لذ في حفلة ويلرغريم هذه الليلة، بينما كانت تبحث عن ليون، كانت عينا غلوريا أيضاً تفحصان الحشد بحثاً عن تلك شعر أسود كثيف و عيون زرقاء . كانت قلقة. لأنها تعلم أن الجمال الموهوب، خاصة حين يقترن ببراءة ظاهرية سلاح قاتل .
ورأت، بقلب يخفق بالقلق والضيق، ماريا كريستيڤا واقفةً مع مجموعة صغيرة قرب البيانو، تتحدث بهدوء. كانت ترتدي ثوباً بسيطاً نسبياً من الحرير السماوي، لكنها كانت تشع بهدوء جذاب. وكانت غلوريا تعلم أنه إذا طُلب منها العزف مرة أخرى، فإن كل الانتباه سينصرف عنها مرة أخرى.
***************★****************
كانت ماريا كريستيڤا تعيش في منزل الإيرل غراهام، وسط غرف فاخرة تشعرها بأنها في قفص مذهّب. والداها، الكونت والكونتيسة كريستيڤا، كانا ضيفين دائمين هنا أيضاً، مما جعل إقامتهم في العاصمة ألدوريا ممكنة مادياً. لكن الثمن كان أعلى من الإيجار.
كان الإيرل غراهام، الرجل الذي تزوج عمتها الأرملة، هو الداعم المالي الرئيسي لمشاريع والدها الاستثمارية المحفوفة بالمخاطر في لوزنبورغ. أموال غراهام الضخمة هي التي أبقت عائلة كريستيڤا واقفة على قدميها، وسمحت لهم بالظهور في المجتمع الراقي لفروفانتا.
ومع هذه المعاملة المالية، جاء حق مكتسب في نظر غراهام: حق التطفل. كان رجلاً في السابعة و الستين ، يهوى جمع التحف الفنية… والفتيات الصغيرات الجميلات. وكانت ماريا، بجمالها الغريب و هدوئها الظاهر، تحفة يجدها متعة خاصة في “الفحص”.
كانت تتحمل العذاب في صمت. لمسات يديه السمينة لذراعها عند صعود الدرج، إصبعيه وهو يمران على خلف عنقها بطريقة تبدو “عرضية”، نظراته التي تتجول في جسدها عبر ثيابها خلال العشاء. كان الأمر مستمراً، مقرفاً، ويجعل جلدها يقشعر. لكنها كانت مدركة تماماً أن أي رفض صريح، أو حتى انزعاج واضح، يمكن أن يُفسر على أنه جحود ونكران للجميل. وكان غراهام، المعروف بمزاجه المتقلب وكبريائه الهش، قادراً على سحب استثماراته بين عشية وضحاها، مما سيُفلس والدها ويُطردهم جميعاً إلى الشارع، أو الأسوأ، يعودون إلى لوزنبورغ بمذلة لا تُحتمل.
كانت والدتها تلمح أحياناً بوجوب “إظهار الامتنان”، بينما كان والدها يتجنب النظر إليها عندما يكون غراهام قريباً. كانوا جميعاً رهائن لنقود هذا الرجل.
الخلاص الوحيد الذي بدأ يلوح في الأفق كان الزواج. كانت عائلتها تدرس بجدية مقترحاً من ابن بارون فروفانتاني شاب، طموح ولكنه ليس غنياً بشكل استثنائي. كان الزواج سينقل ماريا إلى منزل جديد، بعيداً عن سيطرة غراهام، ويوفر حماية اجتماعية لوضع عائلتها. كان والدها يرى في هذا الزواج فرصة لتحسين الروابط التجارية، ووالدتها ترى فيه استقراراً لابنتها وهروباً من وضعهم الحرج.
وبالنسبة لماريا، كان الزواج يبدو كمنقذ. كانت ترى في قبول طلب البارون الشاب، رغم عدم وجود أي مشاعر تجاهه، مخرجاً من جحيم اللمسات الكريهة والهمسات المقززة. على البيانو ، كانت تعبر عن مشاعر عميقة وحزينة. لكن في الحياة الواقعية، كانت مستعدة لتبادل حريتها الجسدية من رجل عجوز مقرف، بحرية جسدية مع رجل شاب قد لا تحبه، لكنه على الأقل لن يلمسها بهذه الطريقة المبتذلة. كان مقايضة قسوة بأخرى، لكن على الأقل ستكون القسوة الجديدة مقبولة اجتماعياً، وستمنحها لقباً وحصانة.
لذلك، في حفلات مثل حفلة ويلرغريم، كانت ماريا تتحرك بحذر. عزفها على البيانو كان سلاحها الوحيد لإثبات قيمتها بمعزل عن جمالها، لجذب انتباه قد يكون مفيداً، أو على الأقل لخلق هالة من الاحترام تجعل من الصعب على غراهام التصرف بشكل فجّ.
لكن وقت توقفت عن العزف كان الايريل غرهام العجوز النتن يضع بالفعل يده خلف ظهرها .و همس في أذنها بكلمات جعلت معدتها تتقلب . كانت في حاجة ماسة للهواء .
انفلتت من الكرسي و دلفت بسرعة نحو الممر الذي يؤدي للرواق .
كانت قد هربت إلى الرواق الطويل المظلم نسبياً، الموصل من القاعات العامة إلى غرف الاستقبال الخاصة. كانت أنفاسها قصيرة، ويداها تضغطان على جسدها كما لو كانت تحاول محو الشعور المقزز ليد الإيرل غراهام، التي انزلق ظهرها على خصرها بطريقة “عرضية” مزعومة قبل دقائق. الدموع كانت تحرق عينيها، لكنها رفضت أن تسقطها. هنا، في العزلة النسبية، أغمضت عينيها وتنفست بعمق، محاولة استعادة ايقاع هدوئها .
