أمضت هيلينا أول ساعة لها داخل جدران الغرفة الفارهة وهي تحاولت قراءة أحد كتبها الطبية، لكن الكلمات كانت تتراقص أمام عينيها، غير قادرة على اختراق حاجز القلق الذي بناه حولها القصر نفسه. كانت كل قطعة أثاث، كل زخرفة جدارية، تذكرها بأنها دخيلة، وأن وجودها هنا كان خطأً في البروتوكول ، نشاز في نظام صارم.
مع توغل المساء ، بدأت الغيوم من وراء الستار تحجب القمر المنير و قبل أن تغرق الغرفة تماماً في الظلام، سمعت دقاً واضحاً وحاسماً على الباب . كان قرعاً رسمياً.
فتحت الباب لتجد السيدة هادسون واقفة، وبجانبها خادمتان أصغر سناً، كلتاهما تحمل صينية كبيرة مغطاة بقماش كتاني أبيض ناصع. كانت السيدة هادسون ترتدي نفس الثوب الأسود القاتم، لكن طوق المفاتيح الفضية كان يلمع بشكل أكثر وضوحاً في ضوء المصابيح الخافتة في الممر.
“وقت العشاء، آنسة هارلو ..” أعلنت السيدة هادسون، دقيقة مثل ساعة القصر نفسها. دخلت الخادمتان بحركات منسقة، وضعت الصينيتين على الطاولة الكبيرة في منتصف الغرفة، وكشفتا عنها ببراعة.
احتجزت هيلينا نفسها. كانت الأطباق فاخرة بشكل باذخ، وكأنها مأخوذة من مائدة الدوق نفسه. طبق ساخن من حساء الكرفس الكريمي برائحة الكمأة، سمك السلمون المشوي مع صلصة هولنديز شبه شفافة، هريس الكستناء، خضروات موسمية مقلية في الزبد، وعربة صغيرة من الحلويات تضم كعكة باتيسييه معقدة وفواكه مكسوة بالشوكولاتة. كانت الأواني من الفضة الصقيلة، والأطباق من الخزف الصيني النفيس ذي الزخارف الذهبية.
كان واضحاً أن هذه الوجبة كانت مُعدة منذ لحظة وصولها. كانت السيدة هادسون قد ضمنت وصولها في وقت يسمح بتقديم العشاء الفاخر دون تأخير، وكأنها تؤكد، من خلال هذا الاستعراض الصامت للوفرة والأناقة، على مكانة القصر ومدى دقة نظامها – حتى عندما يكون المستفيد شخصاً مثل هيلينا .
“آمل أن يكون كل شيء على ما يرام.” قالت السيدة هادسون، وعيناها تمسحان الغرفة، تتأكدان من ترتيب كل شيء. “الماء الساخن للحمام سيُحضر خلال ساعة. إذا احتجتِ لأي شيء آخر، اسحبي الجرس.” أشارت بحركة صغيرة نحو حبل حريري بجانب المدفأة.
ثم تركتها، وأغلقت الباب خلفها ووراء الخادمتين الصامتتين.
وقفت هيلينا أمام المائدة، محاصرة بروائح الطعام الفاخرة التي بدت غريبة ،وفي حالة التوتر التي كانت تعيشها. لم تكن جائعة، لكن الدقة التي قدمت بها الوجبة والجودة الاستثنائية للطعام بطريقة ما كانت جارحة .
جلست ورفعت الملعقة الفضية، التي كانت ثقيلة بشكل غير مألوف في يدها. كل لقمة كانت تشعر وكأنها اقتحام لطقس لا تنتمي إليه. كانت النوافذ تعكس صورتها الجالسة وحيدة في غرفة ضخمة، محاطة بثروة لا تعرف كيف تتعامل معها. كان هذا أول عشاء لها في الغرفة الزرقاء، وكان طقساً من العزلة والترف الممنوح، والذي سيتكرر في الأيام القادمة – أيام انتظار الولادة، وانتظار الحرية –
*********
بعد تأكدت السيدة هاديسون ان الضيفة قد تناولت وجبة العشاء، وقفت للحظة في مكتبها الصغير الذي يطل على فناء الخدم ، كانت قد أمضت ساعات من القلق المكبوت أثناء انتظار قدوم الضيفة . عادت بذاكرتها إلى اللحظة التي استلمت فيها الأمر من الدوق شخصياً. كان قد استدعاها إلى مكتبه .
“السيدة هادسون، ستصل فتاة صيدلية للإقامة حتى تنتهي حالة الفرس ‘شادو”
قالها بينما كان يوقع على مجموعة من الخطابات، دون أن يرفع عينيه.
“رتبوا لها الغرفة الزرقاء في الجناح الشرقي.”
السيدة هادسون، التي كانت واقفة بانضباط أمام مكتبه، تصلّبت. لم تتجرأ على الاعتراض، لكن عينيها الواسعتين خلف نظاراتها الرفيعة خرجت عن سيطرتها .
الكلمات رنّت في رأسها كجرس إنذار معتل.
