وقفت هيلينا كالتمثال عاجزة عن الشعور بقدميها ، بينما ليون ألقى عليها نظرة فاحصة ، نظر إلى شكلها المرتبك و حركات يدها التي بدت مترددة بين الذهاب لفحص الفرس و انتظار أوامره قبل ذلك ،، بدت مشتتة بالكامل أمامه و مصدومة لرؤيته ..
هيلينا شعرت بثقل نظراته الكاسحة فقررت ان تبدأ محادثة لتخفف من وطأة الصمت المحرج .
كان الصمت بينهما يثقل كجدار من حجر. هي لم تكن تعرف ماذا تقول، وهو بدا منتظراً. فجأة، وبصوت خافت حاولت أن تكسره:
“سيدي الدوق… أردت أن أشكرك.”
رفع حاجبه قليلاً. كان واضحاً أنه لم يتوقع هذه البداية.
“الشكر على ماذا، آنسة هارلو؟”
تنفست بعمق. كانت الكلمات التي اختارتها بعناية تتصادم في رأسها. يجب أن تكون ممتنة. هذا ما يفترض بها و هذا ما يريده الجميع .
“على… عنايتك بوضعي في الغرفة الزرقاء.” نظرت إلى الأرض ثم رفعت عينيها بحذر. “إنها منة منك .. أكثر مما أستحقه . .اشكرك على كرمك المستفيض “
الكلمات خرجت مهذبة، مرتبة، كما لو كانت تقرأ من كتاب آداب السلوك.
“منّة؟” كرر الكلمة وكأنه يتذوقها للمرة الأولى. “هكذا ترينها؟”
ترددت. “كيف يمكن أن أراها غير ذلك ….؟ “
“هذه الغرفة.” قاطعها بصوت هادئ لكنه حاد. “اخترتها أنا شخصياً. ليس لأنها مناسبة لمثلكِ أو لغيركِ. بل لأنني أردتكِ فيها.”
صعقت. كان هذا اعترافاً مختلفاً. لم يكن كلاماً عن كرم أو منّة. كان كلاماً عن إرادة وعن اختيار شخصي.
” مع ذلك سيدي الدوق …”
“هل انتهيتِ؟” قاطعها مجددا بهدوء مخيف .
شفتيها اللتين انفرجتا لمتابعة الحديث اطبقتا مجددا في إحراج بعد ان قاطعها .
غير قادرة على الكلام ، تطلعت إليه برعب متوقع .
” أهذا تصرف معتاد، الدخول دون التحية أولا؟
توقف تفكيرها فجأة. كأن صاعقة صغيرة ضربت وعيها.
التحية.
في خضم محاولاتها لكسر الصمت، وفي وسط كلمات الشكر المرتبكة التي كانت تلقيها،
حاولت الرجوع بذاكرتها إلى لحظة دخولها الإسطبل. تذكرت كيف رأته واقفاً هناك، تلك الهيبة التي جمدت مكانها، تلك الدماء الملكية التي صرخت في وجهها بالفجوة بينهما. تذكرت كيف تداعت شجاعتها وتلاشت. تذكرت خطوته نحوها، وصمته، وانتظاره.
لكنها لم تتذكر أنها انحنت. لم تتذكر أنها همست بأي من عبارات الاحترام الواجبة. كان رأسها لا يزال مرفوعاً، وكانت قد بدأت بالحديث وكأنهما على مستوى واحد.
يا إلهي.
شعرت بالدم يتجمد في عروقها. كان هذا ، أسوأ من أي خطأ ارتكبه خادم في حق سيده. هذا ليس مجرد خطأ. هذا تجاوز للقوانين غير المكتوبة التي تحكم العلاقات بين الطبقات. هذا كان، في نظر كثيرين، إهانة صريحة.
كيف سمح لها التوتر بأن تنسى أبسط قواعد البقاء في عالمه؟
“أعرف.” قاطعها مرة أخرى بصوت لا يخلو من شيء يشبه التسلية. “لا بأس. هذه المرة.”
كانت الكلمات بنبرة لطيفة لكنها حملت وزناً ثقيلاً.
كان يعلم. كان يعلم طوال الوقت. وتركها تتحدث، تركها تشكره، تركها تغرق في جهلها، فقط ليمتع نفسه بهذا المشهد. أو ربما ليعطيها درساً لن تنساه.
جعلها ترى كم هي غريبة في هذا للعالم ، و كم هي تحت رحمته في أبسط التفاصيل .
في تلك اللحظة رأته كيف تحرك خطوة أخرى نحوها.
“الفرس…” قالت بسرعة، محاولة تذكيره بسبب وجودها الرسمي. “شادو. هي بخير. كل المؤشرات إيجابية.”
“أعلم. قرأت التقرير”
كان الدوق يستمر بمقاطعتها بشكل محرج أكثر و أكثر .
استمر بالإقتراب منها. شعرت بذلك الدفء الغريب الذي يسبقه أينما ذهب، تلك الهالة الثقيلة التي تملأ المكان. ثم رأت ابتسامته.
