بعد ساعات من المجاملات والابتسامات الرسمية، شعرت بثقل المساء يستقر فوق كتفيها. الممرات المؤدية إلى جناح الضيوف كانت هادئة، يضيئها ضوء المشاعل المثبتة في الجدران الخضراء المرصعة بالزمرد.
كان الليل قد ابتلع القصر من الخارج، لكن داخله ظل مستيقظًا.
سارت ببطء، تخلع قفازيها الحريريين، تستعيد في ذهنها تفاصيل الأمسية: الكلمات، النظرات، الإيماءات… وتلك النظرة تحديدًا.
كفى.
توقفت أمام نافذة طويلة تطل على حدائق قصر الزمرد. الأشجار بدت كظلال سوداء ناعمة، والنافورة البعيدة كانت تهمس بصوت يكاد لا يُسمع.
ثم سمعت وقع أقدام.
سريع. متردد.
التفتت.
كانت فتاة صغيرة من خادمات القصر، بالكاد في الخامسة عشرة، تنحني بسرعة حين رأت ليليانا.
“سيدتي… عفوًا على الإزعاج.”
لاحظت ليليانا ارتجاف أصابعها.
“ما الأمر؟”
تقدمت الخادمة خطوة واحدة، ثم مدت يدها.
في كفها… ورقة صغيرة مطوية.
“طُلب مني أن أُسلمكِ هذا.”
رفعت ليليانا حاجبها بهدوء.
“ممن؟”
ترددت الفتاة.
“لم يخبرني… كان يرتدي عباءة داكنة، ولم أرَ وجهه جيدًا.”
ارتفع خيط رفيع من الحذر داخل صدر ليليانا.
أخذت الورقة.
لم يكن عليها ختم.
ولا شريط.
ولا أي إشارة رسمية.
مجرد طيّة بسيطة.
انحنت الخادمة مجددًا وغادرت بسرعة، كأنها تخشى أن تُرى.
بقيت ليليانا وحدها.
الورقة بين أصابعها بدت أخف مما يجب… وأثقل مما ينبغي.
ترددت لحظة، ثم فتحتها.
سطر واحد فقط.
“ليس كل من يرتدي تاجًا يملك الحق في الحكم.”
تجمّد الهواء حولها.
قرأت الجملة مرة أخرى.
لا توقيع.
لا تهديد مباشر.
لا اسم.
لكن المعنى كان واضحًا بما يكفي.
هذه ليست عبارة عشوائية.
هذا ليس اعترافًا غزليًا.
هذا… اختبار.
رفعت عينيها ببطء، تنظر عبر النافذة إلى الظلام.
من يعرف أنها هنا؟
من يجرؤ على إيصال رسالة سياسية إليها تحديدًا؟
ولماذا؟
لم يكن في النص ذكر للإمبراطور…
ولا للعائلة المالكة…
لكن في مملكةٍ تحكمها توازنات دقيقة بين العائلة المالحة والدوقيات والماركيزات والكونتات والبارونات، لا يمكن لجملة كهذه أن تكون بريئة.
وضعت الورقة داخل كمّ فستانها بدل أن تمزقها.
قرار صغير.
لكن مهم.
لن تخبر والدها الآن.
لن تثير ضجة.
ستراقب.
للمرة الأولى في حياتها، شعرت أن السياسة لم تعد شيئًا يُناقش خلف الأبواب المغلقة… بل شيئًا طرق بابها شخصيًا.
وفي مكانٍ ما داخل القصر،
كان شخصٌ ما ينتظر ليرى ماذا ستفعل ابنة الدوق.
وهكذا،
دون صخب…
بدأ أول خيط في شبكة لم تكن تعلم أنها ستُحاصرها قريبًا.
التعليقات لهذا الفصل " 18"