كان الضباب الليلي قد بدأ يتبدد عندما دخل ليون الإسطبل. الهواء كان لا يزال يحمل برودة الليل، ممزوجاً بروائح القش النظيف والتبن. كانت “شادو” واقفة في كشكها، تبدو أكثر هدوءاً وراحة مما رآها عليه قبل أيام.
لكن شيئاً غريباً لفت انتباهه. على المقعد الخشبي بجانب الكشك، كانت هناك بطانية صوفية مطوية بعناية، بها كتاب مغلف بغطاء قماشي ، كان يمكنه تمييز عنوان عن الأعشاب الطبية. لم تكن هذه من ممتلكات الإسطبل.
التفت ليون ليرى مدير الإسطبل واقفاً باحترام.
“الآنسة هيلينا قالت إنها تخشى من أي مضاعفات مفاجئة. لهذا اضطرت إلى قضاء أغلب الوقت ليلا في الإسطبل ”
نظر ليون مرة أخرى إلى البطانية والكتاب. مد يده والتقط الكتاب ثم فض الغطاء القماشي برفق، وفتح الصفحة الأولى.
لم يكن دفتر ملاحظاتها الطبي. كان شيئاً آخر. كتاباً شخصياً، بخط يد أنيق و متقن، وكلمات مرسومة بعناية طفولية. بعض الصفحات كانت تحتوي على أعشاب مجففة بين طياتها، وأخرى على رسومات صغيرة لزهور ونباتات. رسمات توضيحية لجذور النباتات، وتركيبات أعشاب، وتواريخ وجرعات. كل شيء كان منظمًا بدقة متناهية.
كان يبدو كأنها كانت تجمع فيه ملاحظتها السرية . أشياء لا تدونها في الدفتر الرسمي.
شعر بشيء غريب ينتابه. هذا الكتاب ا البسيط، الذي، كان بين يديه الآن. كان يحمل شيئاً يخصها. شيئاً لامسته أصابعها النحيلة، وكتبت فيه أفكارها الخاصة، وربما وضعت فيه جزءاً من روحها المنعزلة.
أغلق الكتاب بعناية، وأعاد تغليفه بقطعة القماش كما كانت. ثم سار به نحو الرف الخشبي بجانب مدخل الإسطبل. وضعه هناك بهدوء , وقف ليون في وسط الإسطبل، يراقب ضباب الصباح الذي يتخلل النوافذ. كان منهكاً من السفر الليلي الطويل، لكن إرهاقه الجسدي لم يكن شيئاً مقارنة بالاضطراب الذي يشعر به.
وقف هنيهة، ثم تنهد تنهيدة خفيفة، واتجه نحو “شادو” ليتفقدها عن قرب .
بدأ يمرر يده على عنقها بحركات آلية، لكن عينيه كانتا على الباب. كانت الدقائق تمر كالدهور. كل صوت خطى خارج الإسطبل كان يجذب انتباهه، كل ظل عابر كان يجعل قلبه ينبض بنبضة أسرع. كان يكره هذا الشعور. كان يكره أن ينتظر أحداً. لكنه كان هنا، منتظراً.
ثم سمعها. خطوات خفيفة، مترددة، تقترب. صرير الباب الخشبي.
دخلت.
لم تكن صورة. لم تكن حلماً. لم تكن واحدة من تلك التخيلات التي داعبته في صمت العاصمة، في زحمة الاجتماعات و في عزلة مكتبه بعد منتصف الليل. كانت حقيقية. واقفة هناك، في ضوء الإسطبل الخافت، ترتدي ثوبها الرمادي البسيط، وشعرها مربوط للخلف بإحكام، وعيناها العسليتان واسعتان .
كل التفاصيل التي رسمها في مخيلته خلال الأيام الثلاثة الماضية تلاشت أمام الواقع. لم تكن تخيلاته قادرة على محاكاة صورة الواقع الذي كان حيّاً و نابضاً و حقيقياً أمامه .
وفي داخله، شعر بشيء غريب. كأن الحياة بدأت تدب من جديد في عروقه . كان كمن كان يعيش في عالم رمادي، وفجأة انفجرت الألوان من حوله .
كان يركز عليها بكل ما أوتي من قوة، وكأن العالم من حولهما قد تلاشى.
