انطلقت السيارة الخاصة بالدوق على الطريق الملكي المؤدي إلى العاصمة ألدوريا. كانت السيارة ، رغم سرعتها واستقرارها المصمم خصيصاً لراحة النخبة، تهتز بخفة على الحجارة المرصوفة بإتقان. في الداخل، جلس ليون مقابل ريان، وسط جو من الصمت الثقيل الذي لم يخترقه سوى حفيف الأوراق التي كان الدوق يمر عليها بعينيه دون أن يبدو أنه يقرأ فعلاً.
ريان، جالس في المقعد الأمامي المواجه لسيده، كان يراقب بعناية تفوق واجبات الخادم المعتادة.
لقد خدم ليون لسنوات، منذ أيام الأكاديمية العسكرية. كان يعرف نسخة سيده الهادئة كالبحيرة المتجمدة، الحادة كشفرة السيف، والمتصلبة في تحكمها. لكن الأيام القليلة الماضية في كاربال شهدت تشققات في هذه الصورة.
من خلال الانعكاس الخافت في النافذة المظللة، لاحظ ريان كيف ضغط ليون على جفنيه بإبهامه وسبابته للحظة، وكأنه يحاول طرد صداع عنيد. رآه، ولو لبرهة، يقطب حاجبيه في تركيز غريب، ليس تركيز القائد الذي يخطط، بل شيء أشبه بانشغال داخلي مقلق. حتى أنه التقط، خلال لحظة عبور السيارة لجسر نهر ثاميس ، همسة خفيفة كأنها صرير أسنان مكبوت.
كان ليون في صراع. لكن مع ماذا؟ ريان لم يستطع التكهن. كان العدو الملموس – الخصوم السياسيون، التهديدات الأمنية – شيئاً يمكن فهمه. ولكن هذا الاضطراب الصامت، هذا الانزعاج الذي يبدو أنه ينبع من الداخل، كان لغزاً مقلقاً.
و ربما كانت القرارات الأخيرة هي التتويج لهذا الغموض. استدعاء فتاة صيدلية، من عامة الشعب، للقصر. ليس هذا فحسب، بل أمره الشخصي، الذي نقله بلهجة لا تقبل الجدل، بإحضارها للإقامة داخل القصر. حتى لو كان في ملحق الخدم، فإنه كان خرقاً واضحاً للحدود الاجتماعية الصارمة التي كان ليون نفسه يحافظ عليها بصرامة. والأكثر غرابة: اختيار الغرفة الزرقاء. تلك التفصيلة، التي علم بها ريان من السيدة هادسون في وقت لاحق ، كانت تتعارض مع كل منطق.
ريان فكر في هيلينا. الهدوء الخجول، اليدان الماهرتان، العينان العسليتان اللتان كانتا ترفعان للنظر بسرعة ثم تخبئان نظراتهما. لم تكن تشكل أي تهديد، لم تكن تحمل أي نفوذ. كانت مجرد… شخص. فأي سبب عسكري، أو سياسي، أو استراتيجي يمكن أن يبرر هذا الاهتمام المفاجئ والاستثنائي؟
ولم يغب عن باله كيف أن سيده، في مساء اليوم السابق، وبعد أن علم بوصولها واستقرارها في الغرفة الزرقاء، وقف عند نافذة مكتبه المطلة على الجناح الشرقي لفترة أطول من المعتاد، صامتاً، قبل أن يقرر فجأة السفر مع الفجر. وكأنه كان يهرب من شيء، أو ربما كان يضع مسافة بينه وبين قرار اتخذه تحت تأثير ذلك الاضطراب الداخلي.
التفت ليون فجأة، والتقت عيناه بانعكاس عيني ريان في النافذة. كان التعبير في عيني السيد بارداً ومغلقاً كالعادة، ولكن ريان، بحدسه الحاد، شعر بأن هناك شيئاً يغلي تحت السطح. شيء يتعلق بتلك الفتاة التي تركها خلفه في الغرفة الزرقاء .
لم يكن لدى ريان وقت للتأمل طويلاً. فمع اقتراب العربة من ضواحي العاصمة، تحرك ليون فجأة، ورفع عينيه عن الوثيقة التي لم يكن يقرأها حقاً.
“ريان.” كان صوته خامداً، لكنه حازم.
“سيدي.”
“فور وصولنا أريد كل الملفات المتعلقة بالتهديدات الانفصالية في مستعمرات الشمال على مكتبي قبل الساعة الثالثة. و تأكد من أن قاعة الاجتماعات جاهزة تماماً كما أوصيت.”
“حاضر، سيدي الدوق.” ردّ ريان بسرعة، منتقلاً فوراً إلى وضع التنفيذ.
كان ليون، على الرغم من الاضطراب الذي بدا عليه، يعود بسرعة إلى لتشكيل صورة القائد الهادئ .
