استيقظ ليون في صباح اليوم التالي بنفس الهدوء الذي يلفّ الغرفة ، كأن النوم العميق كان قد غسل كل أثر للعواصف التي أثارها التقرير و ضجر الحفلة . لكن هذا الهدوء لم يكن هدوء الاستسلام أو نسيان الهواجس الليلية. بل كان هدوء القرار الحاسم. كانت العاصفة الداخلية قد هدأت، ليس لأنها انتهت، بل لأن مسارها قد حُدد.
وقف أمام النافذة وتنفس بانتظام. الفكرة التي راودته في الليل لم تكن مجرد نزوة؛ كانت الحل الوحيد المنطقي. كل ما رآه وسمعه – فراغ الحفلة، غموض التقرير، عدم الارتياح المستمر – كان يعود إلى نقطة واحدة. وكان بحاجة إلى الذهاب إلى تلك النقطة، ليس في حالة اندفاع، بل بسلطة مطلقة وحسابات دقيقة.
لذلك، عندما دخل ريان الغرفة، وجد سيده هادئاً، مرتكزاً. ولكن ريان ، الذي خدمه لسنوات طويلة، لم ينخدع بهذا الهدوء الظاهر. كان يعرف أن الاضطراب الذي رأه في عيني ليون البارحة، وتلك النظرات المتكررة للساعة، لم تختفِ ببساطة. لقد استُوعبت، وحُوصرت، وتحولت إلى شيء آخر: إرادة صامتة وحادة.
بعد لحظات ظهر السيد باركلي، كالعادة، في اللحظة المناسبة تماماً. كان يحمل الثياب المختارة لهذا اليوم: بدلة صوفية رمادية فاتحة أنيقة ولكنها رسمية، قميصاً أبيض ناصعاً، ربطة عنق حريرية داكنة.بينما ساعده في ارتداء ملابسه الفاخرة بدقة. حركات ليون كانت اقتصادية وواثقة، لكن هناك صلابة جديدة في وقفته، تركيزاً أكثر حدة في صمته. ليون لم يكن “مرتاحاً”؛ كان قد استقر على خطة.
“مجلس التصويت في البرلمان اليوم في الساعة الثانية، سيدي الدوق.” ذكر ريان .
“أعرف.” كان رد ليون قصيراً. و بينما هو يعدل طرف البدلة أضاف “بعد انتهاء المجلس مباشرة، أريد العربة الخفيفة جاهزة للرحلة إلى كاربال.”
القرار. لم يُعلن بلهجة اندفاع أو غضب، بل كأمر روتيني، كخطوة تالية في جدول أعماله.
كانت هذه أول مرة في تاريخه يقطع فيها زيارة رسمية للعاصمة بعد ثلاثة أيام فقط، عادة ما كانت تستمر لأسابيع أو أشهر. لكن بالنظر إلى جو الإضطراب الذي ساد البارحة ، يعد هذا القرار أقل إثارة للاستغراب بالنسبة ل ريان و حتى للسيد باركلي
لم يظهر ريان أي مفاجأة، فقط أومأ برأسه “حاضر، سيدي. هل سيصحبك الطاقم المعتاد؟
“نعم. السفر سيكون مباشراً. الإقامة قد تمتد بضعة أيام.” أضاف ليون، وهو ينظر في المرآة لتعديل ربطة عنقه بنفسه، حركة نادرة تدل على تركيزه الشديد على تفاصيل اليوم. ” تأكد أن يعد كل شيء هذا المساء ، أريد المغادرة دون أي تأخير بعد الفجر “
خرج ريان لتنفيذ الأوامر، وهو مدرك تماماً أن هدوء سيده هذا الصباح كان أكثر إثارة للريبة من انفعاله البارحة. ليون كان قد اتخذ قراراً، وكان هذا القرار – العودة المفاجئة إلى كاربال – هو ما منحه هذا السلام الظاهري. كان ينتظر فقط اللحظة المناسبة، بعد أداء واجباته الرسمية، لينفذه.
لذلك، وقف الدوق ليون في غرفته، مرتدياً أفضل ملابسه، يبدو كأكثر الرجال سيطرة على نفسه وعلى العالم.