لم تكن الابتسامة الباردة المعتادة، تلك التي تختبئ خلف الجمود وتظهر فقط في زاوية العينين كسابقتها . كانت ابتسامة واضحة، مكشوفة، لعوب. لم يحاول حتى إخفاءها هذه المرة. كان كمن يقول: نعم، أنا أستمتع بهذا، وأعلم أنك تعلمين، ولا يهمني.
كان يقترب منها خطوة خطوة، وعيناه تلمعان بمرح خبيث.
في تلك اللحظة، تلاشت من عقلها صورة “الدوق العظيم” الذي ظهر لها اول ما دخلت الإسطبل. بقي فقط هذا الرجل الذي يقف أمامها، بعينيه اللعوبتين، وابتسامته الطفولية القاسية، وهو يستمتع بإحراجها دون سبب سوى أنه يستطيع.
شعرت بشيء غريب. لم يكن خوفاً فقط. كان مزيجاً من الدهشة والاستغراب .
لكنها لم تقل شيئاً. فقط نظرت إليه بتلك العينين العسليتين، تحاول أن تخفي شعورها بالخطر المحدق.
صمت ثقيل ساد المكان مجددا، لا يُكسر سوى بصوت تنفسها المتسارع. كانت تشعر بأن جسدها سيترنح من شدة التوتر. هذا الاقتراب المفاجئ مجددا ، هذه النظرة التي تخترق أعماقها… في ذلك القرب المُربِك، حيث كانت أنفاس هيلينا المتلاحقة تتصادم مع صمته الثقيل، رفع ليون يده ببطء. توقعت أن يلمسها، لكنه تجاوز كتفها ليأخذ كتاب الأعشاب الذي تركه على الرف “
مما جعل عينا هلينا تتوسعان في ذهول .
“أخبريني” قال صوته منخفضاً يحمل نبرة لم تسمعها منه من قبل وهو يقلب صفحات الكتاب “ما الذي دفع بكِ للبقاء هنا طوال الليل؟”
ارتجفت شفتا هيلينا . ” س.. سيدي أنا هنا لرعاية الفرس كما أمرت .”
“كما أمرت ” كررها مجددا بنبرة إستفزازية
رفع حاجبه ببطء، وابتسامته اتسعت قليلاً. اقترب خطوة أخرى .
“وماذا لوأمرتك بشيء آخر؟”
“هل ستطيعين ؟”
سقطت الكلمات في صمت الإسطبل كحجر في ماء راكد. شعرت هيلينا بالفخ ينغلق حولها. عيناها اتسعتا للحظة قبل أن تسيطر على تعابير وجهها. لكن الارتباك كان قد أصابها بالفعل.
كيف تجيب على هذا السؤال؟ إذا قالت “نعم”، كان ذلك اعترافاً خطيراً. كان تسليماً كاملاً لإرادته، فتحاً لباب لا يمكن إغلاقه. وإذا قالت “لا”، كانت عصياناً صريحاً، تحدياً قد يكلفها الكثير.
صمتها كان أطول من اللازم. رأى هو ذلك. رأى ارتباكها، رأى كل تلك الشجاعة الخرقاء التي حاولت إظهارها تتداعى . رأى عينيها تبحثان عن مخرج، رأى شفتها السفلى ترتعش قبل أن تعضها بإحكام. كان هذا بالضبط ما أراده.
لكنه انتظر. لم يضغط عليها. فقط وقف هناك، يراقبها وهي تتخبط في شباك كلماته.
لقد أعجبته اللعبة.
في داخله، كان يعرف أن تصرفاته هذه غير مألوفة. غير لائقة .
لكن لماذا كان يفعل هذا؟ لماذا يشعر بهذه الرغبة الطاغية في أن يكون لئيماً معها، أن يزعجها .، ؟ لم يكن يعرف. لكنه كان يعرف شيئاً واحداً مؤكداً: لم يشعر بمثل هذا الاندفاع، هذه الحيوية، منذ سنوات طويلة.كانت تصرفاته أقرب إلى تصرفات مراهق مضطرب منها إلى دوق و قائد إمبراطورية .
كان الامر مضحكاً و سخيفاً حتى. لقد عاد من العاصمة في جوف الليل، قطع المسافة بين المدينتين دون توقف، كل ذلك من أجل… هذا. من أجل رؤيتها مرة أخرى. من أجل اختبار هذا الشعور الغريب الذي ينتابه عندما تكون بقربه. ومن أجل مضايقتها، بصراحة. كانت متعة لا يمكن إنكارها .
كانت لحظة غريبة. هو الذي يقود إمبراطورية، يتمنى أن يتجمد الزمن في إسطبل. هو الذي يمتلك مدناً وقصوراً، يجد اكتماله في زاوية صغيرة مع فتاة صيدلية ترتجف من وجوده.
استحقت العودة. استحقت كل عناء الرحلة. بل استحقت أكثر.
كان يلعب معها دون أن تدري ، و كان مستعدا للاستمرار في هذه اللعبة للنهاية .
أخيراً، همست بصوت مرتجف بالكاد مسموع:
“أنا ….”
فجأة ..
انطلق صوت صَهيلٌ مكتوم مرفوقا بصوت احتكاك حافر بالأرض .. كان الصوت الذي أعادهما للواقع اخيرا .
التعليقات لهذا الفصل " 29"