1
الفصل 1
رفع الدوق وارين تينيريس يديه اللتين غمزهما في الماء البارد، وتفحّصهما بدقّة.
كانت يداه البيضاوان قد توردتا بشدّة، نتيجة فركهما العنيف بالصابون لعدّة مرّات.
‘أليست نظيفةً بهذا القدر؟’
وعلى الرغم من الكلمات التي تمتم بها عقله، إلا أنّه قرّب يديه من المصباح ليفحص سطح الجلد مرارًا وتكرارًا.
طقطقة، طقطقة―
تردّد صدى صوت قطرات الماء الساقطة من طرف الصنبور بوضوحٍ شديد.
“هيووو.”
بعد انتهائه من الفحص الطويل، تنفّس الصعداء أخيرًا، ومدّ ذراعه نحو منشفةٍ تتلألأ بياضًا.
‘يا للقذارة، ما هذا؟’
توقّفت ذراعه في الهواء عن الحركة فور سماعه ذلك الصوت عند أذنه.
كان صوتًا حيًّا لدرجة أنّه لم يملك إلا أن يلتفت حوله دون تفكير.
لكنّ هذا المكان هو الحمام الأكثر حراسةً وتأمينًا في قصر الدوق الخاصّ به.
وكالعادة، لم يكن هناك أثرٌ حتى لنملةٍ واحدة، فضلاً عن قدمِ شخصٍ آخر.
‘لقد وصل بي الأمر إلى حدّ سماع هلاوسٍ سمعيّة الآن.’
ابتسم بمرارةٍ وهزّ رأسه.
لو علمت القوى التي تضمر له العداء بهذا، لرحبوا بالأمر بحفاوةٍ قائلين: “لقد فقد الدوق وارين تينيريس عقله تمامًا في النهاية.”
‘بما أنّه موسم الحفلات، فلا مفرّ من التوتّر.’
ومهما كان عدم حبّه للناس، فإنه بصفته ربّ عائلة الدوق، لا يمكنه التخلّف عن جميع مناسبات المجتمع الراقي.
نظر مرّةً أخرى إلى كفّيه الشاحبين.
وعلى الرغم من علمه بأنّ الصوت الذي سمعه كان مجرّد هلوسة، إلا أنَّ القلق بدأ يتسلّل إلى قلبه مجدّدًا.
تمامًا كقطرة حبرٍ سقطت في ماءٍ شفّاف، لتصبغ الماء كلّه بالسواد.
‘ربما هناك جراثيم عالقة لا تُرى بالعين المجرّدة.’
ولم يكن يدري إن كانت تلك الجراثيم القذرة ستنفذ إلى داخل جسده.
‘لأغسل يديّ مرّةً واحدةً أخيرة فقط.’
لقد استسلم مرارًا لإغواء ذلك الصوت الداخليّ، وهذه المرّة أيضًا لم يستطع المقاومة في النهاية.
ملأ حوض الغسيل بالماء مجدّدًا، واتجه بنظره نحو الصابون.
“آه.”
من المفترض أنّها كانت صابونةً جديدة، لكنّها اختفت بالفعل دون أثر.
قطّب ما بين حاجبيه للحظة، ثمّ سأل الظلّ القابع على الأرض.
“هل يعقل أنّك أكلت صابونتي، يا نواه؟”
رفع كيانٌ أسود كان ذائبًا في الظلّ رأسه فجأة، وضرب بذيله الأرض بقوّةٍ كأنّه مظلوم، وأصدر صوت أنين.
هذا الوحش المجهول الذي اتخذ شكل كلبٍ من مادّةٍ تشبه الضباب الأسود، كانت عيناه السوداوان تنبعث منهما إضاءةٌ أرجوانيّة.
لو رآه شخصٌ عاديّ لارتعد وصرخ: “إنه روحٌ شريرة!” بسبب مظهره المريب، لكنّ الدوق الذي يتعامل معه كان هادئًا.
“أعلم، لقد كنت أمازحك فقط.”
“كيوووونغ.”
أصدر نواه صوت أنينٍ غير راضٍ، وفجأةً نصب أذنيه ونظر باتجاه الباب.
وذيله الذي كان يهتزّ بلطفٍ تشنّج وانتصب فجأة.
“بناءً على ردّ فعلك، يبدو أنّه ضيفٌ غير مدعوّ.”
“كانغ!”
وكما تنبأ نواه، لم يمضِ وقتٌ طويل حتى طرق أحدهم الباب.
“سيدي، أعتذر عن إزعاجك أثناء الاغتسال. لقد حضر ضيفٌ
مهمّ…”
ازداد العمق في الفجوة التي استقرّت بين حاجبيه الأسودين.
