الموسيقى عادت، نعم، لكن بنغمة أقل جرأة، كأن العازفين أنفسهم باتوا يتحسّسون الهواء. الضحكات خفتت، والأحاديث صارت أقرب إلى همسات محسوبة. وجود لوكاس لم يكن صاخبًا، لكنه كان ثِقلاً غير مرئي يضغط على صدور الجميع.
جلست ليليانا في مكانها، جسدها ثابت، لكن أفكارها تتدافع بلا نظام. كانت تشعر بنظرات تُلقى عليها من كل صوب—نظرات فضول، شك، وربما غيرة خفية. لم تكن معتادة على أن تكون محور انتباه، لكنها أدركت الآن أن النظرة التي ألقاها لوكاس قبل قليل جعلتها… مرئية أكثر مما ينبغي.
*لماذا أنا؟*
السؤال تردّد في داخلها بإلحاح مزعج.
رفع الإمبراطور يده إشارة لاستئناف المأدبة، ثم قال بصوت رسمي:
“الأمير لوكاس سيكون ضيفنا هذا المساء.”
لم يُضف شيئًا آخر.
لم يقدّم تفسيرًا.
وكأن الاسم وحده كافٍ لإسكات الجميع.
تحرّك لوكاس أخيرًا، متجهًا إلى الطاولة الملكية، لكن ليس إلى المقعد الأقرب للإمبراطور—بل إلى مقعد جانبي، أقل بروزًا، وكأنه يرفض أن يُوضع في مركز المشهد رغم أن الجميع يراه هناك رغماً عنه.
مرّ بجانب الطاولات واحدة تلو الأخرى.
وعندما اقترب من طاولة الدوق فلوني… تباطأت خطواته.
لم ينظر إلى ليليانا هذه المرة مباشرة، بل إلى الدوق.
انحنى تحية قصيرة.
“سعيد برؤيتك ما زلت على قيد الحياة، يا دوق.”
قالها بنبرة خفيفة، لكنها تحمل تاريخًا طويلاً.
ابتسم الدوق فلوني ابتسامة متعبة.
“وأنا سعيد لأنك عدت أخيرًا، حتى لو كان توقيتك سيئًا كعادتك.”
لم يعلّق لوكاس.
لكن عينيه تحركتا أخيرًا… نحو ليليانا.
كانت نظرة مختلفة عن السابقة.
أهدأ.
أعمق.
“لم أتشرف بمعرفتك.” قال.
شعرت ليليانا بأن صوت القاعة تلاشى. قامت بتحية مهذبة، كما علمها الدوق، وقالت بثبات حاولت أن تصطنعه:
“ليليانا. ضيفة القصر.”
توقّف لوكاس لثانية أطول مما هو لائق اجتماعيًا.
ثم قال:
“اسمك يناسبك.”
لم يكن مدحًا واضحًا.
ولا مجاملة مبتذلة.
بل ملاحظة… كأنه يضع قطعة في مكانها الصحيح داخل عقله.
انسحب بعدها بهدوء، وكأن اللقاء لم يكن مهمًا—لكن ليليانا كانت تعلم، في أعماقها، أنه كان كذلك.
ما إن ابتعد حتى انحنت إحدى النبيلات نحو رفيقتها وهمست:
“هل رأيتِ؟”
“نعم… نظر إليها كما لو كان يعرفها.”
“هذا خطر.”
خطر.
الكلمة علقت في ذهن ليليانا.
بعد لحظات، وقف كبير المراسم ليعلن خطاب بداية الجزء الرسمي من المأدبة. ارتفعت الكؤوس، وتوالت كلمات الولاء والثناء، لكن عقل ليليانا لم يكن حاضرًا. كانت تشعر بشيء يتحرك في داخلها ببطء—ليس خوفًا، بل إحساس غامض بأن مسار حياتها انحرف درجة واحدة فقط… لكنه انحراف لا عودة منه.
وعلى الطرف الآخر من القاعة، كان لوكاس يستمع ظاهريًا للخطاب، بينما أفكاره كانت في مكان آخر.
التعليقات لهذا الفصل " 15"