مع كل خطوة كانت تغوص بها قدميها في الحصى الناعم لساحة القصر الداخلية، كانت أفكار هيلينا تتزاحم في رأسها مخلفة مرارة الندم . ربما كان عليها التراجع وقت رأت السيارة المركونة في منعطف الطريق . لا لا .. ربما كان عليها أن تطبق فمها أبكر من ذلك لحظة رأت الفخامة المنبعثة من وقفة الخادم عندما فتحت الباب . كانت هيلينا تردد في داخلها: “فقط قومي بعملكِ ثم غادري”. حاولت أن تخفي رعبها خلف قناع من اللامبالاة، متمنية أن تذوب في الخلفية كأي خادمة عابرة.. لقد فات الأوان بالفعل على التراجع ..قومي بعملك و غادري “. كررت كلماتها و كأنها تعويذة سحرية للنجاة .
قادها الخادم “ريان” عبر ممرات فسيحة، ثم انعطاف إلى مبنى منفصل لكنه فخم بنفس القدر: الإسطبلات. كانت رائحة التبن النظيف والخشب المصقول تملأ المكان، متفوقة على رائحة الخيول. حتى الحيوانات هنا تعيش في ترف لا تحلم به معظم بيوت البشر.
وقف ريان عند مدخل إسطبل أكبر من البقية، مفتوح من الأعلى ليدخل ضوء النهار. “تقدمي آنستي . الفرس في الداخل.”
خطت هلينا خطوتها الأولى داخل الإسطبل الواسع، عيناها منخفضتان تبحثان عن الحصان. وفي تلك اللحظة بالذات، اصطدمت عيناه بظل رجل . ارتدت إلى الوراء، ونظرت لأعلى.
كان واقفاً في الظل الجزئي بجانب حاجز الإسطبل، منحنياً قليلاً يراقب الفرس الكبيرة التي كانت تقف في زاوية الحظيرة بهدوء مضطرب. عند شعوره بها استدار ببطء.
ألقى “ريان” نظرة سريعة على سيده، ثم قال باحترام واضح: “سيدي الدوق. هذه هي… المساعدة من الصيدلية.”
لم تكن هلينا بحاجة إلى هذا الإعلان. لقد عرفته في الحال. حتى في الظل، حتى في هذه اللحظة العابرة، كانت هناك هالة حوله، جاذبية جبارة وباردة كقطب مغناطيسي من الجليد. كان أطول مما تصورت، وأكثر رهبة في حقيقته مما كانت تسمع في القصص. ارتفعت عيناها قليلاً لتلتقي بخط فكه القوي، ثم أنفه المستقيم، ثم… توقفت. تجمدت دماؤها. خفضت رأسها محازلة تقديم تحية احترام . و أبقت عينيها على الأرض
في تلك اللحظة وقع نظرها على حذائها البالي في تباين صارخ مع الأرضية المصقول . بدا كأنه لطخة تشوه السطح الفخم للإصطبل .
. شعرت بالحرارة تتصاعد إلى وجهها. بدون وعي، بدأت تقارن. بين بذلته الداكنة، المقطوعة بدقة تامة من قماش يبدو أنه يكلف أكثر من دخلها لسنوات، وبين فستانها الرمادي البسيط الذي بدا فقيراً حتى في هذه الإسطبلات. بين حذائه اللامع، الذي يعكس حتى القش الذهبي على الأرض، وبين حذائها المتواضع المغطى بغبار أزقة “ويتشابل”. شعرت أنها تتضاءل، تذوب الأرضية الخشبية . ارتعش قلبها ليس فقط خوفاً، بل بإحلال مطلق بالدونية.
كان عليها أن تركز. أن تنجز مهمتها. لذلك، في تحدّ صامت لكل خوفها، رفعت رأسها تماماً لتواجه عينيه مباشرة.
وفي تلك اللحظة
عينا الدوق ليون – عاصفتان، رماديتان، اعتادتا على مسح ساحات المعارك واجتماعات المجالس بلا رحمة – لم تنزلقا عليها بازدراء كما فعلت مع كل شيء آخر. توقف فجأة .
مع كل نظرة إلى تقاسيم وجهها شعر بشيء يخدش أعصابه بشدة . عيونها العسلية و وجهها النحيف الوسيم . اتجهت عيناه لتفحص أنفها المنحوت مرورا بشفتيها المطبقتين . حتى جدعها النحيل . و مع استمراره في مسح تفاصيل وجهها . كان يشعر بانزعاج يتصاعد بين أوصاله . كأن حضورها يوقظ بركانا خامدا داخله .
“آنسة…” قال أخيراً، صوته أخفض وأعمق مما توقعته. “أتمنى أن تكوني مؤهلة بما يكفي. هذه الفرس ثمينة.” لكن حتى في تحذيره، كان هناك فضول غريب، مراقبة حادة لتأثير كلماته عليها.
هزت هيلينا رأسها بتردد، ثم أدارت وجهها نحو الفرس، محاولة الهروب من ثقل نظراته. “سأفعل ما بوسعي، سيدي الدوق.” كان همسها بالكاد مسموعاً، لكنه كان واضحاً.
التعليقات لهذا الفصل " 5"