القاعدة الأولى في عائلة تينيريس كانت ‘لا تزعج الدوق تينيريس أبدًا أثناء وجوده في الحمام’.
ولا يمكن لرئيس الخدم الذي يخدمه منذ فترة طويلة ألا يعرف ذلك.
“من هذا الضيف العظيم الذي حضر؟”
مسح رئيس الخدم العرق عن جبهته وأجاب، مدركًا بوضوحٍ نبرة الانزعاج في صوت وارين.
“إنها الأميرة سينثيا أستلي.”
“الأميرة؟”
توقّفت يد وارين التي كانت تفتح صابونةً جديدة.
لقد كانت زائرةً غير متوقّعةٍ تمامًا.
“ما الذي جاء بالأميرة إلى هنا؟”
“لقد سألتها أيضًا، لكنّها قالت إنّه أمرٌ تودّ مناقشته مع الدوق مباشرةً.”
كان صوت رئيس الخدم ممتلئًا بالارتباك أيضًا.
بما أنّ الطرف الآخر هو الأميرة، لم يكن من الممكن طردها من أمام الباب.
وعلى الرغم من أنّ الملك القادم قد تأكّد تقريبًا أنّه سيكون شقيقها الأصغر الأمير بيل وليس هي، إلا أنّها تظلّ من العائلة المالكة ولا يمكن تجاهلها ببساطة.
بالإضافة إلى ذلك، لو حدث مكروهٌ للأمير، فإنّ الأميرة أو أطفالها قد يصبحون ملوكًا.
وزن وارين في عقله أهميّة الأميرة سينثيا مقابل جدول أعماله اليوميّ وفكّر بعمق.
بدا له أنّه يستطيع تخصيص حوالي 15 دقيقةً من وقته.
“قل لها أن تدخل مبدئيًّا.”
“نعم، يا سيدي.”
أجاب رئيس الخدم وهو يشعر بارتياحٍ شديد.
فقد كان يخشى أن يطردها الدوق المتمسّك بالمبادئ كعادته قائلاً: “لا يمكنني استقبال ضيفٍ لم يحدّد موعدًا مسبقًا”.
لكن لسوء الحظ، كان ذلك الارتياح سابقًا لأوانه.
“بشرط أن تلتزم بـ ‘إجراءات الدخول’ دون استثناء.”
“إـ إجراءات؟ هل تقصد تلك الإجراءات؟”
تجاهل وارين صوت رئيس الخدم المرتجف، وأخرج الصابونة الجديدة وبدأ في تكوين الرغوة.
حتى لو كانت من العائلة المالكة، بل حتى لو كان الملك أو الأمير، لم يكن بوسعه التنازل في هذا الجزء.
هذا هو قصر الدوق تينيريس. لذا، يجب أن تسير الأمور وفقًا لـ “قواعد” الدوق “تينيريس”.
“لكن إذا رفضت ذلك…”
“لا استثناءات. في حال الرفض، حدّد موعدًا جديدًا لنلتقي في مكانٍ آخر لاحقًا.”
“أفهم ذلك.”
يا تُرى، هل ستوافق الأميرة على اتّباع “قواعد” عائلة تينيريس؟ شعر رئيس الخدم بالقلق.
لقد كانت إجراءاتٍ أعرب جميع الضيوف الآخرين عن استيائهم منها.
بل إنّ النبلاء ذوي الكبرياء العالي استشاطوا غضبًا متسائلين عمّا إذا كان الدوق يعتبرهم غير نظيفين.
وبالطبع، لم يزوروا هذا المكان مرّةً أخرى.
–”بما أنّه لا أحد يأتي، فالأمر مريحٌ وجيّد، أليس كذلك؟ لقد قلّلت لك العمل، فلماذا تشتكي؟”
تذكّر رئيس الخدم ردّ فعل الدوق اللامبالي وعبس وجهه.
‘الدوق هو الدوق، لكنّ شخصيّة الأميرة ليست سهلةً أيضًا.’
بدأ يقلق من مدى الغضب الذي ستبديه.
لكنّ باب الحمام كان قد أُغلق بإحكامٍ بالفعل، وكان صوت تلاطم الماء يتسرّب بضعفٍ من شقّ الباب.
على أيّ حال، فإنّ سيّده هو الدوق وارين تينيريس، ولا يملك إلا أن يفعل ما أُمِر به.
وبأكتافٍ منكمشةٍ قليلاً، سار رئيس الخدم ببطءٍ في الرواق. وتبع ظلّه كيانٌ يشبه الدخان الأسود بشكلٍ سرّيّ.
* * *
“إذًا، هذا هو ما تسمّونه إجراء الدخول؟”
“نعم، مع شديد الأسف، هذا هو.”
