عندما خرجت هيلينا من حي العمال الصناعي ، انعطفت يمينا أمام تقاطع الشارع حيث تقع صيدليتها ، شعرت بأن ثقلاً جسيماً قد ارتفع عن صدرها. كانت تحس بأنها أخف. لم يكن المال وحده ما تخلصت منه، بل تخلصت أيضا من ذلك الارتباط غير المرغوب فيه بمصدر ذلك المال. لقد حررته، وبتحريره حررت نفسها من تلك العلاقة الافتراضية مع الدوق وعالمه .
مع اقترابها من بوابتها المتواضعة، بعد أن خفَّ حمل المشاعر المتناقضة في صدرها، اصطدمت بصورة لم تتوقعها. لم تكن العربة العادية هذه المرة، بل كانت إحدى عربات القصر الأطول والأكثر رسمية ، بجانبها، تحت مصباح الغاز الخافت، وقف ريان، كبير الخدم، بملابسه الرسمية الكاملة، وعلى مسافة خلفه، وقف اثنان من الخدم ، وقفتهم تشي بالانضباط التام.
تجلَّد قلبها. الفرس…!! يجب أن تكون انتكاسة عرضية تسبق الولادة .
جمعت شجاعتها المتبقية واستعدت للعودة إلى الإسطبل.
لكن ريان، قبل أن تنطق، تقدم خطوة واحدة. “الآنسة هارلو”
نبرته كانت محايدة كالعادة، لكن فيها صلابة غير معتادة. “بناءً على أوامر سيدي الدوق، عليكِ جمع مستلزماتك الشخصية بما يكفي لإقامة تمتد عدة أيام. ستنتقلين للإقامة في جناح بالمَلحق الغربي للقصر حتى تنتهي حالة الفرس ووضعها لمولودها.”
لم يكن طلباً. لم يكن حتى إخطاراً. كان إعلاناً عن أوامر لتنفذ .
صُدمت هلينا . “الإقامة؟ لكن… يمكنني القدوم في أي لحظة إذا استدعيتموني. المسافة ليست مشكل……”
“أوامر سيدي الدوق واضحة.” قطع كلامها ريان دون تغيير في تعبير وجهه. “الولادة قد تكون مفاجئة وتتطلب وجودك الفوري ودون أي تأخير. القصر يضمن توفير كل ما تحتاجينه. العربة تنتظر لنقلك الآن.”
نظرت إلى الخادمين الواقفين في الظل. كانا يشبهان الحراس أكثر من الخدم. أدركت أن “الطلب” لم يكن مجالاً للنقاش. كانت هذه هي إرادة الدوق، وقد نُقلت إليها كحقيقة واقعة.
“أحتاج… دقائق فقط.” قالت بصوت خافت.
“بالطبع. سننتظر هنا.”
صعدت إلى شقتها بخطوات ثقيلة. لم تكن تعدُّ أغراضاً، بل كانت تشعر وكأنها تُجمع لتُساق. أخذت حقيبة صغيرة، وحشَت فيها ثياباً بسيطة، وثوب نوم، وكتبها الطبية الأساسية، وأدوات النظافة الشخصية. توقفت عند الدرج الذي كان يحمل المغلف الأبيض الفارغ الآن. شعرت بمرارة سريعة. لقد تخلصت من المال، لكنها لم تتخلص من التبعية. بل على العكس، لقد أصبحت التبعية ملموسة، وهي على وشك أن تُنقل قسراً إلى قصر الدوق.
عندما عادت إلى الشارع، كانت العربة قد فُتح بابها. ريان أشار لها بدخولها، ثم جلس هو نفسه في مقعد المجانب لها، بينما جلس الخادمان في الأمام.
خلال الرحلة الصامتة عبر المدينة النائمة، كانت هيلينا تحدق خارج النافذة. الأضواء الباهتة للأحياء الفقيرة مرَّت سريعاً، ثم بدأت المناظر تتغير مع صعودهم التلة. حتى ظهر القصر بكل عظمته المظلمة .
عندما توقفت العربة أخيراً .و على الرصيف الحجري، تحت نور فانوس حجري، وقفت كبيرة الخدم السيدة هاديسون بثوب الخدمة الرسمي الأسود القاتم، وطوقاً من المفاتيح الفضية معلقاً بحزامها. كانت وقفتها صلبة، وملامحها محفورة بسنوات من الانضباط الصارم.
نظرت السيدة هادسون إلى هيلينا بنظرة تقييم حادة وسريعة، لم تخلُ من حيرة واضحة. كانت الأوامر التي وصلتها مباشرة من الدوق شخصياً تتناقض مع كل ما عرفته عن البروتوكول والنظام الهرمي الصارم الذي يحكم القصر.