********★***★*****★*******
قبل بدء جلسة التصويت المصيرية في قصر “فيرفوكس”، وفي ردهة الاستراحة المخصصة لكبار الشخصيات، عندما دخل الدوق ليون، كان الكونت ليوبولد ينتظره، واقفاً بجانب المدفأة الضخمة. وما إن التقت عيناه بعيني ليون، حتى تقدم بخطوات واسعة وثابتة، وفتح ذراعيه.
لم يكن عناقاً عاطفياً مبالغاً فيه، بل كان تحية قوية بين رجلين حرب، لكنه حمل حرارة نادراً ما تُرى في تعاملات ليون. دفع ليون نفسه قليلاً إلى الأمام، وسمح بذلك، بل واستجاب بضغط خفيف على ظهر العراب. كان هذا هو الشخص الوحيد على وجه الأرض الذي يمكن لليون أن يقبل منه مثل هذه التحية العلنية دون أن يشعر بأنها انتهاك لمساحته الشخصية.
“جئت من كاربال خصيصاً لهذه اللحظة، يا بني.” قال ليوبولد وهو يتراجع، لكن يداه بقيتا على كتفي ليون للحظة، تفحصانه بنظرة الفخر والقلق التي تميزه. “لم أكن لأتركك تواجه هذا القرار وحدك.”
كان ليوبولد في أواخر الستينيات من عمره، لكنه بدا وكأنه منحوت من نفس الجرانيت الذي بُنيت منه الإمبراطورية. شعره كان أبيضاً كالثلج، مقصوصاً بقصر عسكري، وشاربه الكثيف الأبيض كان يحمل آثار سنوات من القيادة والتأمل. عيناه الزرقاوان، بلون السماء الصافية في يوم شتوي بارد، كانتا تحملان ذكاءً ثاقباً وحنوّاً متحفظاً. كان يرتدي بدلة عسكرية متقاعدة لكنها أنيقة، تحمل أوسمته القديمة ببساطة ووقار.
هذا الرجل لم يكن مجرد عراب بالاسم. بعد وفاة والد ليون المأساوية، كان ليوبولد هو من وقف كجدار أمام المؤامرات العائلية والمطامع الخارجية التي حاولت النيل من الوريث الشاب. هو الذي أقنع الملك بأن عبقرية الصبي الباردة والقاسية هي بالضبط ما تحتاجه فروفانتا في ذلك الوقت المضطرب. هو الذي أشرف على تدريبه العسكري الشخصي، ليس فقط على فنون الحرب، بل على فنون القيادة والسياسة.
وفي تلك الردهة، أمام جلسة تاريخية، كان ليون – الذي نادراً ما تُرى ملامحه تحيد عن البرود المحسوب – يبدو مختلفاً. لم تكن سعادة عريضة، بل كانت راحة عميقة، وهدوء غريب. كان يتحدث مع ليوبولد، والإيماءات بيديه كانت أكثر من المعتاد، وصوته، وإن كان لا يزال منخفضاً، فقد حمل نبرة من الحماس المتقن. كان يستمع باهتمام حقيقي، بل وكان يبتسم ذلك الابتسام النادر الذي لا يصل إلى العينين إلا لمن يعرفونه جيداً: مجرد تلطيف طفيف في زاوية فمه.
كان ليوبولد بالنسبة له أكثر من مرشد عسكري أو حليف سياسي اوحتى زوج خالته الكونتيسة جيوفانتيا؛ بل كان الاعتراف الحي الوحيد بضعفه السابق، والشاهد على صعوده، والشخص الوحيد الذي لم يطلب منه شيئاً في المقابل سوى أن يكون الرجل الذي رآه فيه. في وجود ليوبولد، لم يكن ليون بحاجة إلى أن يكون الدوق الذي لا يقهر؛ يمكن أن يكون مجرد “ليون”، التلميذ الذي لا يزال يتعلم، الابن الذي وجد في عمق المأساة أباَ ثانياً منحته القسوة والحكمة التي يحتاجها للبقاء.
لذلك، بينما كان الاثنان يتحدثان قبل دخول القاعة، كان هناك شيء من الحياة الحقيقية، من الاتصال الإنساني النادر، يلمع في عيني ليون.
التعليقات لهذا الفصل " 23"