كان قصر “فيرفيكس” المُطل على نهر “ثاميس” في العاصمة “ألدوريا” يغلي بالسياسة والنفوذ. في قاعة الاجتماعات العالية السقف، حيث صور الأسلاف تعلق بجدران من الجوز المنحوت، كان الدوق ليون هو المحور الذي تدور حوله كل الأمور.
جالساً على رأس الطاولة الطويلة، لم يكن بحاجة إلى رفع صوته. كلماته كانت مقصاً، تُقطع الشكوك والاعتراضات ببرودة حديدية.
“التهديدات الانفصالية في الشمال لا تُحارب بجيوش وحسب، بل بقطع منابع تمويلها.” قال صوته يجوب القاعة، يخترق ضجيفة النقاشات الجانبية. “خطة الأمن الداخلي التي قدمتها لا تقبل النقاش، بل التنفيذ.”
كان يشغل منصب المسؤول عن الأمن الداخلي للمملكة، منصبه أنعم به عليه الملك تقديراً لانتصاراته العسكرية، لكن الجميع يعلم أن القوة الحقيقية لليون لا تأتي من الألقاب، بل من السيطرة التي يفرضها. كان الجميع يستمع، بعضهم بإعجاب، والآخرون بخوف مكبوت.
بعد أن حسم أمر الأمن، انتقل النبلاء إلى ما يشغلهم حقاً: ثرواتهم. بدأ الكونت “ويلرغريم” بالحديث عن امتيازات التعدين ومناجم الذهب في مستعمرات المملكة، مطالباً بحصة أكبر للعائلات النبيلة.
“شركاتكم تستخرج الذهب، بينما خزائن التاج تزداد سخاءً على حسابنا!” اشتكى الكونت.
من دون أن يرف له جفن، رد ليون وهو يدير قلماً فضياً بين أصابعه: “شركاتي، يا كونت ويلرغريم، تنتج ربع ذهب المملكة. وإيراداتها هي ما يمول الجيش الذي يحمي مناجمكم في المقام الأول. إذا شعرتم أن التاج يثقل عليكم، فربما يجب مناقشة تخفيض الحصص المخصصة لتمويل حرسكم الخاص.”
ساد صمت مطبق. كان التهديد واضحاً ومباشراً. الجميع يعلم أن “ربع إنتاج المملكة” لم يكن مجرد رقم، بل كان قوة تضع ليون على قدم المساوة مع العائلة المالكة نفسها في الثراء والنفوذ. كان يلعب لعبة الشطرنج وهو يمسك بقطع الجميع.
بعد انفضاض الاجتماع، تقدمت منه غلوريا لوليك، بفستانها الوردي الفاقع وابتسامتها المتكلفة. كانت نبيلة شابة من عائلة طموحة، تزور العاصمة مع والدها وتصر على الظهور في كل مكان يقصده ليون.
“دوق ليون! يا له من اجتماع ممل، أليس كذلك؟ كنت أتطلع لرؤيتك.” قالتها بمحاولة للعبث.
نظر إليها ليون كما ينظر إلى قطعة أثاث جديدة. “الآنسة لوليك.” رد بتحية جليدية، ثم واصل طريقه إلى عربته الفاخرة التي تجرها الخيول، تاركاً إياها واقفة مع ابتسامة مهتزة على وجهها
لم تكن غلوريا استثناء. كان ليون معروفاً في أوساط المجتمع بأنه “أوسم عازب ثري في المملكة“، ولكنه أيضاً كان الأكثر برودة. لم تُجذب انتباهه امرأة قط. لم يجد في أعينهن ما يثير اهتمامه، ولا في عقولهن ما يثير التحدي. كان الزواج، في نظره، تحالفاً استراتيجياً بحتاً، ولم يجد بعد التحالف الذي يستحق عناء مشاركة حياته.
عربته انطلقت في شوارع العاصمة المبلطة، متجهة إلى قصره الخاص في أرقى أحياء “ألدوريا“. لم يكن مقر إقامته الدائم، بل كان قصر العائلة عندما يزورون العاصمة، مبنى رخامياً فخماً يعكس الثراء القديم والسلطة المتجذرة.
كان عليه المرور أولا بمبنى شركة العائلة , حيث كان عليه ان ينغمس مجددا في وابل من الوثائق و مراجعة الصفقات التجارية للعائلة
انتهى به الأمر بالإنتهاء متأخرا كعادته ,
¨
عندما عاد إلى قصره في قلب العاصمة , استقبله كبير الخدم السيد باركلي بانحناءة متحفظة , حيث لمح ليون من ملامحه التوجس , لكنه بدل ان يسأله اتجه مباشرة إلى الداخل , كان بالفعل يفهم ايماءات الخادم باركلي دون الحديث , وقت دخل إلى صالونه الكبير، وجدها جالسة هناك بانتظاره مجددا، كما لو كانت جزءاً من الديكور الذي أمر بشرائه.
“الآنسة لوليك مرة أخرى؟” سأل بدهشة طفيفة مدير خدمه، “باركلي“.
“يبدو أنها أقنعت الخادم الجديد بأنها على موعد معك، سيدي الدوق.”
لم يبدُ منزعجاً، بل مملاً. دخل الصالون. كانت غلوريا واقفة أمام المدفأة، تحاول أن تبدو ساحرة وغامضة.
“ليون! هذا القصر بحاجة إلى لمسة أنثى، ألا توافق؟“
نظر حوله في الغرفة الفسيحة، ثم نظر إليها.
“القصر يخدم غرضه بشكل ممتاز كما هو.كما أنني لم أدعك للزيارة.”
صوته كان مسطحاً،يخلو من أي دفء أو حتى غضب. كان مجرد حقيقة قاسية.
ارتبكت، وحاولت إنقاذ الموقف بمحادثة عن حفلة القصر القادمة.
” حفلة الكونت اوغستيه تعد بالكثير سأكون هناك،بالطبع. ربما يمكننا..”
“آسف، لكنني مشغول.” قطع عليها كلامه وهو يضغط على جرس الخدم. “باركلي، رافق الآنسة لوليك إلى بابها.”
وقف باركلي عند الباب، صامتاً وحاسماً. ارتسمت الصدمة على وجه غلوريا، ثم تحولت إلى إهانة صامتة قبل أن تغادر بسرعة.
تردد صدى خطواتها المتسارعة في المرر , أمام نظرات الخدم الفضولية
كانت بلا شك تشعر بالإهانة , لقد وضعت سمعتها على المحك أمام مجتمع النبلاء اذا انتشر خبر زيارتها المسائية لقصر الدوق ,
لكن الأدهى والأكثر مرارة كان شعور الرفص الصريح و اللاذع ,شعرت أن حلقها جف وقلبها يرتعش في خضم نظراته اللامبالية .
بقي ليون واقفاً في منتصف الغرفة الفارغة، يشعر بالضجر. كان العالم لعبة شطرنج كبيرة، والناس مجرد قطع. لكنه بدأ يشعر بملل من اللعبة ذاتها
التعليقات لهذا الفصل " 1"