في تلك اللحظة، عندما كان ليون يقترب منها أكثر مما تحتمل، عندما كانت رائحة عطره تملأ الفراغ بينهما وكانت عيناه الباردتان تبحثان في وجهها عن شيء لا تستطيع تحديده… جاء الصهيل ليقطع كل شيء.
كان صوت الحوافر المرتجفة والصهيل المكتوم لحظة خلاص ل هيلينا من اكثر المواقف المربكة في حياتها. كانت لحظة المخاض طوق نجاة لها .
“الولادة بدأت.” قالت بصوت مختلف، أكثر ثقة، أكثر حيوية. و هي تنظر إلى ليون للحظة وجيزة، ثم اندفعت نحو الفرس دون أن تنتظر إذنه.
لم يتحرك الدوق . وقف مكانه يراقبها وهي تنشغل بالفرس، تلمس بطنها بحذر، تخاطبها بصوت هادئ، تفتح حقيبتها وتبدأ في إخراج الأدوات. كان الانتقال سريعاً، مذهلاً. قبل لحظات كانت فتاة خجولة مرتبكة تنسى التحية وتتلعثم في الشكر. الآن كانت امرأة أخرى ،واثقة، ماهرة و مسيطرة على الموقف.
كانت تشعر بعاطفة حقيقية تجاه هذا الحيوان الهادئ. لكن في تلك اللحظة، كانت “شادو” أكثر من مجرد فرس تلد. كانت المنقذ. كانت العذر الذي يبعدها عنه، يمنحها مساحة للتنفس و يعيدها إلى رقعة بعد آمنة حيث هي المسؤولة و تعرف بالضبط ماهو مطلوب منها فعله .
انهمكت في فحص الفرس، تتجنب النظر خلفها. كانت تعلم أنه لا يزال هناك. كانت تشعر بثقله في المكان. لكن المسافة التي ابتعدتها، حتى وإن كانت خطوات قليلة، كانت كافية لتجعلها تشعر بأنها تستطيع التنفس مجدداً.
ستظل هنا، مشغولة و بعيدة عنه. المخاض سيستمر لساعات . هيلينا اعتبرتها ساعات من الأمان النسبي. ساعات من الهروب المقنّع تحت غطاء الواجب المهني.
“هذا جيد، هذا جيد.” همست للفرس، ولنفسها. “سأعتني بك. لن أتركك وحدك.”
مدت يدها إلى بطن الفرس المرتجف، وشعرت بحركة الحياة الجديدة تحتها.
كان الدوق يرى كيف استغلت هذه اللحظة لتبتعد عنه. كان يعرف أنها تهرب. وكان يعرف أيضاً أنه سيسمح لها بذلك. الآن على الأقل. لكنه الان لم يستطع الانكار أنها أخذت زمام الأمور و صارت هي الخبيرة و جعلته المتفرح .
بعد هنيهة
انفتح باب الإسطبل.
دخل ريان بخطواته الهادئة المعتادة، وقفته المهيبة التي لا تخفي أبداً انتماءه للقصر ولسيده. نظر حوله بسرعة، ممسكاً ببعض الأوراق في يده.
اغتنمت هيلينا الفرصة. توجهت نحوه مباشرة، لتحيته دون النظر إلى الدوق . انحنت بانحناءة سريعة ومهذبة. كان الانحناء لريان، خادم الدوق، لكنه كان أعمق وأكثر احتراماً من أي انحناءة قدمتها لسيده. كان هذا هروباً صغيراً آخر .
“سيد ريان.” قالت بصوت واضح ومهني. “الفرس دخلت مرحلة المخاض. ستبدأ الان علامات الطلق بالتسارع في أقل من ساعة من الان ، الوضع مستقر لكنه يتطلب مراقبة دائمة. سأحتاج إلى تجهيزات إضافية: ماء ساخن باستمرار و ربما مساعدة إذا طال الوقت.”
نظر ريان إليها بتلك العينين الرسميتين ، ثم أومأ برأسه. “سأرسل ما تحتاجينه فوراً، آنسة هارلو وسأبلغ مدير الاسطبل لإرسال مساعدين .”
ثم التفت نحو سيده، الذي كان واقفاً في الظل يراقب المشهد بعينين ضيقتين. لم يفوت ليون تلك اللحظة: كيف انحنت لريان، كيف توجهت إليه بالكلام و تجاهلته تماماً . لكنه لم يقل شيئاً.
“سيدي الدوق.” قال ريان بصوت محايد. “الدوقة تترقب حضورك لتناول الإفطار. خصوصاً مع زيارة خالتك الكونتيسة جيوفانتيا. وصلت منذ ساعة وهي تسأل عنك.”
