مع بزوغ أول الفجر الذي اخترق ضوءه السماء الرمادية . فتحت هيلينا عينيها ، كانت قد أمضت تلك الساعات الطويلة بين اليقظة والذعر. كل هبة رياح خارج النوافذ الضخمة، كان يجعلها تتجمد في فراشها الفاخر، وقلبها يدق كطبل حرب. بالكاد خالجها بعض النوم، وكان نوماً خفيفاً مليئاً بالأشباح: ظل رجل طويل على جدار الإسطبل، خطوات ثقيلة تتبعها في ممرات لا نهاية لها.
التفتت في الفراش الواسع الغريب، محاولةً توجيه نفسها في الفخامة الباردة المحيطة بها.
شعرت انها منهكة أكثر مما كانت عند ذهابها إلى الفراش.
دفعت نفسها للنهوض. توجّهت إلى النوافذ الضخمة الزجاجية التي تمتد من الأرض حتى السقف المنحوت، وفتحت الستائر الثقيلة بحذر.
انبهرت للحظة، رغم كل خوفها. المنظر كان خلاباً بطريقة غير عادلة. حديقة القصر الشتوية، مهيبة ومنظمة بأشجار الزينة الداكنة وممرات حصوية مثالية، تتدرج نحو أسفل التلة. وبعدها، امتدت الغابة العذراء كسجادة سميكة من الأخضر الداكن والرمادي، يتخللها شريط لامع من النهر الأزرق الذي كان يلمع تحت السماء الشاحبة.
كان مشهداً من عالم آخر، من لوحة أو حكاية خيالية. لكن الجمال لم يمنحها الراحة.
سرت قشعريرة باردة في عمودها الفقري، رغم أن الغرفة كانت دافئة بفضل الموقد الذي أوقد في وقت سابق. لأن هذا المنظر الرهيب كان تذكيراً صارخاً. كان يُظهر لها كل ما يملكه، كل ما يسيطر عليه: الأرض، الغابة، النهر، المدينة البعيدة التي يمكن رؤية أطرافها. و هذا السيد قد يصدر أمرا في أية لحظة مطالبا بحضورها .
تضرعت. ليست صلاة مألوفة، بل تضرعاً جوانياً يائساً، صادراً عن روح منهكة.
أطبقت جفنيها في خشوع
“فقط اليوم… فقط اليوم الأول. دعه يغيب اليوم. دعه يكون مشغولاً بأوراقه، باجتماعاته، بأي شيء آخر. “
كانت ترغب في هدنة، ولو ليوم واحد، لتستجمع قواها، لتتعود على فكرة وجودها في هذا المكان دون أن يكون ظله يلوح في كل ركن. لتتمكن من أداء مهمتها مع الفرس دون ذلك الشعور بأن كل حركة منها تُسجّل وتُحلّل.
سمعت دق الباب. انتفضت. لكنه كان قرعاً خفيفاً، غير حاسم. لم يكن قرع ريان، ولا حتى السيدة هادسون الواضح.
ثم فتح الباب . دخلت خادمة شابة، تحمل صينية طعام الإفطار. وضعتها على الطاولة الصغيرة بجانب النافذة ببراعة شديدة.
“صباح الخير، آنسة.” همست الخادمة، وهي ترمق هيلينا بنظرة خاطفة مليئة بالفضول . كانت الشابة تبدو أقل صلابة من السيدة هادسون.
صباح الخير.” ردت هيلينا و هي تبتعد عن النافذة و تجلس على حافة السرير.
“آمل أن تكوني قد نمت جيداً “
وضعت الصينية على الطاولة ثم التفتت إلى هيلينا، التي جلست على حافة السرير محاولة استيعاب هذه الطاقة الصباحية المفاجئة.
“أنا مولي.” قدمت نفسها، دون أن يُطلب منها. “سأكون من يخدمك أثناء إقامتك. سمعت الكثير عنك!”
“سمعت… عني؟” ترددت هيلينا، صوتها خافت وخجول.
“أوه، نعم!” انحنت مولي قليلاً، وكأنها تشارك سراً. “الجميع يتحدث عن الصيدلانية الشابة التي جلبها ريان لتعالج فرس سيدنا. بل ويقولون أنك تساعدين النساء أيضاً… في الولادة، أليس كذلك؟”
أحمرت وجنتا هيلينا . كانت مهارتها في القبالة شيئاً خاصاً، ولم تعتد على مناقشته في قصر فخم . أومأت برأسها إيماءة خفيفة جداً.
“هذا رائع!” تابعَت مولي، مبتسمة بذهول. “يجب أن يكون عملاً صعباً. أختي الكبرى تلد الشهر القادم، وهي خائفة جداً. ربما يمكنك إعطائي بعض النصائح طالما أنت مقيمة هنا .
كانت هيلينا محاصرة. لم تكن معتادة على هذه المباشرة، على هذا الفضول الدافئ. همست: ” هذا سيكون من دواعي سروري “
انتقلت مولي لتبدأ مهمتها في ترتيب الغرف .
“سأبدأ بالترتيب، آنسة هارلو! آمل ألا أزعجك.” بدأت على الفور في طي البطانية على السرير الضخم.
