في اليوم الثاني من احتجازها، بدأت هيلينا تتعرف على إيقاع القصر الخفي. صباحها بدأ كالسابق: وجبة إفطار فاخرة في الغرفة الزرقاء ثم الإنتظار ريثما يتم استدعاؤها للعمل في الإسطبل.
هذه المرة، بينما كانت ترتدي ثيابها البسيطة في الغرفة الزرقاء الفسيحة، لم يكن القلق نفسَه يخنقها. غياب الدوق كان كتميمة سحرية، أزالت جزءاً كبيراً من الرعب الذي يكتنف المكان. حتى الجدران الفاخرة بدت أقل تهديداً.
بعد لحظات تم اصطحابها من قبل خادمة مختلفة إلى الإسطبل عبر الممرات الضيقة.
هذه المرة، كانت خطواتها أقل تردداً. بدأت تتعرف على المعالم: المنعطف عند مخزن المؤن الذي يؤدي إلى السلم الحلزوني، الممر الضيق المضاء بمصباح غاز واحد على الدوام ..كان الممر عبارة عن عالم موازٍ داخل القصر، مخصص للخدم، مصمم خصيصا بحيث يمكنهم التنقل دون عرقلة حياة السادة أو حتى الظهور أمامهم. كانت الجدران هنا عارية من الزخارف، والأرضيات من الحجر البارد، والإضاءة خافتة. هنا، كانت هيلينا مجرد ظل آخر يتحرك في نظام معقد وصامت.
دلفت أخيرا نحو الباب الخشبي غير الظاهر الذي يفتح على الفناء الحجري..
عندما وصلت إلى الإسطبل، لم تعد تشعر بأنها دخيلة كلياً. حتى “شادو” بدت تستقبلها بنظرة أقل حذراً. قامت بمهامها الروتينية بتركيز: الفحص، التدوين، إعداد جرعة وقائية خفيفة من الأعشاب. كانت السكونية المهيبة للقصر، في غياب سيده، تتحول من مصدر رعب إلى واقع يومي يمكن التأقلم معه، وإن كان لا يخلو من غموض.
في منتصف النهار، بينما كانت تغسل يدها في دلو الماء النظيف المخصص لذلك، سمعت خطوات خفيفة سريعة. كانت الخادمة “مولي” . انفرجت أساير هيلينا عند رؤيتها .
“الآنسة هارلو!” همست مولي، وعينيها تلمعان بفكرة حماسية “أردت إخبارك. السيدة هادسون… حسناً، عادة ما تكون صارمة جداً، لكن اليوم أعطت نصف الإجازة لنصف الخدمة بعد الظهر. لأن… لأن العبء كان خفيفاً مع غياب السيدة الدوقة التي ذهبت صباح اليوم لزيارة قصر شقيقتها الكونتيسة جورجيا في المدينة ” أضافت بسرعة، وكأنها تخفف من حدة كرم رئيستها.
“بعضنا سيتجه إلى الغابة المحيطة، لجمع بعض الصنوبر لتزيين غرف الخدم وللهواء النقي. أردنا أن نعرف… هل ترغبين في الانضمام إلينا؟”
توقفت هيلينا ، الفرشاة لا تزال في يدها. رحلة إلى الغابة؟ خارج جدران القصر؟ شعرت بنشوة مفاجئة من الحرية، حتى وإن كانت مراقبة ومحدودة.
“هل… هل هذا مسموح به لي؟” سألت بحذر.
“حسناً، السيدة هادسون لم تمنعه صراحةً.” قالت مولي ببراءة تامة، ثم انحنت للأمام أكثر. “وهي تعرف أنكِ لستِ خادمة بالمعنى الحرفي. لا يوجد مكان محدد لك في جدول المهام الصارم. طالما أن الفرس مستقرة… ولا أحد آخر هنا ليراقب…”
كانت المغامرة. فرصة للهروب، ولو مؤقتاً، من رائحة القصور والمعادن والأعشاب، إلى رائحة الأرض والصنوبر والهواء الطلق. فرصة لترى شيئاً آخر غير الحجر المنحوت ووجوه الخدم الصامتة.