نظر إلى هيلينا ، ثم إلى الفرس، ثم عاد بنظره إلى ريان. كان واضحاً أن عليه المغادرة و كان واضحاً أيضاً أنه لا يريد ذلك.
” سأوافيهم الان.” قال بصوت منخفض. ثم ألقى نظرة أخيرة على هيلينا التي كانت قد عادت إلى الفرس، تتظاهر بأنها لم تسمع شيئاً. “أبقني مطلعاً على تطورات الولادة. فور حدوث أي تطور.”
“بالطبع، سيدي.”
تنفست هيلينا الصعداء. شعرت وكأن جبلاً قد رفع عن صدرها. نظرت إلى ريان الذي كان يبادلها نظرة غريبة، خليط من الفضول والتقييم. لكنها سرعان ما عادت لتصب تركيزها على الفرس.
ريان غادر بعد دقائق، تاركاً إياها وحدها مع “شادو” التي بدأت تئن بصوت أعلى. كانت الولادة على وشك البدء. وكانت هيلينا . مستعدة.
*******★*************★*******
كانت الكونتيسة جيوفانتيا مختلفة عن أي نبيلة في العائلة. فبينما كانت الدوقة إليانور صلبة كالرخام، كانت هي ناعمة كالحرير و بينما كانت الدوقة متعالية بدمائها، كانت هي ودودة بقلبها.
في الرابعة و الخمسين من عمرها، كانت لا تزال تحتفظ بجمال الملكي . نفس عيون ليون الرماديتين ، نفس الابتسامة السهلة، لكن مع إضافة من الحنان الأمومي الذي لم تنجب به أطفالاً من زوجها ليوبولد، فعوضت ذلك بحبها الجم لأبناء أختها.
كانت ترتدي فستاناً من المخمل العنابي اللون، بسيطاً لكن أنيقاً، يبرز ذوقها الرفيع دون مبالغة. عنقها الطويل تزينه قلادة من اللؤلؤ الصغير، ويداها النحيلتان كانتا تتحركان برشاقة وهي تتحدث. شعرها الداكن المتموج كان مسحوباً إلى الخلف بتسريحة كلاسيكية ناعمة، تترك بعض الخصلات تتساقط على كتفيها بشكل طبيعي غير متكلف.
لكن أجمل ما فيها كان ابتسامتها. تلك الابتسامة التي تنير وجهها بالكامل، وتجعل من حولها يشعرون بالأمان والدفء. ابتسامة لا تحمل أي حكم مسبق، ولا أي تقييم بارد.
عندما دخل ليون إلى صالون الإفطار، كانت الكونتيسة جيوفانتيا جالسة بحانب والدته الدوقة الأم إليانور .
نهضت المرأة عندما رأته، وفتحت ذراعيها. “ليون! عزيزي!”
اقترب منها وانحنى لتقبيل خدها. كانت المرأة الوحيدة إلى جانب والدته في العائلة التي كان يسمح لها بهذه القرب. كان يسمح لها أيضا بالتعبير عن حنانها الصاخب و حنيتها الناضحة .
“خالتي . تشرفت برؤيتك.”
“تشرفت؟ تشرفت؟” ضحكت جيوفانتيا بصوت عالٍ. “هذا ما تقوله لخالتك التي لم ترك منذ شهور؟ حقا صار من الصعب جدا رؤيتك .”
جلس ليون على رأس طاولة الإفطار ، وأشار للخادم ليحضر له فنجان قهوة. الدوقة إليانور كانت تحدق فيه بنظرة فخر بالكاد تخفيها.
“سمعنا بالأخبار.” قالت الدوقة بنبرة راضية. “كان انتصاراً ساحقاً في مجلس التصويت. كل من حاولوا معارضتك عادوا بذيول الخيبة.”
تذكر ليون تلك الجلسة. معركة شرسة حول تمرير مقترح تكافؤ الفرص بين العامة و النبلاء في الترقيات العسكرية . . كان قد واجه تحالفاً من النبلاء القدامى الذين حاولوا عرقلة خططه. لكنه، كالعادة، حشد أصواته مستخدما نفوذه، وكسر معارضتهم ببرود.
“كان متوقعاً.” قال بهدوء.
“متوقعاً؟” رفعت جيوفانتيا حاجبها. “سمعت أن اللورد بريسويل هدد بالانسحاب من الائتلاف. وأن خمسة من النبلاء صوتوا ضدك في البداية. كيف حولتهم؟”
” كان من السهل جعلهم يدعنون بما أن لديهم استثمارات في الشمال ، جميع أصولهم تحت رحمة شركاتنا ” كانت الإجابة بسيطة، لكن الابتسامة الخفيفة على شفتيه قالت أكثر.