لكن حتى بينما كان ريان يستعد عقلياً لسلسلة المهام المعقدة التي تنتظره، بقت تلك الصورة في ذهنه: صورة سيده الجبار، وهو يحارب شبحاً لا مرئياً في عزلة العربة الفاخرة.
**********
كانت غرفة مجلس الوزراء في قصر فيرفيكس بألدوريا كقاعة مرايا للسلطة. جدرانها المغطاة بألواح من خشب الماهوجني الغامق تعكس أصوات الرجال الجالسين حول الطاولة الطويلة على شكل حدوة حصان، مما يجعل كل كلمة تبدو أقوى، كل قرار أكثر حتمية. كان ليون جالساً على رأس الطاولة، يرأس اجتماعاً حول أمن الحدود الشمالية للمستعمرات الجديدة للإمبراطورية . كانت التقارير تفصيلية، والخيارات الاستراتيجية معقدة لتأمين البؤر الاستيطانية التي ضمتها امبراطورية فروفنتا حديثا .
لكن شيئاً غريباً كان يحدث.
بينما كان وزير الدفاع يعرض خريطة للتحصينات، وجد ليون نفسه ينظر إلى النافذة العالية المقابلة له. بدلاً من رؤية أبراج العاصمة، رأى صورة ذهنية: إسطبل مضاء بمصابيح خافتة، وفتاة تنحني على حصان، ظهرها النحيل متوتراً تحت ملابسها البسيطة. كانت كل الصور التي تنطلق في ذهنه عنها تزداد وضوحا و تفاصيلها أكثر إلحاحاً من خطوط القوات والتحصينات على الخريطة.
قلق غريب، نادر، بدأ يتسلل إلى حافته الداخلية. لم يكن القلق الاستراتيجي الذي يعرفه جيداً، بل كان شيئاً أشبه بانزعاج من أمر تركه غير مكتمل.
ثم ضربته الحقيقة كصاعقة، وسط أقوال وزير المالية عن الميزانية.
لقد أحضرها إلى قصره في كاربال.
كان هذا الفعل، الذي بدا له في حينه قراراً عملياً بحتاً لضمان صحة فرسه، يكشف الآن عن طبيعته الحقيقية تحت ضوء التحليل البارد لقاعة المجلس. لو كان الأمر يتعلق فقط بـ “شادو”، لكان بإمكانه تكليف فريق من البياطرة والمشرفين الأكثر خبرة بمراقبتها على مدار الساعة. لكان بإمكانه استدعاء خبير من العاصمة. لكنه لم يفعل.
لقد اختارها. وأمر بإحضارها. وبالإقامة داخل القصر. ليس في الثكنات أو غرفة الخدم بالقرب من الإسطبل، بل في الغرفة الزرقاء… غرفة للزوار.
كان عليه أن يعترف، هنا في صميم مركز قوته، بينما كانت تقارير الأمن تمر من أمامه: “شادو” كانت مجرد ذريعة.
الذريعة التي سمحت له بإبقائها داخل مجال سيطرته المباشر و سمحت له بمعرفة مكانها بالضبط، والتأكد من أنها لن تختفي مرة أخرى في أحياء المدينة التي لا يعرفها. كان قد ربطها بمكانه و بنظامه، حتى وهو يغادر إلى مئات الأميال.
لماذا؟
هذا السؤال انفجر في عقله، وبدا أكثر خطورة من أي تهديد حدودي. لأنه لم يكن له إجابة منطقية. لم تكن تمثل أي قيمة استراتيجية أو سياسية. كانت مجرد فتاة صيدلية. هشة. قابلة للكسر.
“دوق ليون؟”
صوت رئيس الوزراء قطعه من تأمله. الجميع كانوا ينظرون إليه، في انتظار تعليقه على نقطة التمويل.
نظر ليون إلى الوجوه المحيطة به، وجوه الرجال الذين كانوا يخشون قوته ويحترمون عقليته الحديدية. لو عرفوا أن عقله، في هذه اللحظة البالغة الأهمية، كان منشغلاً بفتاة من العامة أقامها في الغرفة الزرقاء في قصره البعيد، لاعتبروه فقد صوابه.
“الميزانية مقبولة.” قال فجأة، صوته أكثر خشونة قليلاً من المعتاد. “تابعوا.”
استأنف الوزير حديثه، لكن تركيز ليون كان قد تشظى. الاعتراف الداخلي كان كالكشف عن ثغرة في تحصيناته الشخصية. لقد تصرف بدافع لا يفهمه، ودافع غير مفهوم يعني ضعفاً. وضعف ليون لم يكن خياراً.
قرر، في تلك اللحظة، أنه يجب عليه اقتلاع هذا الاهتمام من جذوره. سيكتب إلى السيدة هادسون ويأمرها بإعادتها إلى منزلها فور ولادة الفرس. سيمحو هذه الحادثة الغريبة من سجله، ومن ذهنه.
