كانت مدينة “كاربال” تنبض بحياة مختلفة تماماً عن صمت القرى وروتينيتها. ثاني أكبر مدن المملكة، حيث جمعت بين الضاحية الصناعية حيث تتوزع الأحياء الشعبية . و غالبية سكانها ممن يعملون في المصانع والموانئ المزدحمة بالسفن. صخب عجلات العربات على الحجارة البازلتية، وصراخ البحارة، ورائحة الملح والفحم والحديد المتآكل، كلها شكلت سمفونية صاخبة للحياة الصناعية الصاعدة. و على النقيض كان جنوب المدينة قد تحول إلى تحفة عمرانية تخطف الانفاس . بنايات شاهقة من الرخام الأبيض تتعانق مع الحدائق المعلقة ، خيث تتسلق النباتات النادرة الواجهات المنحوتة بدقة . شوارع مرصوفة بالجرانيت ، تضيئها مصابيح غاز ذهبية ليلا ، تحيط بها أشجلر السرو العملاقة ، لم تكن المدينة جميلة فحسب بل كانت معجزة هندسية تظهر القوة و النفوذ . وعلى الرغم من أن دوق المدينة كان ليون نفسه، إلا أن وجوده كان شبه غائب، مجرد اسم يتردد في تقارير الجيش وأحاديث النبلاء المحليين الذين يتنافسون على الفتات الذي تتركه إمبراطوريته التجارية.
في قلب هذه المدينة الصاخبة، كانت الصيدلة الصغيرة في حي “ويتشابل” واحة هادئة من الروائح. رائحة اللافندر والنعناع والقرفة كانت تتصدى لرائحة المصانع القريبة. هناك، بين رفوف القوارير الزجاجية والكتب الطبية القديمة، وجدت “هيلينا” عالمها.
لم تكن مجرد بائعة أعشاب. كانت معرفتها العميقة بخصائص النباتات وتركيبات العقاقير، التي ورثتها من خالها وطورتها بذكائها الحاد، قد جعلتها مرجعاً للكثيرين. لكن مهاراتها لم تتوقف عند حدود الصيدلة. بمرور الوقت، ومع حاجة نساء الحي، خاصة الفقيرات منهن اللواتي لا يستطعن دفع أجور أطباء القصر، طورت هيلينا مهارة أخرى سرية: القبالة.
كانت هشة في مظهرها، كزهرة نادرة نمت بين شقوق الإسفلت. صامتة إلى حد أن زبائنها كانوا يعتقدون أحياناً أنها بلا لسان. تتحرك بخفة بين الرفوف، كظل لا يصدر صوتاً. انطوائية إلى أبعد حد، حيث كان بيتها الصغير فوق الصيدلة هو حصنها الذي تلوذ إليه بعد يوم طويل. لكن هذه الهشاشة كانت تخفي شجاعة من نوع آخر. شجاعة تواجه بها آلام الغرباء، وتنزل فيها إلى بيوت الأمراض والفقر في منتصف الليل، وتقف فيها أمام معجزة الحياة والموت بعينين ثابتتين.
في أحد أيام الخريف الباردة، بينما كانت هيلينا ترتب علب المراهم، دفع الباب الصغير بقوة طفل لا يتجاوز العاشرة، ملابسه رثة وعيناه واسعتان من الذعر.
“الآنسة هيلينا !” قال ملهثاً، “أمي… تتألم كثيراً. قالوا أنني يجب أن آتي إليك. قالوا أنك… أنك تساعد النساء.”
لم تسأل هيلينا من هم “هم”، ولم تتردد. عينيها العسليتين اتسعتا قليلاً، ليس بالخوف، بل بالتركيز. أومأت برأسها في صمت، ثم التقطت بحركات سريعة وماهرة حقيبة قماشية صغيرة كانت جاهزة دوماً. بداخلها، أدوات نظيفة، وأعشاب مسكنة للألم، ومستحضرات لتسهيل الولادة، ومنشفة نظيفة. لم تكن تحمل لقب “قابلة” رسمياً، لكن مسؤوليتها كانت أثقل من أي لقب.
“خذني إليها.” كان صوتها هادئاً كنسيم المساء، لكنه حازم.
تبعته عبر أزقة “كاربال” الضيقة والمتعرجة، حيث يتساقط طلاء الجدران وتختلط روائح الطبخ الفقير بمخلفات المصانع. وصلوا إلى غرفة صغيرة مظلمة في علية مبنى قديم. كانت المرأة هناك، غارقة في بحر من الألم، محاطة بجارتين عجوزتين تبدوان حائرتين.
ألقت هيلينا نظرة سريعة على الحالة، ثم فتحت حقيبتها. لم تكن تحتاج إلى كلمات طمأنة كاذبة. حضورها الهادئ والواثق كان بحد ذاته طمأنة. حركاتها كانت رشيقة ودقيقة، تنظف، تعدل وضع المرأة، تهرس بعض الأعشاب في هاون صغير وتخلطها بماء دافئ.
“اشربي هذا، سيساعدك.” همست، رافعة رأس المرأة بيد ناعمة لكنها ثابتة.
لم تكن الصيدلة بالنسبة لهيلينا مجرد مهنة، ولم تكن القبالة مجرد خدمة. كانتا طريقتها في صنع عالم صغير من النظام والرحمة في وسط فوضى المدينة القاسية. بينما كانت تمسح جبين المرأة المتعرق، بين الحياة والموت، كانت هي نفسها في أقصى درجات حياتها. هنا، في هذا المكان المتواضع، حيث تبدأ حياة جديدة، كانت “هيلينا” الهشة والمنطوية، تشعر بقيمتها.
التعليقات لهذا الفصل " 2"