عندما رأته زوجة الماركيز، السيدة إيزابيل ويلرغريم، وهي امرأة ترى في جمع الشخصيات المؤثرة فنّاً، قررت أن تقدم له “التحفة” الجديدة في مجتمعهم.
“دوق ليون، اسمح لي أن أقدم لك ضيفتنا المميزة، الآنسة ماريا كريستيڤا من لوزنبورغ.” قالت السيدة إيزابيل بصوت ناعم وحاسم، ممسكةً بذراع ماريا برفق وتحثها على الوقوف بجانبها.
تقدمت ماريا قليلاً، وانحنت بانحناءة مهذبة مثالية. رفعت رأسها ببطء، عينيها الزرقاوتين الكبيرتين، اللتين كانتا عادةً تنظران إلى الأسفل بتحفظ، تلتقيان بنظرة الدوق. كانت في قمة أناقتها، فستانها السماوي البسيط يبرز شحوب بشرتها الناعمة وشعرها الذهبي المصفف بإتقان. كانت هناك هالة من الجمال الحزين والرقي الغريب حولها، جعلت حتى أكثر النبيلات تحفظاً يعترفن بجاذبيتها الفاتنة.
“سعادتي، آنسة.” قال ليون. كانت العبارة المهذبة تخرج من فمه كآلة. نظرته مرت فوق وجهها، مسحة عينيها الزرقاوتين، خط شعرها الأسود… ثم تخطاها، كأنه يمسح قائمة جرد. لم يتوقف، لم يتأمل، لم يظهر أي اهتمام أو حتى فضول عابر.
.كانت نظرة فارغة دون أن يلتقط شيئاً. كانت نظرة كتلك التي يلقيها على ساعة الحائط أو على قطعة أثاث في ممر. محايدة، سريعة، خالية من ذرة إهتمام .
. كانت ماريا مجرد عنصر آخر في المشهد، لا أكثر ولا أقل.
“آمل أن تستمتعي بإقامتك في ألدوريا.” أضاف، صوته مسطحاً، لكن قبل ان تبتسم حتى أو ترد ، إلتفت نحو السيدة إيزابيل. “إذا سمحتِ لي، هناك أمر عاجل يجب مناقشته مع الماركيز.”
ومرّ من جانبهما، متجهاً إلى حيث كان الماركيز ويلرغريم يتحدث مع مجموعة من الرجال، تاركاً ماريا واقفة مكانها.
كان التجاهل كاملاً. لم يكن تجاهلا متعمدا حتى ..،، بل كان أسوأ….كان تجاهلا طبيعياً. كان يبدو أن جمال ماريا الاستثنائي، ورقتها، وموهبتها الموسيقية التي أسرت الآخرين، لم تلمس حتى سطح وعيه. كانت ككل النساء الأخريات في الغرفة: خلفية غير مهمة .
بقيَت ماريا واقفة مكانها، وابتسامتها المهذبة المتجمدة على شفتيها بدأت تذوب. شعور غريب، حادّ كخنجر مسموم، اخترق صدرها. لم يكن خيبة أمل أو حتى غيظاً من تجاهل غلوريا أو غيرها. كان شيئاً أعمق: إهانة وجودية. لقد تم محوها. إن جمالها، الذي كان دائماً سلاحها وعبئها، نقطة قوتها الوحيدة في لعبة النبلاء، لم يُلحَظ حتى. كان عديم القيمة، غير مرئي.
بدأت يداها بالرجفة. حاولت إخفاءهما بطيات فستانها السماوي، لكن الرعشة كانت خفيفة وواضحة. شعرت بحرارة الخجل تغمر وجنتيها الشاحبتين. السيدة إيزابيل همست لها شيئاً ما عن ضغط العمل الذي يثقل الدوق، لكن الكلمات كانت ضبابية في أذني ماريا.
