في العاصمة ألدوريا، كان ضوء النهار الشتوي الباهت يذوب في اللون البنفسجي القاتم للمساء. داخل قاعة الاجتماعات الدائرية في وزارة الدفاع، تحت ثريا ضخمة من الكريستال، كان الدوق ليون لا يزال جالساً على رأس طاولة من الجوز المصقول، محاطاً بأعضاء مجلس الأمن وكبار جنرالات الجيش و مسؤولي الخزينة . كان الإجتماع الأخير لهذا اليوم بعد سلسة من الإجتماعات المتوالية تباعا .
كان الماركيز وليام واقفا أمام رجال لمجلس يشرح مقترح الميزانية العسكرية للربع القادم وتمويل عمليات مكافحة التمرد في مستعمرات الشمال.
ليون، عادةً، كان سيد هذه المناقشات. صوته الواضح والحاسم كان يقطع الجدل، وتوقعاته الاستراتيجية كانت تُحسم الخلافات. لكن في هذا المساء، شيء ما كان خارج السيطرة.
كانت يده اليسرى، الملقاة على ذراع الكرسي الجلدي، تضغط بإيقاع عصبي على الساعة الذهبية المثبتة على معصمه. كانت نظراته، الحادة كالمعتاد أثناء تحديثه للآخرين، تنزلق كل بضع ثوان نحو القرص الصغير. كانت حركة خاطفة، سريعة، لكنها متكررة بما يكفي ليلاحظها الجالس على يمينه، الجنرال القديم برايس.
كان انشغال ليون بالساعة ليس مجرد نفاد صبر. كان هناك شق في تركيزه، كأن عقله منقسم بين جبهتين. جبهة واحدة هنا، في هذه القاعة، حيث تُتخذ قرارات قد تحدد مصير أقاليم وتحرك ألوفاً من الجنود . وجبهة أخرى… مجهولة، بعيدة، لكنها تضغط على وعيه بثقل لا يقل عن الأول.
“دوق ليون، رأيك في اقتراح تحويل جزء من قوات الحدود الشرقية؟” سأل وزير الإمدادات.
رفع ليون عينيه عن معصمه. “غير عملي. النسبة التي اقترحتها تضعف الردع في الشرق أكثر مما تعزز الهجوم في الشمال.” كان رده دقيقاً، تقنياً، ومباشراً. لكن سرعة إجابته وكأنه يريد إغلاق النقطة والانتقال إلى التالي، كانت غير معهودة.
كأنه يتسابق مع شيء. مع الزمن.
كانت الساعة تشير إلى السابعة والنصف مساءً. معرفته الدقيقة بآليات القصر في كاربال أخبرته أن التقرير اليومي عن حالة الفرس – والتقرير الفرعي عن “الضيفة” – لن يصل عبر البريد السريع إلا بعد منتصف الليل. كانت هذه هي ساعة الهدوء ، تلك اللحظة التي يمكنه فيها فتح المغلف الأبيض الصغير، وقراءة السطور القليلة التي ستخبره …. هل كانت الفتاة الصيدلية لا تزال هناك؟ هل أحدث وجودها أي اضطراب؟ هل حاولت المغادرة؟
فجأة طفت صورة وجهها مجددا في زوايا وعيه ، تلك الصورة التي كافح منذ أمس ليمحوها و لو لبضع دقائق . كانت تقوده للجنون .
عقد حاجبيه في عصبية مجددا .
سحبه صوت وزير الخزانة الحاد من أفكاره. “دوق ليون، رأيك في اقتراح تحويل الأموال من حاميات الجنوب؟”
رفع ليون عينيه. العاصفة في نظراته عادت فجأة، مركزة وحادة كالليزر. “فكرة حمقاء. الجنوب هو حاجزنا ضد توغل إمبراطورية كالادوريا. سحب قرش واحد منه هو دعوة للهجوم.” كانت إجابته قاطعة، مدعومة ببيانات استخباراتية ساحقة.
عاد الاجتماع إلى مساره، وليون عاد إلى كونه المحور الذي لا يخطئ. ولكن تحت الطاولة، إصبعه الأوسط نقر على ذراع الكرسي الخشبي بإيقاع غير منتظم. كان الزمن يتباطأ، كل دقيقة تمططت كالمطاط
كان الانتظار ضرباً من العذاب الغريب. لم يكن الانتظار لحدث عسكري أو سياسي، حيث يمكنه التحكم في العوامل أو إصدار الأوامر. كان انتظاراً لمعرفة أخبار و تصرفات إنسانة واحدة، كلاهما خارج نطاق سيطرته المباشرة في تلك اللحظة. وكانت هذه الحقيقة – فقدان السيطرة، ولو جزئياً وموقتاً – هي ما أحدث ذلك الشق في تركيزه.
