بعد ان غرق القصر في سكون منتصف الليل ، وضع ليون آخر تقرير أمني جانباً،. كان قد انتهى للتو من مراجعة وثائق لوجستيات الجيش . و تمويلات وزراة الدفاع .
انحنى على كرسيه و أطلق تنهيدة .
شعر بتعب نادر يخترق عظامه. كان التعب المعتاد لعقل لا يفتأ يفكر ويخطط .ليس تعب الجسد الذي اعتاد عليه في ساحات القتال.
رفع عينيه عن الأوراق المبعثرة على المكتب الضخم، وحدق في الظلام خارج النافذة. القصر كان هادئاً، حتى الخدم انسحبوا إلى جناحهم البعيد. لم يبق سوى صمت ثقيل و مألوف .
ثم، فجأة، من دون سابق إنذار، ظهرت.
لم تكن رؤية واضحة، بل كانت كظل يحوم على زجاج النافذة المظلم. وجه نحيل، شاحب. عينان واسعتان بلون العسل، نظرتا إليه في الإسطبل بخليط من الخوف والتحدي ثم يدان نحيلتان تتعاملان مع الأعشاب بدقة غريبة .
لم يحرك ليون ساكناً. حاول أن يطرد الصورة، كما يطرد أي تشتيت غير ضروري. لكنها لم تذهب. بل أصبحت أكثر وضوحاً. تذكر صوتها الهادئ الذي بالكاد يُسمع، وكيف كان يضطر إلى التركيز لصيد كلماتها. تذكر طريقة وقفتها المتواضعة، وكيف بدا جسدها الهش يرتعش تحت ثقل نظراته .
شيء ما انزعج في داخله. لم يكن انزعاجاً مألوفاً. لم يكن أيضا غضباً، ولا اشمئزازاً، ولا حتى فضولاً فكرياً بحتا .
كانت حقيقة صغيرة، تافهة، لكنها علقت في فكره مثل شوكة.
ثم فجأة انتفض كما لو أنه تذكر أمرا نسي الإشارة إليه في اجتماع هام .
“لم يسأل عن اسمها.”
في اللحظة التي تذكر فيها صورة وجهها بهذا الوضوح . حتى أنه تذكر لحظة كانت تعض على شفتها السفلى وقت كانت تركز أثناء فحص و علاج فرسه .
لكنه لا يعرف اسمها ..الان و هذا الشبح الهادئ يطفو على زجاج نافذته أدرك ذلك .
طوال الوقت الذي أمضته هناك و هو يفحصها مثل عينة تحت المجهر . لم يخطر بباله أن يستفسر عن معلوماتها الشخصية .
هذا الإهمال ، هذا التجاهل للهوية الأساسية للشخص الذي سمح له بالاقتراب من شيء ثمين له مثل “شادو” كان غريبا عليه . .. كانت “الصيدلية” ..”مساعدة الخال” ..” الفتاة” كلها مجرد أدوات وظيفية في مشهد يحاول السيطرة عليه.
إلتفت بعنف عن النافذة . كأنه يقطع خيطا غير مرئي .
جلس على كرسي مكتبه مجددا
وضع القلم الذي كان يمسكه جانباً. تساءل للحظة عما إذا كان اسم الخال مذكوراً في أي من أوراق المراسلات الأولية. “آرثر”. هذا كل ما عرفه.
لكن الشخص الفعلي الذي واجهه، الذي تركت يداه النحيلتان انطباعاً غريباً في ذهنه، ظل مجهولاً.
غرز أصابعه في شعره الأشقر . تساءل: هل ذكر الخادم اسمها؟ حاول تذكر كل كلمة قالها ريان. “الصيدلية”، “المساعدة”، “الشابة”…
انزعج. لم يكن انزعاجاً عاطفياً، بل كان انزعاج قائد اكتشف ثغرة في معلوماته. ثغرة صغيرة، تافهة، لكنها موجودة.
تطلع نحو باب المكتب. كان ريان، خادمه الشخصي الموثوق، الشخص الوحيد الذي يعرف التفاصيل، نائماً في جناح الخدم. كان الوقت متأخراً جداً لاستدعائه. ليون لم يكن بالتأكيد سيداً متعسفاً يوقظ خدمه في منتصف الليل لأمور شخصية تافهة. كان انضباطه يطال الجميع، حتى نفسه.
التفت بعيداً عن النافذة، محاولاً إنهاء هذا التساؤل العقيم. كانت فتاة صيدلية. قروية . و يبدو انها بالفعل متعلمة . و هذا شيء نادر في مجتمعات العامة . لكنها في النهاية ليست سوى أداة لتحقيق غاية . و غايته الاساسية صحة فرسه لا شيء اكثر.
إلا أن الشيء الذي لم يستطع تجاهله هو أن جهله باسمها جعلها لغزاً مزعجا .
وقف منتصبا و مشى نحو طاولة الخمور و سكب لنفسه كأسا من الويسكي . الشراب الحارق لم يمحو الصورة بل جعلها أكثر وضوحا .
رفع كأس الويسكي إلى شفتيه مجددا ، لكن طعمه كان يزداد مرارة هذه الليلة. أطفأ مصباح مكتبه، تاركاً الغرفة في ظلام لا يخترقه سوى ضوء القمر الشاحب.
وفي الظلام، بينما كان يسلك الممر الطويل المؤدي إلى غرفة نومه، ظلت الحقيقة معلقة في ذهنه: هناك شخص في مدينته، لمس شيئاً يخصه، وترك أثراً في فكره، وهو لا يعرف حتى ما يناديه به.
كانت هذه الثغرة الصغيرة، في جدار سيطرته الكامل، مزعجة أكثر مما أراد الاعتراف به.
التعليقات لهذا الفصل " 9"