ثم سمعت خطوات. ليست خطوات خادم خفيفة، ولا خطوات نبيل مترهل. كانت خطوات ثابتة، واثقة، قوية، تدوي على الرخام المصقول بإيقاع يعلن عن سلطة مطلقة. فتحت عينيها.
في الطرف الآخر من الرواق المضاء بمصابيح حائط خافتة، ظهر رجل. لم تكن بحاجة إلى تقديم. الجميع في ألدوريا يعرفون هيئة الدوق ليون، حتى لو لم يروه شخصياً. لكن الرؤية عن قرب كانت شيئاً آخر تماماً.
كان طوله مذهلاً، يملأ الرواق الضيق بحضوره. شعره الذهبي المتموج كان مرتباً بإتقان، لكن خصلة عنيدة سقطت على جبهته العالية. خط فكه كان حاداً، قاسياً، متناغماً مع أنفه المستقيم وفمه الرقيق المضموم. عيناه ، حتى من هذه المسافة وفي هذا الضوء، بدتا بلون عاصفة رمادية بحرية مجمدة، تحملان عمقاً وبرودة تجعل القلب يتوقف.
لكن أكثر ما أسرها لم يكن الجمال التقليدي، بل الهالة النابضة بالقوة ، سيطرة صامتة و جاذبية مظلمة و مهيبة . كان يتحرك وكأن العالم كله يجب أن يفسح له الطريق. وبالفعل، بدا الرواق وكأنه ينكمش أمامه.
مشى باتجاهها. ماريا جمدت في مكانها. كل خوفها من غراهام، كل اشمئزازها، تلاشى في مواجهة هذا الدوق ا الذي كان يقترب. لم يكن خوفاً جديداً، بل كان انجذاباً بدائياً، مخيفاً في شدته. قلبها بدأ ينبض بعنف ضد أضلاعها، كطائر محبوس يريد الهروب نحوه .
كانت واقفة بجانب تمثال من الرخام على القاعدة الݣرانيتية . عندما اقترب أكثر، انكمشت جانباً بلا وعي، مفسحةً له المجال بالكامل، منحنية رأسها قليلاً في غريزة خضوع. مرّ بجانبها. رائحة عطره الخفيفة – خشب الصندل والجليد – اختلطت بهواء الرواق. لم يبطئ خطواته، لم ينظر إليهاا.
توقفت عن التنفس. ثم، عندما تجاوزها وواصل طريقه نحو قاعة الحفلة، استدارت نحوه . نظرت إلى ظهره العريض والمستقيم، إلى طريقة حمله لنفسه، وهو يبتعد بخطوات لا تتردد. كانت مأسورة بالكامل و شعرت قلبها كله بدأ يتوق إليه .
في تلك اللحظة، قبل أن يفتح الباب ويغمره ضوء الحفلة وضجيجها، وقعت ماريا كريستيڤا قد وقعت في الحب من النظرة الأولى.
********★********
كانت المفاجأة التي هزّت قاعة حفلة ويلرغريم ليست ظهور الدوق ليون بحد ذاته، بل توقيته. فجأة، وبدون ضجة، كان واقفاً عند المدخل الرئيسي، يتخلص من عباءته السوداء الطويلة بمساعدة خادم القصر. ضوء الثريا سقط على وجهه المنحوت بعناية، مبرزاً برود تعابيره الذي لم يذُب وسط الدفء المصطنع للحفلة.
غلوريا، التي كانت قد بدأت تفقد الأمل، شعرت بقلبها يقفز في صدرها. تخلّصت فوراً من محادثة مع أحد أبناء الكونت الصغار وتقدمت نحوه، محاولةً أن تكون الأولى في الترحيب به.
“دوق ليون! يا لهُ من مفاجأة سارة.” قالت بابتسامتها الأكثر توهجاً، محاولةً أن تلتقط نظرة من عينيه.
التفت نحوها، وألقى عليها تحية سريعة. “آنسة لوليك.” كانت كلمته الوحيدة قبل أن يتجاوزها، ناظراً عبر الحشد كما لو كان يبحث عن شيء – أو يتجنب شيء.
فرحتها بوجوده بدأت تختلط بالإحباط. كان موجوداً جسدياً، لكن عقله كان في مكان آخر بعيد. تبعته بحذر، وراقبته وهو يتبادل التحيات الجافة مع المضيف، الماركيز ويلرغريم، ومع بعض الشخصيات السياسية والعسكرية الهامة. كان يرد بإيماءات صغيرة، وكلمات مقتضبة مثل “نعم”، “لا”، “سأنظر في الأمر”. لم ينخرط في أي حديث، لم يبتسم، حتى أنه بدا وكأنه يتحمل وجوده هناك أكثر من كونه يستمتع به.
ثم لاحظت غلوريا، كما لاحظ آخرون ممن كانوا قريبين بدرجة كافية، حركة متكررة. كل بضع دقائق، كانت عيناه تنزلان إلى معصمه. كانت نظرة سريعة، خاطفة، لكنها كانت تنم عن تركيز حاد على شيء غير موجود في القاعة. كان يبدو وكأنه يخوض معركة صامتة أخرى مع الساعة الذهبية التي تلفت حول معصمه.
كان الوقت يقترب من منتصف الليل. وفي عقل ليون، كان موعد التسليم الحاسم في أقل من ساعتين .
ساعي البريد السريع من كاربال كان يجب أن يكون قد وصل الآن إلى مدخل العاصمة .
المحادثات التافهة، الموسيقى، ضحكات النبلاء، كلها بدت كضجيج بعيد. كان يحسب الدقائق. متى سينتهي هذا البروتوكول الاجتماعي المقيت؟
التعليقات لهذا الفصل " 20"