كان صالون الشتاء في قصر روكانديا غارقاً في ضوء المصابيح الزاهية التي أضفت مسحة من السحر و الجمال للاثاث الأثيري المغطى بخشب الماهوجني المنحوت. في ركن منعزل، جلس ليون على كرسيه الجلدي . يطالع التقارير المسائية .
على الأريكة المقابلة، تحت لوحة زيتية كبيرة لجدهم الأول، جلست الدوقة الأم إليانور. كانت تمسك بكوب من الشاي الصيني النادر، تتحدث بصوت رقيق لكنه يملأ الغرفة، كرنين كأس بلور يُضرب بإصبع.
“… وسأدعو بالطبع كونتيسة ويلرغريم وبناتها الثلاث. علينا أن نكون حذرين بشأن الابنة الوسطى، الشائعات التي وصلتني من العاصمة ليست مشجعة إطلاقاً… ثم هناك تنظيف الحديقة الشرقية تماماً قبل الحفلة، لا أريد أن ترى السيدة بريسويل تلك الحديقة الفوضوية مرة أخرى…”
في زاوية مضيئة قرب النافذة، كان سيباستيان، الشقيق الأصغر، منهمكاً تماماً. كانت راحة يده ملطخة بالألوان الزيتية، ووجهه قريب من لوحة قماشية يرسم عليها بتركيز شبه تأملي. كان يرسم منظراً طبيعياً خيالياً، جبلاً وادياً لم يوجد إلا في مخيلته. أصابعه، النحيلة والمختلفة تماماً عن أخيه القوي، كانت تتحرك بخفة وإحساس.
كان الشقيقان نقيضين صارخين: أحدهما منغمس في عالم السلطة والمال و الأحداث الواقعية، والآخر هارب إلى مملكة الألوان والخيال. لكن في هذه اللحظة، كان بينهما تقاطع واحد: تجاهل كامل للتيار المتواصل من حديث والدتهما.
كان صوت إليانور يطفو في الهواء، يتحدث عن تفاصيل حفلة الشاي، عن أهمية عرض الثروة بشكل غير مباشر، ثم انزلقت بالحديث إلى الموضوع المفضل لديها: أصول النبلاء والنميمة.
“… العائلة الجديدة، آل فرنويس، الذين اشتروا لقب البارونية مؤخراً، يحاولون دفع ابنتهم في كل حفلة. لا دماء نبيلة حقيقية في عروقهم، هذا واضح من تصرفاتهم. وسمعت من ليدي مارغريت أن ابنة دوق إيستوود كانت تُرى برفقة ذلك الضابط الشاب خارج نطاق المراقبة المناسبة…”
ليون لم يرفع عينيه عن تقريره. قلب صفحة، وكتب ملاحظة هامشية بحروف مختصرة وحادة. صوت والدته كان مجرد ضجيج خلفي، مثل حفيف أوراق الأشجار خارج النافذة. كل كلمة تنطق بها عن المجتمع الراقي وفضائحه التافهة كانت تؤكد له هشاشة هذا العالم الذي تسعى جاهدة للحفاظ على مظاهره.
سيباستيان، من ناحيته، كان يخلط لوناً جديداً من الأزرق على لوحته، غارقاً في تحدي نقل الضوء كما يراه في داخله. همسات والدته عن الفضائح كانت أقل أهمية من التحدي الفني الماثل أمامه.
قطعت إليانور حديثها فجأة، ونظرت إلى ابنها الأكبر. “ليون، عليك أن تحضر حفلة الشاي. حضورك مهم. يرسل رسالة …الأهم هو الحفاظ على مكانة العائلة!” أصدرت صوتاً نفّاذاً. “حضورك يظهر أننا متحكمون، أننا مهتمون بمجتمع كاربال حتى من مقرنا في العاصمة.”
رفع ليون عينيه عن تقاريره اخيرا
“مكانة العائلة تُحفظ بالقوة والثروة، لا بشاي النعناع والنميمة.” كان رده سريعاً، ثم عاد إلى تقريره.
سيباستيان لم يتدخل، لكن زاوية شفتيه ارتفعت قليلاً، ربما سخرية من سخافة الوضع أو تعاطفاً مع أخيه المحاصر بالحديث الدنيوي.
تجاهل ليون احتجاج والدته الصامت، لكن كلمة “مجتمع كاربال” علقت في ذهنه رغم إرادته. كاربال. المدينة التي تدير نفسها عملياً تحت إشرافه البعيد. المدينة التي يوجد فيها، في هذه اللحظة، فتاة صيدلية ذات عينين عسليتين واسعتين تفحص فرسه.
نظر إلى ساعة الجيب الذهبية. كان الوقت قد حان تقريباً للتحقق من حالة الفرس. وكان أيضاً وقتاً مناسباً لإنهاء هذا الحوار العقيم.
طوى تقاريره بترتيب. “إذا سمحتِ لي، أمي. لدي شؤون يجب متابعتها.” وقف، قامته الطويلة تلقي ظلاً على منطقة جلوسها.
“أي شؤون أهم من واجباتك الاجتماعية؟”
“شؤون الإسطبل.” قالها ببساطة، وخرج من الصالون، تاركاً والدته في حالة من السخط المكبوت وسيباستيان في عالمه الملون، وشيء من الفضول الخفي الذي دفعه هذا اللقاء اليومي نحو مكان واحد فقط في ممتلكاته الواسعة.
