انفتحت مصاريع صيدلية “ويتشابل” مع شروق الشمس ، تنشر رائحة الياسمين والنعناع المجفف في الهواء الرطب. بعد غياب يومين، كانت هيلينا تشعر بالحاجة إلى العودة إلى روتينهاالمعتاد أخيرا . حاولت إبقاء ذهنها مشغولاً بفرز الأعشاب و خدمة الزبناء و التحقق من المخزون .
مع اقتراب المساء، وأشعة الشمس الأخيرة تلون الغبار الذهبي المتطاير في الشعاع الضيق داخل الصيدلية، دق الجرس و على العتبة وقفت امرأة عجوز، ملابسها رثة ووجهها محفور بالتعب والقلق.
“آنسة الصيدلانية… أرجوك… ابني.” كان صوتها متهدجاً، عينيها تلمعان بدموع مكبوتة. “سقط عليه عمود في المصنع. ساقاه… ويده. في حالة سيئة . لا نملك المال لدفع فاتورة المستشفى “
لم تتردد هيلينا. أمسكت بحقيبتها الطبية الأكبر، التي كانت تحمل ما هو أكثر من الأعشاب، وأغلقت الصيدلية بسرعة. تبعَت العجوز عبر أزقة “كاربال” المتعرجة ، كانت المباني متكدسة وكئيبة، الهواء ثقيل برائحة الفقر والمخلفات. صعدوا درجاً خشبياً أفضى بهم إلى علية مظلمة.
داخل غرفة واحدة ضيقة، كل الهواء داخل الغرفة مثقلا بمرارة المرض و الخوف . و كل تفاصيل البيت المهترئ يصرخ بالفقر و الفاقة .
على فراش بالٍ، يرتجف من الحمى والألم، كان رجل في مقتبل العمر محاطاً بزوجته الهزيلة وخمسة أطفال صغار، عيونهم واسعة من القلق والرعب. كانت رائحة القيح والعرق تفوح من الجروح الملفوفة بخرق قذرة.
كشفت هيلينا الغطاء بحذر، وكتمت صرخة في حلقها. الساقان كانتا مشوهتين، كسر واضح لم يتم تثبيته، والجلد حول الجرحين ملتهباً ومنتفخاً بلون بنفسجي مقلق. جرح في يده اليمنى كان أعمق، واللحم بدا شاحباً ومتعفناً.
“متى حدث هذا؟” سألت بهدوء، لكن قلبها كان ينفطر.
“قبل ثلاثة أيام، آنسة.” همست الزوجة. “أحضروه لنا هكذا. قالوا في المصنع إنه إهمال منه… لذلك لا تعويض.”
بدأت هيلينا عملها، يدها هذه المرة لا ترتعش. كانت حركاتها سريعة وحاسمة. خلعت الأربطة القذرة، وبدأت في تنظيف الجروح بمحلول مطهر قوي، رغم علمها بأن الألم سيكون شديداً. الرجل تقوس من الألم لكنه كتم أنينه بصعوبة بالغة.
“عليكم نقله إلى مستشفى. هذا الكسر يحتاج إلى جبيرة محترفة، والجرح… يبدو أن الغرغرينا بدأت.” قالت وهي تكافح لإبقاء صوتها ثابتاً.
“المستشفى يطلب مالاً مقدماً… وليس لدينا.” كلمات العجوز خرجت يائسة و مريرة .
نظرت هيلينا إلى الحجرة الفقيرة، إلى وجوه الأطفال المرهقة، إلى عيون الزوجة الجاحظة من التعب و التوتر . شعرت بغصة في صدرها، وغضب عارم يشتعل في داخلها. غضب من أصحاب المصانع الذين يستهلكون الرجال ثم يرمونهم مثل نفايات، من نظام يسمح بهذا .
أكملت تنظيف الجروح، وضعت مرهماً مضاداً للعفن من صنعها، ولفت الساقين بألواح خشبية رفيعة ورباطات نظيفة كإجراء مؤقت. أعطتهم جرعات من مسكن قوي للألم ومضاد حيوي من الأعشاب المركزة، مع تعليمات دقيقة . على الاقل استطاعت ايقاف تطور الجرح إلى غرغرينا ، خلاف ذلك ولو بقي لساعات اضافية دون تدخل طبي كانت أنسجة الذراع ستتعرض للتلف و قد يؤدي لبترها قسرا .
نظرت إلى الساقين كانا بالفعل يحتاجان لجبيرة طارئة ، اجراءاتها لم تستطع اخفاء بروز العظام الناتئة .
في الوقت الراهن كانت قد فعلت أكثر مما في استطاعتها .
*************
بعد أن أغلقت هيلينا باب غرفتها خلفها، لم يتلاشى ذلك المشهد: عيون الأطفال الجائعة، يأس الأم العجوز، ألم الرجل الذي يحاول الاختباء خلف صمت متشدد. رائحة العفن واليأس علقت بأنفاسها، أكثر إلحاحاً من أي عطر أو رائحة أعشاب..
و ما إن همت بخلع حذائها ، حتى اندلعت في ذهنها فكرة كالنار في الهشيم .
لم تتردد. لم تحسب. لم تفكر فيما إذا كان هذا حكماً أو اندفاعاً. كانت هيلينا في غضون ذلك تمشي في الشارع، والمغلف مضغوط تحت عباءتها، تتجه نحو الحي الفقير بخطوات أسرع وأكثر تحديداً من قبل .
اندفعت نحو السلم الحديدي المؤدي للعلية ثم طرقت الباب .
فتحت السيدة العجوز الباب ، و ظهرت الدهشة على وجهها المجعد .
” آنسة الصيدلانية ، هل نسيت شيئا ؟
إلتمعت عينا هيلينا بإصرار خالص وهي تمد المغلف نحو العجوز
التعليقات لهذا الفصل " 13"