الغرفة الزرقاء لم تكن مجرد غرفة نوم. كانت بياناً. كانت مخصصة لابنة عم الدوق من فرع العائلة الثانوي، أو لزوجة سفير أجنبي يقوم بزيارة قصيرة. حتى أنها لطالما تخيلت انها ستكون المقر الرسمي لإقامة خطيبة الدوق المستقبلية.
لم يُسمح فيها أبداً، في تاريخ خدمتها الطويل الذي امتد لثلاثين عاماً، لشخص من عامة الشعب، وقطعاً ليس لامرأة تعمل بمهنة كالصيدلة – والتي، في التسلسل الهرمي الاجتماعي الصارم الذي عاشته السيدة هادسون، كانت أقرب إلى الحرفيين المهرة منها إلى الطبقة التي تستحق النوم بين أقمشة الداماسك والتحف البوهيمية. تلك الغرفة التي زيّنتها بنفسها بقطع من الخزف الصيني ومفروشات من مخمل الديباج ….لفتاة صيدلية؟ من عامة الشعب؟ هذت لم يكن مجرد استثناء، بل كان زلزالاً في نظامها الاجتماعي الداخلي الصارم.
لكن أكثر ما أربكها كان طريقة إعطاء الأمر.
لم يكن هناك تفصيل، لا تبرير، لا حتى نظرة تحمل أي وعي بضخامة ما كان يأمر به. لقد قالها ببرود، بلا مبالاة، وكأنه يطلب فنجان شاي. كأنه لم يكن يخرق واحدة من أكبر القواعد غير المكتوبة في قاموسها الأرستقراطي النبيل: ألا تختلط الطبقات تحت سقف النوم. أن الخدم يقيمون في جناح الخدم، والزوار النبلاء في الجناح الشرقي، ولا شيء بينهما.
في لحظة واحدة كان سيدها يهدم الأعراف الراسخة التي نشأت عليها بكل برود و لا مبالاة .
هذا البهتان، هذه اللامبالاة تجاه النظام الذي كرست حياتها للحفاظ عليه، كانت أكثر إهانة من الأمر نفسه. كان يعني أن نظامها، قواعدها، حدودها الدقيقة، كانت بلا أهمية تذكر في حسابات سيدها الأكبر.
ولكن الأكثر إرباكاً أنه أعطاها حقيقة واقعة وانتظر الطاعة. وهذا يعني أن التفسير الوحيد الممكن كان أكثر إثارة للقلق: أن الدوق ببساطة لم يرَ في الآنسة هارلو “شخصاً من العامة” بالطريقة التي تراها هي. أو -وهو الاحتمال الأكثر إزعاجاً- ، أنه رأى ولكن لم يكترث.
وهذا تركها في مأزق بروتوكولي شائك.
لم تستطع معاملتها كضيفة نبيلة حقيقية. هذا سيكون سخرية من النظام نفسه. لم يكن بإمكانها تقديمها في الصالونات، أو إدخالها من الباب الرئيسي (لقد اختارت بوضوح الباب الخلفي للخدم، وهو القرار الوحيد الذي منحها بعض السلامة الإجرائية).
ولكنها أيضاً لم تستطع معاملتها كخادمة. الدوق حدد “الغرفة الزرقاء”. وضعها في هذا التصنيف الهجين، الغريب. جعلها “شيئاً آخر”. ضيفاً-خادماً. نبيلة-عامية.
لذلك، ابتكرت السيدة هادسون حلاً وسطاً: العزلة الفاخرة.
ستُحجز في الغرفة الزرقاء، لكنها ستُخدم من خلال قنوات الخدم، وستُمنع من التجول. ستحصل على طعام فاخر (مستوى الضيوف)، لكنه سيُقدم لها في غرفتها، بعيداً عن الأنظار. ستحصل على الماء الساخن والمناشف النظيفة، لكن لن يكون هناك ترحيب رسمي، ولا تعريف لها على أفراد الأسرة ، ولا مشاركة في أي نشاط اجتماعي.
كانت هيلينا، في نظام السيدة هادسون، “الحالة الخاصة”. ملف موجود في منطقة رمادية خطيرة بين الرفوف المحددة بدقة في أرشيف القصر. وكان واجب السيدة هادسون هو إدارة هذه الحالة الخاصة بأقل قدر ممكن من الاحتكاك، وانتظار أن تختفي من تلقاء نفسها – سواء بولادة الفرس، أو بعودة الدوق وإصداره أمراً جديداً قد يزيح هذا اللغز المزعج عن كاهلها.
لذا، عندما قادت هيلينا عبر ممرات الخدم، شعرت بقناعة مريرة أنها تؤدي واجبها على أكمل وجه في ظل ظروف مستحيلة. كانت تحمي نظام القصر من الاقتحام الغريب، بينما تتبع حرفياً أمر سيدها. وكانت هيلينا، في وسط كل هذا، مجرد قطعة شطرنج تم نقلها إلى مربع خاطئ، تسبب ارتباكاً صامتاً لكل من يلعب اللعبة
التعليقات لهذا الفصل " 15"