دقائق الصمت امتدت، لكنها لم تكن ثقيلة. كانت مشحونة بشيء لا يستطيع تسميته. كان الهواء بينهما يكاد ينبض.
************★**********
عندما خطت هيلينا متجاوزة باب الإسطبل كانت قد لملمت شجاعتها بأطراف أصابعها المرتعشة. ردّدت في داخلها كلمات التشجيع التي اعتادت أن تقولها لنفسها قبل مواجهة الأوقات الصعبة: “أنتِ قوية. أنتِ تستطيعين. لقد نجوتِ من أسوأ مما تتخيلين.”
ثم رأته.
وقف هناك، في نصف الظل، كأنه منحوت من الظلام والضوء معاً. ضوء الصباح الخافت كان يتسلل من فجوات النوافذ ، فيرسم خطوطاً ذهبية على كتفيه العريضين، على ملامح وجهه الحادة .
لم يكن مجرد رجل. كانت الدماء الملكية تصرخ في كل تفصيلة فيه. طريقة وقوفه، . نظرة عينيه، الباردة والثابتة، كأنه يرى العالم كله كساحة لعب صغيرة. حتى صمته كان صمت من يملك حق الكلمة الأولى والأخيرة.
شعرت هيلينا بأن شجاعتها التي لملمتها في الغرفة الزرقاء قبل مجيئها إلى هنا تتداعى كبيت من ورق. تلاشت و انهارت ثم تسربت من بين أصابعها كالماء.
كان بعيداً. بعيداً جداً عن متناولها. ليس بالمسافة، بل بالدماء الملكية التي أعطته مظهرا بهذه المثالية. بالطبقة. بالعالم الذي ينتمي إليه. هي يتيمة لاجئة، فتاة نشأت بين الجثث والأوبئة، تعيش على هامش الحياة. وهو… هو من تُرفع له القبعات، و ينحني له الجميع عامة و نبلاء ، وتُفتح الأبواب قبل أن يصل.
كيف تجرأت حتى على التفكير بأنها يمكن أن تقف أمامه على قدم المساواة .
لم تتحرك هيلينا . لم تستطع. كان الوقوف في مكانها هو كل ما استطاعت أن تفعله. عيناها مثبتتان عليه، لكنهما كانتا تريان أكثر من مجرد شكله . بل كانتا تريان المسافة. تلك الأميال غير المرئية التي تفصل بين من يولد والعالم تحت قدميه، وبين من يولد ولا شيء له سوى جسد هش وذاكرة مليئة بالجثث.
بقيت واقفة في مكانها ، كانت نظراته لا تزال مثبتة عليها، لكن شيئاً فيها قد تغير. ربما كان ذلك الإدراك المتأخر، أو ربما كانت تلك الهوة التي شعرت بها قبل لحظات قد وسعت رؤيتها.
تذكرت كل ما قاله الخدم عنها. “الدوق العظيم.” “العبقري البارد.” “الرجل الذي لا يُقهر.” كانت تظنها مجرد كلمات يرددونها بدافع الخوف أو التملق. لكنها الآن، وهي تراه يقف هناك بكل تلك الجلالة، بكل ذلك الوقار الطبيعي الذي لا يُتكلف، بدأت تفهم.
لم يكن مجرد رجل غني أو نبيل من العائلة الملكية . كان شيئاً آخر. كان قائداً حقيقياً، شخصاً يحمل في وقفته وسكوته أثقل من أي كلمات. كان شخصاً ولد ليقود، ليكون محط الأنظار .
ثم تذكرت تلك الابتسامة الملتوية. تلك اللحظة في الإسطبل عندما رأته يبتسم ابتسامة لعوب، طفولية، قاسية. تلك اللحظة التي جعلتها تشك في صورته التي رسمها الخدم.
الآن، شكت في نفسها.
ربما كانت تتخيل فقط. ربما كانت ترى ما تريد رؤيته، أو ما يريده خوفها أن تراه. ربما لم تكن تلك الابتسامة تحمل ما اعتقدته. ربما كان هو فقط… الدوق. الدوق الذي لا يمكن اختزاله في لقب أو صفة واحدة.
شعرت بالارتباك يعود إليها. أي الرجلين كان حقيقياً؟ ذاك الذي ابتسم لها ابتسامة ملتوية قاسية،
التعليقات لهذا الفصل " 28"