كان الأمر مؤلماً لأنه لم يكن مقصوداً. لو كان ازدراءً واضحاً، لاستطاعت أن تكبر عليه، أن تحتقر هو بدورها. ولكن هذا التجاهل الكامل… لقد جعلها تشعر بأنها غير موجودة. وكأن كل ما عانته من نظرات الإيرل غراهام المقززة، وكل ما تبذله من جهد للحفاظ على مظهر الهدوء والرقي، كان بلا معنى في عينَي هذا الرجل بالذات.
دلفت بخطوات سريعة نحو حمام النساء . ركزت نظرها في المرآة .
كانت ترى جمالا فاتنا استثنائيا ، و في لحظة وعي قوي بجمالها و هي أمام المرآة . تعزز شعور الإستحقاق و تنامى بداخلها ..همست لنفسها و عيناها تلتمع بطموح جامح .
” الدوقة ماريا ”
ثم استدركت و كأنها تصحح لنفسها ” الدوقة ماريا روكانديا ….هذه هي المكانة التي أستحقها ” (المترجمة : معلش يا بنتي روحي اشربي ينسون و نامي )
***********★**********
وقف الدوق ليون وسط زئير الحفلة الصامت، محاصَراً بأمواج من الفراغ. كل ضحكة مُصطنعة، كل ابتسامة مُحسوبة، كل نظرة تلمع بالطمع أو التملق، كانت تُثقِل عليه كغبار الرصاص. كان الهواء ثقيلاً بروائح العطور الباهظة والزهور المحتضرة والنفاق المعلَن.
لم يحضر ليون حفلة ويلرغريم رغبةً في الترفيه أو حتى لإدارة الأعمال. بل جاء لأن الصمت في مقر إقامته الفخم في العاصمة كان أكثر إلحاحاً، أكثر قسوة. كان الانتظار، ذلك العدو المجهول، يلتهم حواف وعيه ببطء . هنا، على الأقل، كان هناك ضجيج يمكن أن يغطي على دقات عقارب الساعة في رأسه.
لذلك، تحمل. تحمل الثرثرة الفارغة، والضحكات المصطنعة، والنظرات الطامعة التي تتبع كل حركة من حركاته. كان كل شيء حوله مثيراً للملل بشكل قاتل، ولكن هذا الملل كان بمثابة مخدر. كان يحاول أن يشغل حواسه بالضوضاء والأضواء والحركة، على أمل أن تجعل الوقت يمر أسرع، أن تبعد عنه الهاجس الذي استقر في صدره منذ غادر كاربال.
رفع كأس الشمبانيا إلى شفتيه ليس ليتذوقه، بل لإشغال يديه. أجاب على التحيات بإيماءات مقتضبة ليس للتواصل، بل لإسكات المحاولات قبل أن تبدأ. كانت عيناه تمسحان القاعة، لكنه لم يرَ الوجوه، بل كان يرى ساعة حائط وهمية فوق رأس كل شخص. كانت الساعة الذهبية على معصمه تشكل ثقلاً حارقاً، لكن النظر إليها علناً هنا، في وسط الحشد، كان سيعتبر ضعفاً. لذا كان يسرق النظر إليها كلما سنحت الفرصة، تحت جنح حركة بسيطة مثل تعديل ساعته أو التقاط كأس آخر.
أخيراً، بعد ما بدا وكأنه عمر، كان العد العكسي قد بدأ .. . غادر القاعة بخطوات واسعة، متجاهلاً المحاولات الخجولة للحديث الجانبي. كان بحاجة إلى الوصول إلى مكتبه في مقر إقامته بالعاصمة. قبل منتصف الليل،
لأول مرة يشعر أن هناك شيء خارج هذا التنظيم، شيء غير متوقع وجذاب بقدر ما هو مزعج، ينتظره في ذلك القصر .
وكان صبر هذا الرجل الذي لا يقبل الخسارة، يتآكل بوتيرة كل دقة من عقارب ساعة معصمه، التي كانت تبدو الآن وكأنها تتحرك إلى الوراء.
التعليقات لهذا الفصل " 21"
ايش اسم الرواية الاصلية