**********
كان الليل قد أسدل ستاره الكثيف على قصر عائلة روكانديا وحدائقه. وجد ليون نفسه يسير باتجاه الإسطبل في جولة تفتيشية ليلية معتادة. كان الصمت يخيم على المكان، مقطوعاً فقط بصهيل خافت من بعيد وخرير المياه في السقايات الرخامية.
دخل الإسطبل الذي يخص فرسه “شادو”. كانت الفرس واقفة في زاوية مضاءة بنور خافت من فانوس معلق، تأكل بهدوء من علفها. وقف ليون على مسافة، يراقبها بعين الخبير. تنفسها منتظم، وحركتها طبيعية، ولا علامات تدل على ألم أو قلق. حالة مستقرة تماماً، كما أشارت الفتاة.
“الفتاة”
ذهنه، الذي عادة ما يظل مركزاً على تقييمات عملية، انزلق فجأة بعيداً عن الفرس. نحو صورة ظهرت بوضوح في الظلام الداخلي: صورة الفتاة – هيلينا – واقفة في نفس هذا المكان في ضوء النهار الباهت، محاولةً أن تجعل من حقيبتها القماشية المتواضعة حاجزاً بينها وبينه.
تذكر بالتفصيل المزعج كيف انكمشت على نفسها عندما اقترب، وكيف أمسكت بالحقيبة وضمتها إلى صدرها، كما لو أن تلك القطعة من القماش والبطانة يمكنها أن تحميها من أي شيء. الدفاع كان تلقائياً، بدائياً، وأضعف من أن يكون مثيراً للشفقة.
انحلت زاوية فمه في تعبير لا يمكن وصفه إلا بأنه سخرية باردة، حادة. ضحكة خالية من الدفء، خرجت بصوت منخفض في صمت الإسطبل.
كان الأمر مضحكاً حقاً. مضحكاً بمعنى السخافة المطلقة. تلك الكائن الهش، الذي بدا وكأن نسمة قوية قد تنقله، يحاول بناء سور دفاعي من… حقيبة؟ كان يشبه مشاهدة عصفور يحاول ردع صقر بحركة جناح متهيجة.
تقدم خطوة واحدة، وتملص الضوء الخافت ليضيء معصمه القوي، ويديه اللتين كانتا تعرفان وزن السيف وخشونة الحبال. ألقى نظرة على يديه، ثم تخيل بسهولة مروعة كيف أن أبسط ضغط من إصبعيه – بل ربما من إصبع واحد – حول معصمها النحيل، سيكون كافياً لترك كدمة، بل ربما كسر هش.
لم يكن تفكيره سادياً، بل كان تحليلياً بحتاً. كان يقيس الهوة بين قوته وضعفها، بين قدرته على السحق واستعدادها للتحطم. كان دفاعها – ذلك الانكماش، تلك الحقيبة – تاكيدا على ذلك .-
سحب نفسه من هذا الإفتراضات . لم تكن هذه الأمور مهمة. ما يهم هو أن الفرس بخير، وأن الصيدلية – تؤدي وظيفتها بكفاءة. هذا كل شيء.
أعطى “شادو” تربيتة أخيرة على عنقها القوي، ثم انصرف من الإسطبل. لكن قبل أن يغادر، ألقى نظرة إلى المكان الذي وقفت فيه هيلينا ، حيث بدا ظلها الهش وكأنه لا يزال مرتسماً على الأرضية الخشبية.
ضحكته الساخرة تلاشت، تاركةً وراءها صمتاً أكثر كثافة، وتساؤلاً واحداً معلقاً: ما قيمة الدفاع إذا كان ضعيفاً إلى هذا الحد؟ وما قيمة الشجاعة إذا كانت تأتي من كائن يمكن سحقه بنَفَس واحد؟
عائداً إلى قصره، كان كل ركن يذكرّه بتلك المشاهد التي أراد نسيانها. الظل الذي سقط على وجهها الخائف، الطريقة التي رفعت بها حقيبتها وكأنها درع، ذلك الخليط الغريب من الهشاشة والصلابة في عينيها.
دخل مكتبه الواسع، حيث كانت النار تتأرجح في المدفأة. أخذ زجاجة نبيذ ثمينة وسكب كأساً بيد ثابتة. شرب نصفه دفعة واحدة، محاولاً أن يغسل طعم الفضول غير المرغوب فيه الذي علق بحلقه.
لكن النبيذ لم يجلب له السكرة التي أرادها. بل على العكس، جعل الصور في رأسه مجددا أكثر وضوحاً…الطريقة التي حاولت بها إخفاء ارتعاش يديها. ذلك الجمال الآسر الذي لم يكن زائفاً أو مصنوعاً مثل جمال نساء البلاط، بل كان نقيضاً، جمالاً طبيعياً كزهرة برية نمت بين الصخور.
تجرع بقية النبيذ على مضض، وكأنه يتناول دواءً مراً. ثم رمى الكأس الفارغة في المدفأة، حيث تحطمت إلى ألف قطعة، كرمز لتحطيم تلك الأفكار غير المجدية.
ثم طرق باب المكتب أخيرا ليصرفه عن أفكاره القاهرة .دخل خادمه الشخصي ريان و انحنى و هو يستعد لتلقي أوامر الدوق .
التعليقات لهذا الفصل " 12"