بعد ان نطقت اسمها الكامل ركزت كل نظرها على الأرض ، كأنها بهذا التصرف ستشتت التقارب الجسدي الذي ينذر بخطر وشيك .
و بعد هنيهة ارتدت اهذابها لترى ان المساحة التي كانت مغلقة منذ قليل صارت أوسع.
متى بالتحديد ابتعد دون ان تشعر حتى بخطواته .
لم يقل ليون كلمة أخرى . كان بالفعل قد استدار و ترك الإسطبل ، كل ما تناهى إلى نظرها كان معطفه الاسود يلوح في الأفق مثل جناحي غراب.
راقبت الظل حتى اختفى في الأفق ، انفجرت هيلينا لحظتها في سعال خفيف، كما لو أن الهواء الذي حبسته في صدرها طوال وجوده بالقرب منها قد خرج فجأة وبعنف. تركت يداها ترتخيان على جانبيها للحظة، متكئة على حاجز الإسطبل، تلتقط أنفاسها. كانت رائحة عطره لا تزال عالقة في فضاء المكان، تختلط مع الروائح الأرضية للقش والأعشاب.. كانت تشعر و كأن جسدها هبط فجأة من ارتفاع شاهق . لم تشعر بسقوط حقيبة الاعشاب التي كانت تحتمي بها كدرع بينهما . الا بعد ان استعادت رباطة جأشها .
لم تمر سوى بضع دقائق حتى ظهر ريان بهدوء المعتاد، يليه اثنان من الخدم الشباب .
“الفرس في حالة مستقرة بفضل عنايتك، الآنسة هيلينا.” بدأ ريان، صوته يحمل نبرة الإعلان الرسمي بقدر ما يحمل الإعلام. “يمكنك المغادرة الآن. سيتم استدعاؤك عند الحاجة.”
أومأت هيلينا ، متجنبةً النظر إلى الخادمين الواقفين كتماثيل. بدأت في جمع أدواتها بحركات جامدة، تشعر بثقل نظراتهم الثلاثة عليها. عند الانتهاء، لم يقودها ريان عبر الممر فحسب، بل سار الخادمان خلفهما، خطواتهم المتزامنة تدوي على الحجر المصقول.
لم يؤدِّ بها إلى الباب الخلفي الصامت هذه المرة، بل إلى مدخل جانبي أكثر رسمية، حيث كانت عربة القصر تنتظر، وحارسٌ بزيه الكامل يقف بجانبه سيدة في أواسط الخمسينيات و معها وصيفتان من القصر .
تقدمت كبيرة الخدم السيدة هاديسون و مدت مغلفا أبيض سميك يحمل ختم الدوق الشمعي نحو هيلينا .
” بتوجيه من سيدي الدوق ، تقديرا لخدماتك ”
مدت هيلينا يدها لتمسك المغلف ، لكن نظرة السيدة هاديسون صارت اكثر قتامة . فنطقت بلهجة حادة و صارمة
” أمسكيها بٱحترام “
جفلت “هيلينا” أمام الخطأ العصيب هذا . استدركت فورا و مدت يديها معا للامساك بمغلف أجر عملها في احترام تام للبروتوكول الاروستقراطي . حاولت السيطرة على حركات يديها ، لكن ارتعاش أصابعها كان واضحا عندما أمسكت بطرف المغلف . كان ثقيلا بشكل غير متوقع ، و ملمسه ناعما و غريبا تحت اطراف أناملها.
شكرتها بكلمات مكتومة . ثم دلفت لتستقر بمقعدها في العربة . وفور ان تحركت السيارة بدأت تضغط المغلف بين يديها . تشعر بصلابة محتوياته . لم يكن مجرد أجر . كان شيئا من عالمهم . بعدها فتحت حقيبتها و ألقت بالمغلف بالداخل و كأنه شيء لا يخصها .
********
في شقتها، كانت “هيلينا” تحاول التركيز مع صفحات الكتاب الطبي الذي كان قد أعطاه اياها خالها لكن عينيها كانتا تعودان دائما لذلك المستطيل الأبيض الملقى بإهمال على الطاولة الجانبية ، كان يثقُل على الزاوية التي وُضع فيها. كان وجوده هناك دخيلا غريبا . لقد حاولت تجاهله طوال اليوم بعد ان ألقت به على تلك الطاولة دون اكتراث منذ لحظة عودتها من قصر الدوق . و ملأت يومها بالتنظيف و ترتيب الاعشاب . حتى أنها طبخت فطيرة التفاح المفضلة لديها .
بعد منتصف الليل، حين لم يعد بمقدورها تحمل فضولها الممزوج بالقلق، مدت يدها وأخذت المغلف. جلسَت على حافة سريرها، ومزقت الطرف العلوي بحذر.
أفرغت المحتويات على البطانية الصوفية البالية.
صُعقت.
لم تكن عملات نحاسية أو حتى بعض الفضة المتواضعة. كانت أوراقاً نقدية. أوراق بنكية فاخرة ومقاومة للملمس، تحمل صورة الملك وختم الخزينة. لم ترَ مثل هذا المبلغ في حياتها. ..المبلغ كان باهظا سخيا إلى حد السخف بالنسبة لعملها . كان يكفي لدفع إيجار الصيدلية وشقتها لعامين كاملين. بل وربما لشراء معدات جديدة، وكمية كبيرة من الأعشاب النادرة.
إجتاحتها مشاعر ارتباك و حيرة خانقين .نظرت إلى المال وكأنه لغز لا تحله. ما كان متوقعاً هو مبلغ معقول، يكرم جهدها دون أن يلفت الانتباه. لكن هذا… هذا كان ثراءً صغيراً.
ثم أدركت العبء.
رفضه وإرجاعه؟
كانت الفكرة تلمع في رأسها للحظة ثم تخبو سريعاً.
لم يكن ذلك خياراً. إرجاع أجر – أو “هبة” بهذا الحجم – من قصر الدوق سيكون أكثر من وقاحة؛ سيكون إهانة. سيكون رفضاً لـ “كرم” السيد، وتعالياً من قِبل امرأة من عامة الشعب. كانت تعلم، من حكايات الناس ونبرة ريان، أن الخدم ومن في مقامهم ليس لديهم الحق في رفض عطايا النبلاء، بل عليهم تقبلها بشكر وامتنان، بغض النظر عن مقدارها أو ما تعنيه. الامتنان واجب، والشكّ في النية ترف لا يحق لها.
أعادت الأوراق إلى المغلف ببطء، وكأنها تلمس جمراً. ثم ألقت به في الدرج و اغلقته بإحكام .
التعليقات لهذا الفصل " 11"