نظرت إلى “شادو” الهادئة، ثم إلى مولي المتلهفة.
“نعم.” قالت، وسمعت صوتها يحمل نبرة من الحماس المكبوت. “نعم، أرغب في ذلك.”
ابتسمت مولي ابتسامة عريضة. “ممتاز! سنلتقي عند الباب الخلفي المؤدي إلى حدائق اشجار الكمثرى بعد ساعة. ارتدي شيئاً دافئاً!”
عادت هيلينا إلى الغرفة الزرقاء لتغيير ثوبها الخفيف إلى معطفها الصوفي القديم كانت أشبه بالتحضير لهروب صغير خصوصا مع إرخاء الرقابة عليها .
عندما انضمت إلى مجموعة صغيرة من الخدم والخادمات عند الباب الخلفي، كانت تشعر بقلق لطيف
مع كل خطوة تخطوها أعمق في الغابة، كانت أغلال القصر تتراخى عن روح هيلينا . لم تكن مجرد أشجار؛ كانت كاتدرائية طبيعية من السنديان والزان القديم، أغصانها المتشابكة تحجب السماء الرمادية وتخلق عالمًا من الظل والأضواء الخافتة المتذبذبة. الهواء كان مليئًا برائحة الأرض الرطبة والطحالب، وندى الشتاء البارد الذي يعلق على خيوط العنكبوت كاللآلئ.
كانت مولي والمجموعة الصغيرة من الخدم يتقدمونها، ضحكاتهم الخافتة تتناثر بين الأشجار. لكن هيلينا تباطأت، مأخوذة بالتفاصيل: تنوع الأشجار الذي يفوق أي حديقة منظمة. هنا شجرة بلوط ضخمة، جذعها مجعد كجلد عملاق، وهناك صف من أشجار الحور النحيلة، قشورها البيضاء تتلألأ في الضوء الخافت. السراخس الداكنة تكسو الأرض، ونباتات التوت البري البرية تشكل بقعًا من اللون القرمزي تحت الغطاء الأخضر الداكن.
ثم سمعت صوتًا جديدًا: خريرًا موسيقيًا، متواصلاً. تبعته عبر مسار منحني بين الصخور المغطاة بالطحالب، ليجذبها منظر لم تكن تتوقعه. نهر صغير، مياهه صافية وباردة، يتدفق عبر صخور ملساء داكنة، مكونًا بركًا صغيرة تعكس السماء والشجر. ضوء الشمس الخجول اخترق فجوة في المظلة العلوية، فجعل سطح الماء يتلألأ كالفضة المنصهرة. على الضفة المقابلة، وقف غزال شاب، رشيق ومتيقظ، يراقبها للحظة بعينين كبيرتين سوداوين قبل أن يختفي في الظل بلا صوت.
وقفت هيلينا هناك، على حافة الماء، يداها في جيوب معطفها القديم. التناقض كان صارخًا لدرجة أثارت ضحكة مكتومة في صدرها. في الصباح، كانت محاطة بأرقى أنواع الرخام والفضة في غرفة زرقاء بلا روح. والآن، هنا، في قلب ممتلكات نفس الرجل، كانت محاطة بجمال بري، خام، لا يمكن لأي ثراء أن يصنعه. جمال لا يطلب الامتثال أو الطاعة، بل ببساطة… يوجد.
أدركت فجأة أن وجودها هنا، في هذا القصر وفي هذه الغابة، لم يكن كله نقمة. كانت النقمة في الخوف، في التهديد الذي يمثله الدوق، في فقدان السيطرة على حياتها. لكن المكان نفسه… المكان كان محايدًا. بل كان، في جوانب منه مثل هذه الغابة، هبة من الجمال والسلام لم تكن لتتاح لها لولا هذه الظروف الغريبة.
