كان صباح اليوم التالي في حي “ويتشابل” بارداً ورطباً كالعادة. داخل الشقة المتواضعة فوق الصيدلية، كانت “هيلينا” تستعد ليومها المعتاد. حرصت على ارتداء فستانها الرمادي البسيط، وربطت شعرها بإتقان. كان خالها “آرثر” قد سافر فجأة لزيارة صديق مريض، تاركاً الصيدلية تحت مسؤوليتها، وهي مسؤولية كانت تأخذها بجدية و مكابدة تامة .
بينما كانت تعد حقيبة الأعشاب التي قد تحتاجها خلال النهار . جلست على المائدة و تناولت قطعة خبز محمصة مع المربي و ارتشفت كوب الشاي بسرعة ، فجأة دق جرس الباب بعنف غير معتاد. نزلت بتردد، وفتحت الباب لترى رجلاً يقف بتراصف. كان يرتدي زي الخدم الرسمي، لكن قماشه وجودة تفصيله كانتا تخبران بقصة مختلفة. وقفته المهيبة ونظراته المباشرة لم تترك مجالاً للشك: هذا الخادم ينتمي إلى أحد القصور الكبرى.
“أنا هنا نيابة عن سيدي.” قال بصوت واضح ومحسوب. “أبحث عن السيد آرثر الصيدلي.”
ارتجفت يدا هيلينا قليلاً وهي تمسك بالباب. “خالي… مسافر حالياً. لن يعود قبل عدة أيام.”
ظهرت سحابة من القلق على وجه الخادم، لكنها اختفت بسرعة. “هذا مؤسف. الأمر عاجل ويتعلق بحيوان ثمين.”
في لحظة جرأة نادرة، ربما مدفوعة باحترافيتها أو بشفقتها على الحيوان، قالت: “أنا مساعدة خالي. تدربت على يديه، ويمكنني… ربما يمكنني المساعدة.” صوتها بدا أرغم مما كانت تتوقع.
نظر الخادم إليها بتفحص، يدرس هشاشتها الظاهرية وإصرارها الخفي. “الأمر يتطلب الخبرة. إنه حصان ثمين.”
“خالي علمني الكثير عن علاج الحيوانات بالأعشاب.” أكدت محاولة إخفاء ارتعاش صوتها.
بعد لحظة تردد واضحة، أشار الخادم إلى عربة فاخرة تنتظر في نهاية الشارع. “حسناً. لكن تذكري، هذا ليس عملاً عادياً.”
اتسعت عينا هلينا في ذهول و هي تنظر لعربة بمحرك بخاري نادرة . كانت كاربال تعج بالأغنياء كونها تعرف بالقطب الاقتصادي الأكبر بعد العاصمة ألدوريا . لكن لم تمتلك الا عائلتان في كل انحاء المدينة عربة تسير بمحرك بدل الأحصنة .
عندما فتح لها باب العربة، شعرت هيلينا بأن رئتيها تخلوان من الهواء. لم تكن قد ركبت سيارة خاصة في حياتها. كانت المقاعد من الجلد الفاخر، والداخلية مصنوعة من خشب الأبنوس المعتق. عندما انطلقت العربة، كانت تشعر بأنها تدخل عالماً مختلفاً تماماً.
لكن الصدمة الحقيقية كانت عندما اتخذت العربة طريق الجنوب و أخذت تتسلق التلة المؤدية إلى القصر. مع كل منعطف، كانت المباني العادية تختفي لتحل محلها مناظر طبيعية خلابة. ثم رأته.
القصر.
لم تكن مستعدة لهذه العظمة. لم يكن مجرد منزل كبير، بل كان تحفة معمارية تثير الرهبة. الأبراج الشاهقة، الواجهات المنحوتة، الزجاج الملون الذي يلمع تحت أشعة الشمس الضعيفة. كل شيء كان ينطق بقوة ونفوذ لا يمكن تخيلهما.
عندما توقفت العربة عند المدخل الرئيسي، شعرت هيلينا بقلبها يدق كأنه سيخرج من صدرها. ندمت على قرارها المتسرع. أي حيوان ثمين هذا يمكن أن يكون في مكان كهذا؟ . كانت سحابة القلق قد خيمت بالفعل على كل جوارحها ..و رهبة هذه الفخامة تضغط على أوتار تفكيرها . الذي صار لوهلة ضبابيا معتما .
التعليقات لهذا الفصل " 4"