هيلينا ، التي كانت جالسة على الكرسي بجانب النافذة، أومأت بإشارة خجولة أنها لا تمانع. كانت تراقب مولي وهي تتحرك بخفة ومهارة في أنحاء الغرفة، تمسح الغبار عن الطاولات بضربات سريعة، وتعدل الستائر. على عكس الصمت الجليدي للسيدة هادسون أو البرودة المهذبة لريان، كان وجود مولي بشرياً. كان عاديًا. كانت تتحدث طوال الوقت:
“الطقس سيئ اليوم، أليس كذلك؟ لكن الحديقة تبدو جميلة مع الصقيع… أوه، هذا الموقد يحتاج إلى تنظيف جيد، انظري إلى الرماد… هل تحبين اللون الأزرق للغرفة؟ شخصياً، أجدها باردة قليلاً، كنت أفضل لو كانت وردية…”
كان كلامها تياراً مستمراً ولا يطلب بالضرورة رداً. لكن في بعض الأحيان كانت تلتقط نظرة خجولة أو إيماءة صغيرة من هيلينا وتجعلها جزءاً من المحادثة. “أوه، نعم، هذا صحيح، ليس لديك رأي، أنت ضيفة جديدة! لكنك ستعتادين، رغم ان إقامتك قصيرة هنا مع الأسف ، أليس كذلك؟”
رغم تحفظ هيلينا الشديد وردودها المقتصدة ب “نعم” أو “لا” أو “ربما”، منحتها هذه الثرثرة البريئة شيئاً ثميناً: الشعور بأن هناك شخصاً في هذا القصر لا يتعامل معها ككيان غريب أو كتحدٍ بروتوكولي. كانت مولي ببساطة تتعامل معها كشخص آخر في الغرفة، حتى لو كان ذلك الشخص جالساً في كرسي ضخم بينما هي تنظف.
ثم، بينما كانت مولي تنحني لترتب السجادة عند قدمي هيلينا ، حدث تغير طفيف. توقفت عن الكلام للحظة، ثم رفعت رأسها. نظرت إلى الباب للتأكد من أنه مغلق بإحكام، ثم خفضت صوتها إلى همسة حقيقية، مليئة بالحماس لسر كبير .
” سمعت أن سيدي الدوق غادر عند الفجر للعاصمة “
توقف قلب هيلينا لثانية. “غادر؟”
“نعم، آنسة. عاد إلى ألدوريا. هو يقيم هناك عادةً، كما تعلمين. يأتي إلى كاربال للزيارة فقط.” أضافت الخادمة، متسرعة قليلاً .
“ومن المعتاد أن تمتد إقامته في العاصمة لشهور، خاصةً مع اقتراب فصل الشتاء وجلسات البرلمان. السيدة هادسون تتوقع ألا يعود قبل الربيع القادم، على الأقل.”
ثم التقطت الخادمة الصينية الفارغة من الليلة الماضية وتراجعت نحو الباب. “سأعود بعد لحظات لتوجيهك عبر المرافق المؤدية للإسطبل .”
انغلق الباب بهدوء، بقيت هيلينا وحيدة مع الخبر.
تحركت ببطء نحو النافذة، دفعت الستيارة الثقيلة جانباً على نطاق واسع هذه المرة . ضوء الصباح البارد يغسل الحديقة المقفرة تحت سماء شتوية رمادية. وفي داخلها، حدث شيء غريب.
بدأت تتنفس. حقاً تتنفس. شهيق عميق، بطيء، يملأ رئتيها كما لم تفعل منذ تلك اللحظة التي دخلت فيها إسطبل الدوق لأول مرة. شعور غريب بالانفراج، كأن حبلاً مشدوداً حول صدرها قد ارتخى فجأة.
ارتفعت زاويتا فمها في ابتسامة خفيفة، لا إرادية، وهي تدرك ما تعنيه هذه الأخبار. هو ذهب. ذهب إلى مكان بعيد، إلى عالمه الحقيقي من السلطة والسياسة في العاصمة. لن تكون هناك تلك النظرة الثاقبة التي تشعر وكأنها تخلع طبقاتها الواحدة تلو الأخرى. لن يكون هناك ذلك الصوت البارد الذي يحمل أوامر لا تقبل النقاش. لن تكون هناك تلك الهيبة الصامتة التي تملأ أي غرفة يدخلها.
شعرت براحة عميقة تدب في أوصالها. راحة جسدية حقيقية. اكتشفت فجأة كم كانت عضلاتها متوترة، وظهرها مشدوداً، منذ وطأت قدماه نفس المكان الذي توجد فيه. الآن .
لن تغادر الغرفة الزرقاء فوراً، ولن تتوقف عن مراقبة الفرس. لكنها ستفعل ذلك دون أن يخيم ظله على كل حركة تقوم بها. ستكون حرة في التركيز على عملها، على “شادو”، على مهمتها، دون أن تشعر بأنها تحت المجهر، أو أسوأ، تحت التهديد الضمني الذي كان يشعه وجوده. و عند عودته ستكون بالفعل قد أنهت مهمتها هنا و عادت لبيئتها الطبيعية و لصيدليها المتواضعة ،
اقتربت من صينية الطعام ورفعت الغطاء. رائحة الخبز الطازج والسمك المدخن الساخن انتشرت في الهواء. ، شعرت بجوع حقيقي هذه المرة خلافا لليلة الماضية .
جلست لتتناول طعامها، والشمس الضعيفة تلمع على أدوات المائدة الفضية. الربيع بعيد. شهور طويلة من السلام تنتظرها. كانت كاربال، وقصرها، سيكونان الآن بلا سيدها المخيف. وكانت هي، ولو مؤقتاً، حرة من أكثر شيء أخافها: الاهتمام البارد، والتركيز المحسوب، لذلك الرجل الذي يسمى ليون.
التعليقات لهذا الفصل " 16"
ايش اسم الرواية بالكوري