التقطت حجرًا أملس من حافة النهر، ملمسه بارد وناعم تحت إصبعها. و بدأت تغرق يديها و تلاعب لجج الماء العذبة الرقراقة بين أصابعها .
سمعت من بعيد صوت مولي تناديها بلطف. ” هيلينا ! حان وقت العودة!”
التفتت، متخلفة عن المجموعة. ألقت نظرة أخيرة على النهر الهادئ، على ضوء الشمس الذي يرقص على الماء، على السرخس الذي ينحني مع التيار. ثم أدارت ظهرها وبدأت بالمشي عائدة نحو مجموعة مولي .
بدأت المجموعة الصغيرة من الخدم بالتحرك ببطء أكثر على الدرب الترابي. الهواء النقي والحرية المؤقتة أرخت ألسنتهم كما أرتاحت أقدامهم. بدأ حديث خافت، ثم تحول تدريجياً إلى نميمة متدفقة، تنساب بسهولة كالنهر الذي تركوه خلفهم.
“هل سمعتِ عن حفلة الكونتيسة جيوفانتيا الأسبوع الماضي؟” همست إحدى الخادمات الأكبر سناً، تدعى كلارا، لعينيها بريق المعرفة السرية.
“سمعت أن ابنها الأصغر خسر مبلغاً طائلاً في لعب الورق مرة أخرى، وأن الكونت هدد بطرده من العائلة إذا لم ينتهِ.” ردت خادمة أخرى، متلصصة بصوت خفيض حولها كأن الجذور والأشجار لها آذان.
“طرده؟” ضحكت كلارا بخفة. “ثم من سيسدد ديونه؟ لا، سيجدون له زواجاً مناسباً مع ابنة تاجر ثري يائس لشراء لقب، كما فعلوا مع ابن عمهم.”
تراجعت مولي بخطوة لتكون بجانب هيلينا ، التي كانت تسير بصمت، آذانها مفتوحة على هذا العالم السري. “يحدث هذا كثيراً”، قالت مولي بصوت منخفض. “المال مقابل المكانة الاجتماعية. يبدو أن بعض هذه العائلات العريقة من الداخل… فارغة كجوزة فاسدة.”
“ولكنهم يتصرفون وكأنهم أفضل منا”، أضاف خادم شاب يدعى توم، وهو يحمل سلة من الصنوبر. “أتذكر حين زار البارون الجديد، آل فرنويس. أمر بإعادة تحضير الشاي ثلاث مرات لأنه لم يكن ‘بنكهة مناسبة’، وكأن الماء المغلي يختلف في قصورهم!”
ارتفعت ضحكات مكتومة بين المجموعة.
ثم انتقل الحديث إلى الفضائح الأكثر حدة.
“ولكن أسوأهم كان اللورد بريسكوت”، قالت كلارا، مخفضة صوتها أكثر. “عندما زار الصيف الماضي. الخادمات الصغيرات كن يختبئن في الممرات عندما يمر. كانت نظراته… مزعجة. والسيدة هادسون كانت تضع دائمًا خادمة أكبر سنًا لخدمته.”
“وسمعت”، أضاف توم بنبرة متآمرة، “أنه أثناء زيارته الأخيرة للعاصمة، كان هناك فضيحة مع زوجة ضابط صغير. هدأت بسرعة، بالطبع، بالمال والتهديدات.”
كانت هيلينا تستمع، مشاعر متناقضة راودتها . من ناحية، كان من الغريب أن تسمع هذه التفاصيل الحميمة عن حياة من النبلاء الذين جردتهم النميمة من هالتهم، وحولتهم إلى بشر ، فاسدين، ومثيرين للشفقة أحيانًا. ومن ناحية أخرى، كان الحديث بمثابة تذكير قاسي بالنظام الذي يحكم هذا العالم: نظام حيث حتى الفضائح يمكن كبتها بالمال والقوة، وحيث الخدم يرون كل شيء لكن صوتهم لا يُسمع أبدًا.