“الآنسة هارلو.” قالتها السيدة هادسون بصوت محايد، لكنه يحمل وراءه بحراً من التساؤلات. “أرجو أن تتبعيني.”
قادت السيدة هادسون الطريق، ليس نحو الباب الرئيسي الفخم ذو الأعمدة، بل نحو مدخل منخفض وغير واضح في الجانب الحجري للقصر – مدخل الخدم. وقفت لحظة عند الباب، وكأنها تتردد، ثم دفعته ليُفتح على ممر ضيق، مضاء بمصابيح غاز خافتة، أرضيته من الحجر البارد.
“الغرفة التي خصصت لك…” بدأت السيدة هادسون وهي تسير بخطوات سريعة، تجبر هيلينا على الإسراع لمواكبتها، “… هي الغرفة الزرقاء، في الجناح الشرقي.”
توقفت هيلينا لفترة قصيرة، غير مدركة للأهمية. لكن السيدة هادسون التفتت إليها، وعيناها الرماديتان تعكسان صراعاً داخلياً بين الطاعة واللامعقولية.
“الغرفة الزرقاء.” كررت الكلمات، كما لو كانت تختبر ثقلها. ..”مخصصة لزيارات الشخصيات النبيلة، أو على الأقل، للنبلاء من الطبقة الدنيا.” نظرت إلى ملابس هيلينا البسيطة، ثم استمرت في السير، وكأنها تتحدث مع نفسها أكثر منها معها. “الأوامر كانت مباشرة. واضحة. ولكن… لم يُحدد شيئاً آخر.”
“شيء آخر؟” همست هيلينا .
السيدة هادسون أدارت رأسها نحوها. “لم يُحدد أي استثناءات للبروتوكول. لم يُذكر الدخول من البوابة الرئيسية و لم يُطلب تجهيز ترحيب خاص.” همست ببرود، ولكن بإصرار… “لذلك، سيتم تطبيق القواعد كما هي. أنتِ هنا لتقدم خدمة. وإن كانت غرفتك… استثنائية..”
كان واضحاً أن هذه الحلقة الوسطى – وضع عامة الشعب في غرفة نبيلة، ولكن دخولها كالخدم – كانت مصدر إزعاج كبير لنظام السيدة هادسون الدقيق. لقد وجدت مخرجاً: تطبيق قواعد الخدم على هيلينا، رغم المكان الذي ستنام فيه.
صعدوا درجاً خادمياً ضيقاً، ثم مروا عبر باب خفي في لوحة جدارية، فوجدوا أنفسهم فجأة في ممر رئيسي فخم، ذو سجاد سميك وجدران معلق عليها لوحات زيتية. كان الانتقال فجائياً، من عالم الخدم الخفي إلى عالم السادة الظاهري. سارت السيدة هادسون بسرعة، وكأنها تريد أن تمر بهذه المنطقة المحرمة بأسرع وقت ممكن.
أوقفتهم أمام باب ضخم من خشب الجوز المنحوت. فتحته بمفتاح فضي من حزامها.
دخلت هيلينا . كانت الغرفة الزرقاء.
كانت فسيحة، بألوان زرقاء وذهبية باهتة، مع سرير ضخم ذو أعمدة، ومدفأة من الرخام، ونوافذ طويلة تطل على الحديقة. كل شيء كان فاخراً، مهيباً… وأشبه بمتحف. كان الجو بارداً، وخالياً من أي دفء أو علامة على الحياة. كان جمالاً مُجمَّداً.
“المرحاض في الغرفة المجاورة. الماء الساخن سيُحضر عند الطلب. الطعام سيُوصلك هنا. يُمنع عليك مغادرة هذا الجناح دون مرافقة أو إذن صريح.” سردت السيدة هادسون القواعد بسرعة. “ستُخطرين عند الحاجة إليك في الإسطبل.”
ثم، مع نظرة أخيرة مليئة بالتقييم والاستغراب، تركت الغرفة، وأغلقت الباب خلفها بصمت.
وقفت هيلينا في وسط الغرفة الفسيحة. السجادة الفاخرة كانت ناعمة تحت حذائها “الجيد”. نظرت حولها. كانت محتجزة، ليس في غرفة خادمة، بل في قفص من الذهب الأزرق. هل كانت هذه إهانة مقصودة ؟؟ فكرت هيلينا … لقد رفعها إلى مستوى لم تنتمِ إليه، ثم عوملت كمن لا تستحق أن تكون فيه. الأوامر المباشرة من الدوق أحدثت شرخاً في نظام قصره، والسيدة هادسون، بطريقتها الصارمة،جعلتها تستشعر بقسوة هذا الشرخ.
جلست على حافة السرير الضخم، محاطة بثروة لا تنتمي إليها، وشعرت بأنها أكثر ضياعاً وعزلة من أي وقت مضى.
التعليقات لهذا الفصل " 14"