انفجرت جيوفانتيا ضاحكة. “هذا ابني! هذا دمنا!” التفتت نحو الدوقة. “ألم أقل لكِ، إليانور؟ هذا الولد سيأكل العالم كله بعبقريته”
حتى الدوقة الأم، التي كانت عادة متحفظة في إظهار مشاعرها، ابتسمت بفخر. “لطالما كان ليون قائداً. حتى عندما كان طفلاً، كان الأطفال الآخرون يتبعونه دون سؤال.”
رغم ان الدوقة إليونور امتلكت تحيزات طوال حياتها للدم النبيل ، الا ان فكرة انتصار ابنها على الجميع و هيمنته على قرارات الدولة جعلها تهلل للقرار .
“الدم النبيل لا يكذب.” أضافت جيوفانتيا بجدية مفاجئة. “نحن آل روكانديا ، لا نقبل بأقل من الإنتصار وليون يجعل هذا الاسم يلمع أكثر.”
تذكر ليون للحظة، أثناء حديثهما، تلك اللحظة التي انحنت فيها هيلينا لريان. كيف تجاهلته والتفتت لخادمه. كيف فضلت التحدث معه بدلاً من مواجهته. كان ذلك وهناً صغيراً في جدار سيطرته، لكنه آلمه.
“ليون؟” صوت خالته أعاده. “قلت لك أن ليوبولد سيعود قبل المغيب ”
” فهمت ” أجاب باقتضاب .
الدوقة إليانور التي كانت لا تزال تحدق فيه بفخر ، لم تستطع المقاومة أكثر:
“أتعلم يا ليون، لقد عدت للتو من العاصمة بعد غياب قصير، وأول ما يشغلك هو الإسطبل؟” نبرتها كانت حادة، تحمل استياء مكبوتا .
التفت إليها ببطء. “الفرس كانت على وشك الولادة. وكانت بحاجة إلى رعاية.”
كانت تعرف أن سؤالها تجاوز حدود اللياقة، لكنها كانت أم، وكان لديها الحق في التعبير عن استيائها.
تدخلت الكونتيسة جيوفانتيا بضحكتها المعتادة، تحاول تخفيف التوتر. ” هذه نفس اهتمامات جده الأكبر الإمبراطور كاليستو ، لقد كان مغرما بالخيول ؟”
ليون نظر إلى والدته بتلك العينين الباردتين. “كان هناك من يستحق الاهتمام. هذا كل ما في الأمر.”
لم تفهم الكونتيسة جيوفانتيا ما يقصده تماما . ظنت أنه يتحدث عن الفرس . لكن الدوقة إليونور بحدسها الأنثوي الحاد، لاحظت شيئاً مختلفاً في نبرة ابنها. لكنها فضلت الصمت.
لم تكن تريد إثارة موضوع الصيدلانية في الوقت الراهن . و اكتفت بالتظاهر بالجهل. كانت مصممة على إلتزام الصمت ، و المراقبة إلى أن تفهم ما يجول في عقل ابنها .
انتهى الإفطار ببطء. استمر الحديث حول آخر المستجدات الاجتماعية لحفلات العاصمة و كاربال . ثم حول خطط المستقبل. كان الكلام كله تمجيداً، كله فخراً، كله إشادة بعبقرية الدوق الشاب . وكان ليون يستمع بصبره المعتاد، لكن شيئاً في عينيه كان يقول إنه في مكان آخر.
أخيراً، بعد أن أنهت الكونتيسة حديثاً مطولاً عن آخر صيحات الموضة في العاصمة، وضع ليون فنجان القهوة جانباً ووقف.
“إذا سمحتم لي، أنا بحاجة إلى الراحة. السفر كان متعباً أكثر مما توقعت.”
نظرت إليه الدوقة الأم بقلق. “بالطبع يا عزيزي. اذهب واسترح. سنكون هنا عندما تستيقظ.”
“سأكون بخير بحلول العشاء.” قال وهو يتجه نحو الباب. “أعلموني عندما يصل الكونت ليوبولد.”
غادر الصالون، وصعد الدرج إلى جناحه الخاص. هناك، في غرفته الفسيحة ذات النوافذ المطلة على الحديقة .
بعد ان أخذ حماما دافئا ألقى بنفسه على السرير، وأغمض عينيه. كان بحاجة إلى النوم. كان بحاجة إلى الراحة. لكنه كان يعرف، في أعماقه، أن حتى أحلامه لن تخلو من وجهها هذه المرة.
التعليقات لهذا الفصل " 30"