“والدوق”، قالت إحدى الخادمات الأصغر سناً ببراءة. “لا نسمع عنه مثل هذه القصص.”
“نعم”، أضاف توم بجدية غير معتادة. “هو يضع من المعايير. الجميع يعلم أنه لا يتسامح مع أي فشل أو سلوك غير لائق، لا منا، ولا من النبلاء تحت سلطته.”
عادوا إلى السير، لكن النميمة خفت، كما لو أن ذكر الدوق ليون أعاد إليهم وعيهم بمكانتهم ومخاطر التحدث.
هيلينا نظرت إلى وجوههم في الضوء الخافت. كانوا يعيشون في قلب عالم النبلاء، يرون خلف الكواليس، لكنهم ظلوا محاصرين في أدوارهم، مراقبين صامتين لمسرحية القوة والرذيلة.
و بينما كانت المجموعة تندمج بصمت مرة أخرى في الممرات الخلفية للقصر، تاركةً وراءها حرية الغابة، بقيت هيلينا مع أفكار تدور في رأسها بقلق متزايد.
تذكرت كيف جمد الجميع عند ذكر الدوق ليون. النبرة التي تغيرت، النظرات المتبادلة، ذلك الصمت السريع الذي حل محل الثرثرة المريحة. كان احترامهم مختلطاً بالخوف الحقيقي. بالنسبة لهم، كان الدوق ليون رمزاً للسلطة المطلقة، بارداً، منضبطاً، وغير قابل للاقتراب. كان “المثال” الذي لا تشوبه شائبة، والذي يحكم حتى على النبلاء الآخرين.
لكنها… هي رأت شيئاً آخر.
عادت بذاكرتها إلى ذلك اليوم في الإسطبل. لم تكن هناك برودة محايدة فحسب. كانت هناك لحظة محددة، عندما اقترب منها ، عندما انكمشت ووضعت حقيبتها كدرع هزيل بينها وبينه. في تلك اللحظة، قبل أن يسترجع سيطرته الكاملة، رأت شيئاً على وجهه.
لم تكن ابتسامة بالمعنى الحرفي. كانت زاوية فمه ارتفعت قليلاً، في حركة سريعة وضئيلة، أشبه بتشنج سخرية أكثر منها بسمة. كانت عيناه، في تلك الثانية، لم تبرقا بالغضب أو الازدراء الواضح، بل بشيء أشبه ب… اهتمام مظلم و فضول مفترس.
لقد رأت جانبه الخطير. ليس خطيراً كقائد في ميدان معركة، بل خطيراً على مستوى شخصي، حميمياً بطريقة تجعل الدم يجمد في العروق…. لقد استمتع. استمتع برؤيتها مرتعبة، مستضعفة، تحاول يائسة أن تخلق مسافة بلا معنى بينها وبين قوته الساحقة. كانت “الابتسامة اللعوب” تلك – التي لم تكن لعوباً بالمعنى المرح، بل بالمعنى الذي يلعب فيه القط مع فريسته قبل الإنقضاض .
كيف يمكن أن يكون هذا الرجل هو نفسه “المثال” الذي يتحدث عنه الخدم بخشوع؟ كان التناقض صارخاً. هل كان يتصرف معها بشكل مختلف لأنها من عامة الشعب، وبالتالي لا تستحق نفس البروتوكول البارد الذي يعامِل به النبلاء وخدمه؟ أم أن هناك جانباً مخفياً في شخصيته، جانياً مظلماً ومسيطراً، يظهر فقط معها .
شعرت برعشة تسري في جسدها مرة أخرى، لكنها لم تكن رعشة الخوف القديم نفسه. كانت رعشة الفهم. فهمت الآن لماذا شعرت بذلك الخطر الغريزي، الذي يتجاوز مجرد الخوف من سلطة نبيل. لقد كان الخوف من ذلك الجزء منه ، الذي رأته يتلذذ بعجزها.
التعليقات لهذا الفصل " 18"