صعد ليون الدرج بخطوات ثابتة، وريان خلفه بمسافة محترمة. في الطابق العلوي، انعطف نحو الجناح الشرقي، حيث السجادة السميكة ابتلعت صوت خطواته. كان يعلم أنها نائمة. كان يعلم أن الوقت لا يزال باكراً جداً.
وصل إلى باب الغرفة الزرقاء. وقف أمامه. الخشب المنحوت كان يفصله عنها ببضع بوصات فقط.
رفع يده ليطرق.
وتوقف.
علقت يده في الهواء. للحظة قصيرة، متناهية في القصر، لكنها كانت موجودة. شعور غريب، غير مألوف، تسلل إلى أحشائه مثل سم بطيء: التردد.
عبس ليون في وجهه هذا الإحساس، هذا التردد غير المبرر، كان كجرح في كبريائه. ما الذي يحدث له؟ منذ متى وهو يقف أمام باب أي غرفة يتساءل إن كان ينبغي له أن يطرق أم لا؟ منذ متى وهو يهتم بما هو “لائق” أو “غير لائق”؟
نما الانزعاج في داخله كالنار في الهشيم. كان الأمر كما لو أن جسده خانه للحظة، كما لو أن جزءاً منه بدأ يتصرف باستقلالية عن إرادته الحديدية.
أغمض عينيه للحظة. تنفس بصدره. تردده هذا كان إدراكاً مفاجئاً و بوضوح مؤلم على ما كان يوشك على فعله…
أحكم قبضته على نفسه، على أعصابه، ثم أنزل يده.
أدار ظهره للباب أخيرا .
“سأتفقد المكتب أولاً.” قال ليون بصوت منخفض، مكتوماً، وكأنه يبرر لنفسه أكثر مما يخبر خادمه. “أيقظها بعد ساعة واجعلها تستعد. سأراها في الإسطبل ” قال و هو يتجاوز خادمه .
**********★*******★*******
كانت قرية نوردامي في حدود مملكة لوزمبورغ تغرق في ظلام لزج، تفوح منه رائحة الموت.
انبعثث الأدخنة و السخام المحمل برائحة الجثث المتفحمة في سماء المغييب الوشيك .
ألقت الظلال الأخيرة للأفق الملتهب بوهج على جسد طفلة هزيلة متكورة في حفرة واسعة محترقة. الجثث متراكمة حولها، بعضها متصلب، بعضها لا يزال طرياً، عيونها زجاجية تحدق في لا شيء. رائحة المرض والموت تعتصر رئتيها، لكنها تمنع نفسها من السعال. كتمت أنفاسها لتكبح أي صوت و أي حركة .
بينما بدأت الظلال الداكنة أخيرا تغطي الأفق كانت البقع السوداء تلوح في السماء على شكل طيور جارحة . كانت تحلق في دوائر بطيئة، جشعة، تنتظر حلول الظلام لتتمكن من الاقتراب .
جسد الطفلة الصغير كان متجمداً تحت كومة من الأجساد الباردة. كانت تسمع دقات قلبها تدق بعنف في صدرها، تخشى أن يسمعها أحد الطيور أو الجنود الذين يمشطون المنطقة بلا هوادة . كانت تصلي في ذعرها بصمت راسخ.
ثم سمعت صوت خطوات على الحصى. تقترب ثم توقفت . امتدت يد قوية نحو الجثث العلوية، بدأت تزيحها واحدة تلو الأخرى. ضوء خافت تسلل إلى قاع الحفرة، ثم ظهر وجه مألوف .
بدا خالها آرثر، شاحباً، مغبراً، لكن عينيه كانتا تحترقان بقلق عارم لم تره من قبل.
“وجدتك أخيرا ” همس بصوت متهدج، ومد ذراعيه إليها.
انتشلها من بين الجثث كأنها طائر صغير سقط من عشه. حملها بعيداً عن الحفرة، عن النسور، عن الموت. ثم جثا على ركبتيه أمامها، ممسكاً بكتفيها النحيلين، محدقاً في وجهها الملطخ بالوحل والدموع.
