الطريق من القصر إلى حي ويتشابل لم يكن طويلاً بالمسافة، لكنه كان رحلة عبر عوالم متباينة. مع كل شارع تمر به، كانت تترك وراءها جزءاً من ذاك العالم المصقول القاسي، لتعود تدريجياً إلى واقعها الخشن.
كانت العربة الفاخرة تشعر هيلينا بالاختناق. روائح الجلد الفاخر والخشب المعتق التي أثارت فضولها في الذهاب، أصبحت الآن تذكيراً صارخاً بالهوة التي تفصل بين عالمها وعالم ذلك الرجل. كل تفصيلة في القصر، كل نظرة من ذلك الرجل، كانت تهمس لها بأنها دخلت مكاناً لا تنتمي إليه .
عندما توقفت العربة أمام الصيدلية المتواضعة، كان الظلام قد بدأ يسدل ستاره على الحي. شكرت الخادم، ثم هرعت إلى الباب الخشبي المتشقق، مفتاحها يرتجف بين أصابعها الباردة.
دخلت.
رائحة الأعشاب الجافة، والغبار الخفيف على الأرفف، وهدوء المكان الذي لا ينكره سوى تكتكة الساعة القديمة – كلها خيل إليها انها تستقبلها كحضن دافئ. أغلقت الباب خلفها واستندت إليه، تاركة ثقل اليوم ينزاح عن كتفيها المرتعشتين.
كانت شقتها الصغيرة فوق الصيدلية أشبه بصدفة تحمي حيواناً رخوياً. أدركت فجأة كم اشتاقت إلى هذا المكان “الرث”. إلى خشب الأرضية الخشن غير المصقول، إلى الستائر القطنية البالية، إلى الفراش القديم الذي يحفظ شكل جسدها. هنا، لم تكن بحاجة لأن تكون متيقظة طوال الوقت، خائفة من أن تخطئ او تخطو خطوة أو تنطق كلمة قد تفسر على أنها وقاحة أو جهل.
أسرعت صعود الدرج الخشبي الضيق إلى شقتها. لم تندفع نحو السرير كما توقعت، بل مباشرة إلى الحمام الصغير. ملأت الحوض بالماء الساخن – رفاهية نادرة حافظت عليها .، فهي ضرورة للنظافة بعد مساعدة الولادات.
انزلقت في الماء الحار، وصدرها يتمدد بأول نفس عميق حقيقي منذ ساعات. التعب الذي كان مقيداً بإحكام تحت جلودها طوال اليوم، بدأ يذوب في البخار المتصاعد. عضلات ظهرها المشدودة من الوقوف تحت ذلك المراقب الحاد، بدأت تلين. رفعت يديها النحيلتين أمام وجهها، تفحصهما كأنها تتأكد أنهما ما زالتا تخصانها. يداها اللتان لمست فرس الدوق، وخلطت أعشابه، وارتعشتا تحت نظراته.
أغلقت عينيها، وسمحت لنفسها بالتفكير.
ليون. مجرد اسمه الآن، في هذه العزلة الآمنة، كان يثير فيها رعشة مختلفة. لم تكن مجرد رهبة من سلطته. كان شيئاً آخر. ربما كانت الدهشة من وجود إنسان يبدو وكأنه منحوت من الجليد، يحمل كل ذلك الجمال و الأناقة وذلك الرعب و الهيبة في آن واحد. وتلك اللحظة عندما نظر إليها في الإسطبل… كان هناك شيء في عينيه، شيء سريع مثل ومضة، لم تستطع تعريفه.
أخرجت نفسها من الماء، ولفت جسدها بمنشفة قديمة ناعمة الملمس. ارتدت ثوب نومها القطني البسيط،
دلفت للمطبخ و اوقدت نار الغاز وأعدت لنفسها شاي الأعشاب. كانت تجلس على مقعدها الوحيد بجانب النافذة الصغيرة، تشرب الشاي وتحدق في أضواء المدينة البعيدة.
غداً، عليها العودة. إلى ذلك القصر، إلى ذلك الإسطبل النظيف المخيف، إلى حضوره الذي يملأ المكان حتى عندما لا يكون فيه.
لكن الليلة، على الأقل، كانت في بيتها. في قشرتها الواقية. والأهم من ذلك، أدركت فجأة أن اليوم الذي بدأ كخدمة بسيطة لحيوان مريض، قد دفع بها عبر حدود لم تكن تعرف بوجودها. أو ربما كانت تعرف لكنها الان لم يعد في وسعها تجاهلها.
التعليقات لهذا الفصل " 8"