استيقظت هلينا مع أول خيوط الفجر، قبل أن يبدأ ضوء النهار بالتسلل عبر ستائرها البالية. لم تكن قد نامت بعمق؛ فصورة القصر والإسطبل وذاك الرجل القائم كالسيف في ظلال المكان، تناوبت على دورات نومها القصيرة.
نهضت في صمت، وكعاداتها الصباحية اليومية بدأت في تحضير إفطارها ، تركت إبريق الشاي على الموقد و خرجت مسرعة لابتياع الخبز الطازج ا لصباحي …فور عودتها كان الشاي قد نضج . و رائحة الخبز الساخن تعبق بالمكان. فتحت علبة الجبن و بدأت تدهن الخبز . صبت الشاي و حاولت أن تستمتع بمذاق هذا المزيج في فمها .. تذوقته ببطء مستمتعة بانفجار مذاقات الشاي الناضج بالبرتقال الحلو و الجبن المالح .كانت هذه طقوس الصباح التي تبعث الفرح و السرور لقلبها . ربما لم يكن هناك في العالم ما يضاهي سعادة وقت الإفطار الثمين . لذا حاولت انتهاز لحظات السعادة و الطمأنينة هذه بحذافيرها .
بعد الإفطار قامت لإخراج فستانها الرمادي ,
لكن عند وصولها إلى خزانتها الصغيرة، توقفت أمام حذائها . ذاك الحذاء البالي، ذو النعل المتآكل الذي أذلّها في اليوم السابق.
لم تفكر كثيراً. فتحت صندوقاً خشبياً قديماً تحت السرير، وأخرجت منه زوجاً آخر من الأحذية. كانت أحذيتها “الجيدة”. تلك التي اشترتها قبل شهرين بمال ادخرته لمدة ثمانية شهور ، كان الجلد بنياً داكناً لا يزال يحتفظ ببعض لمعانه، والنعل سميك وسليم. ارتدتهما، وشعرت بصلابة غير مألوفة تدعم قدميها. لم تكن مريحة كالحذاء البالي الذي تأقلم مع شكل قدمها، لكنهما كانا يبدوان أفضل.
نظرت لحذائها برهة وهي تشعر بنوع من السخرية المرة. …كانت تضطر لارتداء أفضل ما لديها للعمل في إسطبل. كانت تفعل ذلك فقط لئلا تبدو أكثر بؤساً مما هي عليه في مكان حتى أدنى الخدم يرتدون قطع ملابس فاخرة و أكثر بياضا من أي قطعة ملابس تملكها .و أن أحذيتهم اللامعة لم تحمل أدنى ذرة غبار .
قاطع أفكارها صوت طرق خفيف على الباب .
فتحت لتجد السائق برباطة جأشه المهيبة “آنستي ! إذا تفضلتي !” قال مشيرا للعربة المتوقفة أمام الباب مباشرة .
خلال الرحلة، جلست هيلينا في صمت، يداها متشابكتان في حجرها. كانت تتأمل الشوارع التي تعبر بها يومياً، لكنها اليوم بدت مختلفة. كأنها تراها للمرة الأخيرة قبل أن تبتلعها دوامة ذلك القصر الرهيب . جلست في المقعد الخلفي و هي تشعر بأن الحذاء الجديد يضغط على كاحليها . لكنها كانت مستعدة لتحمل كل ألم .
********************
في الإسطبل، كان الجو مختلفاً. الخدم كانوا يتحركون بحذر أكبر، وكأن المكان قد تم تطهيره لاستقبالها.
الفرس “شادو” بدت أفضل حالاً، لكن نظرة الدوق ليون كانت أكثر حدة من الأمس.
إنحنت هبلينا أمامه رأسها لأسفل .
“ابدئي.”
قال فقط، من دون تحية. و دون أن يزيح نظره عن الفرس.
“…..”
هذه المرة كانت هيلينا مستعدة ، حقيبتها كانت مليئة بخلطات الأعشاب التي أعدتها مسبقا . أخذت تفحص العيون و التنفس و النبض. و بعد لحظات إستدارت لتقدم التقرير للدوق الواقف خلفها .
” هي أفضل بكثير ” قالت بصوت واضح ” الأعشاب المسكنة أتت بنتيجة ، لن تحتاج لأي علاجات أخرى حتى موعد الطلق ”
ليون لم يرد .
و فجأة و بحركة حادة من يديه أمر الخدم . “غادروا جميعا “
صمت مطبق تلا الأمر، ثم بدأ الخدم بالانسحاب بصمت، تاركينها وحدها معه في الإسطبل الشاسع. قلب هيلينا أخذ يدق بسرعة جنونية..
لماذا طردهم؟ ماذا يريد؟…؟؟
بقِي واقفاً في مكانه، لا يتزحزح، يراقبها ببرود تام. حضوره المهيب كان كجبل جليدي يضغط على صدرها، جعلها تكافح لالتقاط كل نفس . ثم، ببطء، بدأ يقترب منها.
خطوة… خطوتان… ثلاث.خطوات ..
كل خطوة كانت تضيق المسافة بينهما، وتزيد من رعبها. توقف على بعد مسافة قصيرة جداً منها، لدرجة أنها استطاعت أن تشم رائحة عطره الخشبية الباردة.
كانت مدركة أن هذا تعدي صارخ على مساحتها الشخصية. فلم يحدث ان كانت بهذه المسافة من القرب من رجل قط .
ارتجفت قدماها، واعتراها خوف عميق من دوافعه المخفية، ومن تلك المشاعر الغريبة التي رأتها تلمع للحظة في عينيه الرماديتين قبل أن تعودا إلى صقيعهما المعتاد.
و في حركة غريزية محضة حملت حقيبتها كدرع بينهما ..كانت الحركة مفاجئة لدرجة ارتسمت ابتسامة تسلية على شفاه الدوق .
ثم كسر الصمت أخيرا بهدوء .
” ما اسمك ؟”
صُعقت. سؤال بسيط، أساسي، لكنه في هذا السياق، بعد ان قلص المسافة بينهما لهذه الدرجة المريبة .
فتحت شفتيها، وصوتها خرج أجشاً بعض الشيء من قلة الاستخدام والتردد.
“هيلينا … سيدي. هيلينا هارلو.”
نطقت اسمها كأنه اعتراف، أو ربما تسليم. في النهاية، حذاؤها الجيد لم يحمها. لكن اسمها، ربما قد يفعل .
التعليقات لهذا الفصل " 10"