سحبت هلينا نظرها من ذلك الوجه الجليدي، مقتنعة بأن اللحظة التي استغرقتها كانت مجرد وهم من خوفها.
المهمة كانت أمامها . الفرس كأنت تتألم
.شهقت نفسا عميقا محاولة استعادة شيء من شجاعتها الضئيلة .
رفعت رأسها ببطء في اتجاهه لتلتمس الإذن بالبدء . فور أن حاولت لمس رقبة “شادو ” جفلت الفرس في حركة مفاجئة جعل هلينا ترتد مبتعدة في ارتياع .
” اووه”
ارتعش قلبها من الخوف . التراجع على هذا النحو دليل نقص المهنية إزاء حيوان يتألم أوكلت لها مهمة علاجه ، أمر قد لا يغتفر . تنامى خوفها من العقاب و من الإهانة ، من ان تخطئ في هذا المكان الذي لا يغفر الاخطاء .
عادت لتشعر أنها تتضاءل . تذوب و كأنها غبار سيسحقه الدوق ليون تحت قدميه بلا اكتراث .
لكن ردة فعل ليون المحايدة و هو يراقبها ، هدأت من خطر توقعاتها . فشحذت ما تبقى عزمها .وقررت أخيرا أن مواجهة حيوان جموح أقل خطرا من مواجهة نظرة ازدراء من الدوق إن هي أخطأت .
“هناك، كل شيء على ما يرام.” همست لنفسها قبل أن تهمس ل شادو ، وتمددت يدها ببطء لتمسح عنق الفرس المتعرق.
اكتسبت حركاتها ثقة أكبر رغم ارتعاش أصابعها. فتحت حقيبتها القماشية، وبدأت تفحص الفرس بعين خبيرة. ضغطت بلطف على البطن المنتفخ، مراقبة رد فعل الحيوان. كان تنفّسه بطريقة معينة، وكان هناك تصلب في منطقة معينة. اتجهت لفحص النبض و العيينين . لحظة انغماسها بدأ الخوف يتلاشى . و كأن تركيزها يعزلها عن منصة الإسطبل التي تتقاسمها مع الدوق .
“الولادة قريبة ..قد تكون بعد بضعة أيام في أقل تقدير ، لكن الوضع ليس حرجاً.” قالت بصوت أعلى بقليل هذه المرة، موجهة كلامها للخادم أكثر من الدوق. “هناك توتر زائد. سأعد مسحاً مهدئاً من الأعشاب لاسترخاء العضلات، وسأبقى لأراقبها.”
اكتسى صوتها أخيرا ثقة و ثباتا خلافا للفوضى التي بدأت بها.
أخرجت من حقيبتها زجاجات صغيرة وأعشاباً مجففة. رائحة البابونج والخزامى انتشرت في الهواء، نقيضا لرائحة القش والخشب. بدأت تهرس الأعشاب في هاون صغير بضربات إيقاعية هادئة.
طوال الوقت، كانت تشعر بثقل ذلك النظرة المرسخة على ظهرها. لم يكن ليون قد تحرك من مكانه. كان واقفاً كتمثال، يراقب كل حركة، كل رفّة من أهدابها المتجهة نحو الأرض.
كان صمته أكثر إرهاباً من أي سؤال أو أمر.
عندما انتهت من تحضير المسح، تقدمت نحو الفرس مجدداً. بثبات أكبر هذه المرة .
“سيدي.” سمعت صوت الخادم يتحدث بهدوء. “الآنسة تبدو ماهرة.”
لم يرد ليون. لكن نظراته أصبحت أكثر حدة، أكثر تحليلاً. كان يراقب طريقة تحريكها ليديها النحيلتين، الدقة في قياساتها، الهدوء الذي بدأ يطغى على رعبها الأولي . رأى كيف أن الفرس، التي كانت متوترة حتى لحظة مضت، بدأت تستجيب لصوت الفتاة الهادئ ولمسها الخفيف.
هنا، في إسطبله الفاخر، بين حيوانه الثمين وخادمه المخلص، وقفت هذه الفتاة الهشة كالزجاج، تفعل ما لم يستطع البيطري المدعو بأجر باهظ فعله: تفرض هدوءها على الفوضى.
أخيراً، بعد ما بدا كأطول ساعة في حياة هلينا ، نظرت إلى الخادم.
“سأحتاج إلى البقاء بضع ساعات لأتأكد من استقرار وضعها. يجب أن تستقر حالتها قبل بدء المخاض الفعلي لمنع تعسر الولادة في الأيام القادمة.”
قال الخادم: “سنوفر لك كل ما تحتاجينه، بالطبع.”
لكن الصوت الذي تفجر بعد صمت طويل، كان كصوت صفعة في الهدوء.
“ما هي مؤهلاتك بالتحديد؟”
كان صوت ليون عميقاً، محايداً، لكنه اخترقها كسهم من ثلج. التفتت نحوه ببطء، فاجأتها مباشرة السؤال. عيناها التقتا بعينيه مرة أخرى، وكان هناك الآن فضول حاد في نظراته، فضول أشبه بمن يفحص عينة نادرة تحت المجهر.
“خالي… علمني.” بدأت، ثم صححت نفسها، محاولة إخفاء رجفة صوتها . “لقد تدربت على يديه منذ كنت طفلة. أعرف تركيب الأعشاب وتأثيراتها على الحيوانات والبشر. لقد ساعدت في ولادات عديدة.”
“ولادات بشرية؟”
كان السؤال مفاجئاً، حمل نبرة لم تستطع تحديدها.
“نعم.” أجابت، وخفضت عينيها مجدداً، محرجة من اعترافها بما قد يعتبره النبلاء عملاً وضيعاً.
مرة أخرى، ساد الصمت. ثم أدار ليون ظهره فجأة.
“ريان، تأكد من أن لديها كل ما تحتاجه. وأبلغني بأي تغيير.”
وبدون كلمة أخرى، غادر الإسطبل، تاركاً وراءه فراغاً مفاجئاً، ورائحة أخف من العطر الذي كان يفوح منه .
لكن قبل أن يختفي تماماً، عند المدخل، التفت للحظة. نظرتها كانت مثبتة على الفرس، لكنه رأى كيف أن كتفيها ارتختا قليلاً بعد مغادرته، وكأنها كانت تحمل جبلاً وانزاح فجأة.
ذلك الخدش الغريب في صدره؟ كان لا يزال هناك. وكان ينزف قليلاً.
التعليقات لهذا الفصل " 6"
شكرا على الترجمه عندك حساب نتابعك او تيليغرام