لاحظ الجنرال برايس تكرر نظراته للساعة. “هل لديك موعد آخر ينتظرك، دوق ليون؟” سأل بمزحة جافة محاولاً كسر التوتر.
التفت ليون نحوه ببطء. عيناه كانتا بارزتين في تلك اللحظة، ليس بالغضب، بل بشيء أشبه بالحدة المفرطة. “كل دقيقة هنا هي موعد، برايس. خاصة عندما نناقش أموال الدفاع عن المملكة.” كان رده سليماً، لكن حدة نبرته جعلت الجنرال يتراجع قليلاً في كرسيه.
ثم تدخل صوت مدير الخزينة مجددا ” بالنسبة لتغطية عجز الميزانية العامة ….”
“الميزانية ليست مشكلة.” قطع ليون عليه كلامه، ناظراً إلى الحاضرين بنظرة تحد. “سيتم تمويل التعزيزات من عائدات مناجم الفحم في الشرق. لقد أبرمت صفقة تزيد حصتنا من الإنتاج بأربعين بالمئة.”
صرخة دهشة ارتفعت في القاعة. أربعون بالمئة؟ هذا يعني ثروة طائلة وقوة غير مسبوقة.
“لكن شروط الصفقة، دوق ليون…” قال أحد النبلاء المسنين بصوت مرتجف.
“الشروط أننا نسيطر على الأمن في مناطق التعدين، ونحدد الأسعار.” قال ليون ببرودة، صوته لا يحتمل النقاش. “الحدود تؤمن بالقوة “
أخيراً، بعد ما بدا وكأنه عمر، أنهى الاجتماع بتوجيهات نهائية سريعة.
*************★***********
في قصر الماركيز ويلرغريم، كانت التحضيرات لحفلة المساء تبلغ ذروتها. ثريّات الكريستال العملاقة اشتعلت بألف شمعة، ملقةً أضواءً متلألئة على الأعمدة الرخامية والمرايا الذهبية. رائحة زهور الدفلى المستوردة، التي أُحضرت بثمن باهق في بيوت زجاجية خاصة، تتنافس مع عطور النبلاء والنبيلات المتجولين في القاعة.
وسط هذا البهاء، في غرفة تغيير الملابس الفاخرة المخصصة للنساء، وقفت غلوريا لوليك أمام مرآة طويلة من الفضة الإيطالية، ترتدي فستانها الأحدث. كان ثوباً من المخمل الأزرق الداكن، مطرزاً بخيوط فضية معقدة على الصدر والكمين، مقاساً بدقة لإبراز خصرها النحيل. خدمتها الشخصية كانت تثبت آخر خصلات شعرها المتموجة بإحكام، مرصعةً بدبابيس من الألماس الصغير.
لكن نظرة غلوريا في المرآة لم تكن نظرة رضا. كانت نظرة تقييم حاد. كانت تدرس كل تفصيلة بعد علمها بعودة الدوق من كاربال .
هل سيعجب اللون الأزرق عينيه الباردة؟ هل القصة مناسبة بما يكفي لجذب نظره دون أن تبدو يائسة؟ هل المجوهرات – عقد من اللؤلؤ مع قرط من الياقوت – تظهر ثراء عائلتها دون مبالغة؟
“الحلم لا يكفي، سيلا.” ردت غلوريا، صوتها حاد بعض الشيء. “يجب أن أبدو وكأني أنتمي. أن أكون النقطة التي يتوقف عندها بصره في هذه الغرفة المزدحمة.”
كان هدفها الوحيد، هو الدوق ليون. منذ أن رأته في اول مرة تزور فيها العاصمة ،- وهو يتجاهلها ببرودة مؤلمة-، أصبح الحصول على اهتمامه مشروع حياتها. كانت تعلم أن الزواج به سيرفع عائلة لوليك من مكانة النبلاء الطموحين إلى صفوف الأسر الحاكمة الحقيقية. لكن الأمر تجاوز الطموح العائلي الآن؛ أصبح تحدياً شخصياً. كيف يمكن لرجل أن يقاومها هي؟
سمعت شائعات عن سفره المفاجئ إلى كاربال ثم عودته السريعة للعاصمة. كانت تأمل، بصبر متوتر، أن يحضر حفلة ويلرغريم هذه الليلة. كان الماركيز من حلفائه السياسيين، وكان حضور ليون محتملاً.