لكن حتى وهو يخطط لذلك في عقله، كانت الصورة التي لن تختفي: يدان نحيلتان تضعان مرهماً على جسد حصان، وعينان عسليتان ترفعان للنظر إليه للحظة، تحملان في أعماقهما هدوءاً غريباً يتحدى كل فوضى عالمه.
لقد وضعها في الغرفة الزرقاء. وكان هذا في حد ذاته اعترافاً بصمت، بأنها، بطريقة ما، لم تكن كالآخرين. والآن، كان عليه أن يقرر ما إذا كان سيعترف بهذا الاعتراف… أم سيدفنه، كما دفن العديد من الأمور الأخرى التي لم تتناسب مع خطته للعالم.
لكن بعظ انفضاض الاجتماع الوزاري، الذي استمر بعقله الغائب جزئياً، وجد ليون نفسه في مكتبه الكبير في قصر فيرفيكس. النوافذ المطلة على نهر ثاميس كانت تطل على مشهد مهيب للعاصمة المتلألئة بأنوارها المبكرة .
القلق الذي راوده في قاعة المرايا لم يتبدد؛ بل تمدد، متخذاً شكلاً جديداً: حاجة ملحة للمعلومات. لم تكن حاجة استراتيجية، بل كانت حاجة شخصية، غريبة عليه كخدش على سطح مصقول .
وجد نفسه لأول مرة يضرب عرض الحائط قرارا صائبا اتخذه اثناء الإجتماع .و هو اعفاء هيلينا من مهامها .
استدعى ريان.
وقف الخادم أمام المكتب، واقفاً بانضباط في انتظار الأوامر المعتادة المتعلقة بالجداول الزمنية أو المراسلات السياسية.
“الفرس.” بدأ ليون، صوته محايداً لكن ريان التقط نبرة الإلحاح الخفيفة تحت السطح. “أريد تقريراً يومياً عن حالتها. مفصلاً.”
“كما تأمر، سيدي. سأطلب من الإسطبل إعداد التقرير وإرساله ..هل هناك جوانب محددة تريدني أن أركز عليها ؟؟.”
“كل شيء.” كرر ليون، وعيناه مثبتتان على ريان بتركيز جليدي.
“الشهية، النشاط، أي علامات على الألم أو القلق، و ما إذا كانت لا تزال بحاجة لعناية، و… تقدم الحمل.” توقف، ثم أضاف، كأنه يستدرك أمراً تافهاً لكنه اضطر لذكره: “وتأكد من أن الظروف المعيشية للآنسة هارلو في القصر مناسبة.”
كانت هذه الإضافة هي الأكثر غرابة. الظروف المعيشية لعامة الشعب الذين يؤدون خدمة مؤقتة لم تكن أبداً ضمن اهتمامات الدوق.
“التقارير ستصل عبر البريد السريع. كل مساء، دون استثناء.” أكد ليون، ثم أشار بإيماءة بيده أنه انتهى.
انحنى ريان وخرج، لكن عقله كان يعمل بسرعة. الأوامر كانت واضحة: مراقبة دقيقة، تقارير يومية، وتقديم ضمانات حول راحة الفتاة. لم تكن هذه متابعة روتينية لحيوان ثمين، مهما كان عزيزاً. هذه كانت مراقبة. كانت محاولة للحفاظ على اتصال، ولو من خلال تقارير مكتوبة .
عاد ليون إلى نافذته بعد رحيل ريان. البريد السريع يعني أن الأخبار ستصل متأخرة يوماً، لكنها ستصل. كان هذا الإجراء سخيفاً من الناحية العملية. لو تدهورت حالة الفرس، لكان من المستحيل عليه التدخل من هذه المسافة. ولكن ربما لم يكن الهدف هو الفرس.
كان الاعتراف الذي فرضه على نفسه في مجلس الوزراء لا يزال يحترق في داخله: شادو كانت مجرد ذريعة.
والآن، كانت هذه التقارير اليومية هي استمرار لتلك الذريعة. ذريعة لاستمرار تدفق المعلومات عنها، حتى لو كانت المعلومات الظاهرة تدور حول الحصان. كان يحاول، من مسافة مئات الأميال، أن يحافظ على خيط من السيطرة على الوضع الذي تركه، وعلى الشخص الذي وضع فيه هذا الاهتمام الغريب غير المبرر.
أغلق عينيه للحظة. هذا الضعف، هذا الاهتمام غير المنطقي، كان خطيراً. كان ثغرة في حصانته. وكان يعلم أن الثغرات، في عالمه، إما أن تُصلح… أو تُستغل.
ولكن كيف يصلح ثغرة لا يفهم طبيعتها؟ وكيف يستغل شيئاً لا يعرف جوهره بالضبط؟
كل ما استطاع فعله، في تلك اللحظة، هو إصدار الأمر الذي يعيد له، ولو وهمياً، شعوراً بالاتصال والسيطرة. وكان ينتظر الآن أول تلك التقارير .
التعليقات لهذا الفصل " 17"