نظر إليها بذلك القلق العارم، ثم قال بصوت خافت لكنه حازم .
“هل أنت خائفة؟” سألها بصوت مرتجف.
استمرت الطفلة مسمرة و عاجزة عن النطق . إلى أن أمسك بخذيها معا بين يديه يستحثها على النظر إليه .
“هل أنت خائفة ؟”
تلك العقدة التي كانت تضغط على صدرها طوال ساعات الرعب، انفرجت فجأة .ثم انفجرت الطفلة بالبكاء في نحيب طويل خالص. والكلمات تخرج متقطعة بين شهقاتها:
“أجل… أنا خائفة جداً…”
“انظري إلي. سنغادر لوزمبورغ الآن.إلى مكان أفضل. …..ومنذ اليوم… اسمك هيلينا, مهما يحدث مستقبلا اسمك سيبقى هيلينا “
الكلمات ترددت في الفراغ، تحمل في طياتها بداية جديدة، وهوية جديدة، ونبذاً لكل ما كان.
ثم انفتحت العيون على نور الصباح الباهت يتسرب عبر الستائر الثقيلة.
لحظة من الارتباك الكامل. ثم أدركت. السقف المزخرف. الأثاث الفخم. الصمت المهيب. الغرفة الزرقاء. قصر الدوق. كاربال. لم تعد تحت الجثث. لم تعد في لوزمبورغ. لم تكن النسور تحلق فوقها.
لقد كان الكابوس المعتاد مجددا .
شعور بالطمأنينة الغريبة جرفها للحظة. كانت آمنة.
التقطت نفسين عميقين متتابعين، تملأ رئتيها بهواء الغرفة النظيف والبارد. ثم أخرجت الزفير ببطء، طويلاً، كما علمها خالها أن تفعل عندما تتدفق الذكريات لتضيق الخناق على صدرها . كانت تحاول استعادة السيطرة على نفسها، على ذعرها الباقي من الحلم.
نظرت إلى يديها. كانتا ترتجفان بارتعاشة خفيفة، غير إرادية. وضعت إحداهما على الأخرى، وضغطت. شهقت مرة أخرى، وركزت على نبضها حتى بدأ يهدأ.
وقفت عند النافذة، تطل من بين الستائر الثقيلة على الفناء الداخلي للقصر. . كان هناك حركة غير معتادة: في صفوف الخدم .
ابتعدت عن النافذة محاولة تجاهل ما رأته. ربما كانت شخصية نبيلة مهمة قد حلت ضيفة على القصر أو ربما كانت زيارة مفاجئة لأحد أقارب الدوقة. في كل الأحوال لم يكن للأمر علاقة بها .
ثم تناهى إلى مسامعها طرقات خفيفة على الباب أعقبتها مباشرة دخول مولي دون انتظار الرد. وجه الخادمة الشابة كان شاحباً، وعيناها واسعتان، وبدا عليها أنها أتت مسرعة دون أن تلتقط أنفاسها. لم تقدم تحية الصباح المعتادة، لم تسأل عن النوم أو تشرح قائمة الإفطار.
قالت ببساطة، وكأنها تزيح ثقلاً عن صدرها:
“لقد عاد الدوق.”
دوت الكلمات في أذناي هيلينا كالصاعقة التي أصمت سمعها .
الصدمة تجتاح جسدها كموجة باردة. انفرجت شفتاها لكن الصوت لم يخرج. يداها، التي كانت قد توقفت عن الارتجاف قبل لحظات، عادتا ترتعشان من جديد. نظرت إلى مولي وكأنها تطلب منها تبين الخبر على أمل أن يكون خطأ.
لكن مولي كانت تنتظر رد فعلها، عيناها مثبتتان عليها بقلق.
بالكاد استجمعت هيلينا ما تبقى لديها من رباطة جأش. أطبقت يديها على بعضهما بقوة، وكأنها تحبس الرعشة داخلهما. تنفست بصعوبة، ثم فتحت فمها لتسأل. صوتها خرج مبحوحاً، مرتعشاً، بالكاد مسموعاً حتى لأذنيها:
التعليقات لهذا الفصل " 27"