نزلت الدرج الرخامي العريض، مدخنةً نفسها لإضفاء مظهر من الثقة الملكية. دخلت قاعة الرقص، حيث كانت الموسيقى الحية تنساب من فرقة صغيرة على منصة. تبادلت التحيات والابتسامات المهذبة مع المعارف، لكن عينيها كانتا تمسحان الغرفة بلا كلل، تبحثان عن قامة طويلة،، عن ذلك الوجه الجليدي الذي يثير رعب الآخرين وإعجابها في آنٍ واحد.
لكن مع مرور الساعة تلو الأخرى، ولم يظهر، بدأ الأمل يتضاءل. رأت كونتاً شاباً يحدق بها بإعجاب، وابن ماركيز آخر يحاول التقرب منها. كانت تبادلهم الحديث بفتور، مبتسمةً تلك الابتسامة الباردة التي تعلمتها من مشاهدة سيدات المجتمع الراقيات. في الداخل، كان الغضب والإحباط يغليان.
ثم وقع بصرها على وجه غير مرغوب فيه . كانت الشابة الجديدة التي تم دسها في مجتمع فروفنتا حديثا . ماريا غريستڤا .
في الحفلة السابقة بقصر دو مونتاليه منذ اسبوع ، كانت غلوريا لوليك قد تذوقت مرارة لم تنسها. كانت قد حضرت بثوبها الوردي الفاخر، مستعدةً لتكون نجمة الليلة كما اعتادت، أو على الأقل إحدى نجماتهن البارزات. كل شيء كان يسير وفق توقعاتها، حتى ظهرت هي.
ماريا كريستيڤا. الاسم نفسه بدا لغوياً وأجنبياً لأذن غلوريا. كانت الفتاة القادمة من مملكة لوزنبورغ الصغيرة، التي كانت، كما كانت غلوريا تردد بنبرة احتقار، “تعيش على إعانات دول الجوار و الإعانة الأكبر كانت من إمبراطورية فروفانتا “. بالنسبة لغلوريا ومن هم على شاكلتها، كان نبلاء لوزنبورغ مجرد أسماء على ورق، أشخاصاً من عالم بائد ومتخلف عن العظمة الحديثة لإمبراطورية فروفانتا. كانت ماريا، برأي غلوريا، فتاة جميلة بلا شك، لكنها تنتمي إلى عالم أدنى.
كانت قد قابلتها بإهمال بارد، متابعةً محادثتها مع مجموعة النبيلات المحليات، متجاهلةً الفتاة الأجنبية التي بدت متحفظة و هادئة بعض الشيء. حتى أن إحدى الصديقات همست لها ساخرة: “أنظري، لقد أتوا بتلك الدمية الجميلة من لوزنبورغ لتزيين الحفلة.”
لكن ذلك الإهمال تحول إلى صدمة باردة، ثم إلى غصة خانقة من الغيرة، عندما جلس الجميع في الصالون الموسيقي. كان من المقرر أن تعزف إحدى بنات الكونت المحلي، لكن فجأة، ودون تخطيط مسبق واضح، طُلِب من ماريا كريستيڤا أن تقدم شيئاً.
بتردد واضح، جلست ماريا أمام البيانو الكبير. ثم لمست المفاتيح.
ما تلا ذلك لم يكن مجرد عزف جميل. كان سحراً. أصابعها كانت تتحرك على البيانو كأنها تنسج خيوطاً من ضوء وصوت. كانت المقطوعة معقدة وعاطفية، تحمل في أنغامها شجناً وحنواً لم يسمعوه كثيراً في قاعات العاصمة الفخمة. الصوت الذي خرج من الآلة لم يكن مجرد نوتات؛ كان قصة، كان شوقاً، كان جمالاً خالصاً يجعل القلب ينقبض.
ساد الصمت المطبق في القاعة. نظرات الإعجاب والانبهار، انطلقت من كل اتجاه نحو الفتاة الأجنبية التي بدت فجأة وكأنها حورية نزلت من عالم آخر. حتى النبيلات المتعاليات وجدن أنفسهن منجذبات، غير قادرات على مقاومة سحر الأداء. عندما انتهت، اندلعت التصفيقات الحارة، والمجاملة الصادقة.
وفي تلك اللحظة، شعرت غلوريا بأن الأضواء التي كانت تسعى إليها بكل جهدها قد انتُزعت منها. نظرت إلى ماريا، التي كانت تنحني مع ابتسامة خفيفة على شفتيها، وشعرت بحقد أسود يغلي في صدرها. كيف تجرئ هذه “النبيلة المتخلفة” على التفوق عليها هنا، في عقر دارها، وفي فن راقٍ كهذا؟
التعليقات لهذا الفصل " 19"