انحنى رئيس الخدم بعمقٍ أمام المرأة التي كانت أصغر منه بكثير، لدرجةٍ بدا فيها وكأنّه سيصطدم برأسه في الأرض.
سينثيا أستلي، الضيفة غير المدعوة اليوم، والمرأة التي يناديها المقرّبون بسيا، شبكت ذراعيها أمام صدرها وحبست تنهيدةً كانت توشك على الخروج.
‘ربما كان عليّ انتظار فرصةٍ للقاءٍ أكثر طبيعيّة.’
لكنّها لم تطق الانتظار أبدًا. أرادت لقاءه في أسرع وقتٍ ممكن لتجد مخرجًا للوضع الذي تعيشه.
<النظام: احتماليّة دمار العالم الأوّل في الوقت الفعليّ هي 98.4%>
لوّحت بيدها كأنّها تطرد حشرة، محاولةً مسح الكلمات التي طفت أمام عينيها.
لكن، وكما كانت جميع محاولاتها السابقة، لم تتحرّك نافذة الحالة شبه الشفّافة من مكانها.
‘إنها تزعج عينيّ حقًّا.’
نافذة التنبيه هذه، التي لا يراها أحدٌ غيرها، كانت تحتلّ زاويةً من بصرها بإصرارٍ منذ عودة سيا إلى “العالم الأوّل” هذا.
كانت تضايقها بشكلٍ غريبٍ، تمامًا كإعلان منبثق لا يحتوي على زرّ إغلاق.
“أ.. أميرتي. ما رأيكِ لو نعود أدراجنا اليوم؟ يمكننا رؤية الدوق في وقتٍ آخر.”
همست جانيت، الخادمة التي كانت تقف بجبنٍ خلفها، وهي تشدّ طرف فستانها.
كان صوتها ممتزجًا بالبكاء وكأنّها خائفةٌ جدًّا.
“الدوق لا يظهر تقريبًا في المناسبات الاجتماعيّة، وحتى لو طلبتِ لقاءه، فسيتهرّب قائلاً إنّه مشغول. لذا، الهجوم عليه من جانبي أوّلاً هو الطريقة الأسهل لرؤية وجهه.”
سينثيا هي من النوع الذي يزداد حماسًا عندما يعترض أحدٌ ما.
لقد تخلّت فورًا عن فكرة ‘هل كان عليّ المجيء؟’ التي راودتها قبل قليل، وحرّكت رقبتها يمينًا ويسارًا.
وفي نهاية نظرتها الحادّة، كان هناك مرفقٌ خاصّ تمّ تركيبه عند مدخل قصر الدوق تينيريس.
“لقد رأيت شيئًا مشابهًا لهذا في مكانٍ ما…”
“أ- أين؟”
سألت جانيت وهي لا تستطيع إخفاء صوتها المرتجف.
“هل في الكتب التي تتناول أدوات التعذيب؟ أم أنّه أحد أنواع السحر المحرّم؟”
“لا، الأمر ليس كذلك…”
آه، محطّة غسيل السيارات الآليّة.
كان يشبه تمامًا محطّة الغسيل التي رأتها في العالم الثاني.
على الرغم من أنّه أصغر حجمًا ومرفقٌ مصنوعٌ من الهندسة السحريّة.
“لكن لا يبدو خطيرًا إلى هذا الحدّ؟”
“أنتِ لا تكذبين، أليس كذلك؟”
“أنا متأكّدةٌ من هذا… على الأرجح.”
لقد ولدت دون أن تمتلك قوّةً سحريّة، واهتمّت لفترةٍ وجيزة بالهندسة السحريّة التي تُمكّن غير السحرة من استخدام القوّة السحريّة.
لكنّها سرعان ما فقدت اهتمامها عندما علمت أنّ مستوى الهندسة السحريّة الحاليّ يمكنه فقط إظهار سحرٍ بدائيّ.
“على الأرجح؟ لستِ متأكّدةً تمامًا؟”
“يا إلهي، لو كان مرفقًا خطيرًا يتعلّق بالسحر الأسود، ألا تعتقدين أنّه ما كان ليوضع علنًا عند مدخل قصر الدوق؟”
دارت سيا خلف ظهر جانيت ووضعت كلتا يديها عليها.
“وأيضًا، إذا دخلتِ بنفسكِ، فستتمكّنين من التأكّد بشكلٍ أوضح.”
“ماذا؟! أدخل؟ أنا؟ أوّلاً؟”
“إذًا، هل أدخل أنا أوّلاً؟”
اهتزّت عينا جانيت البنيّتان البسيطتان كالأرنب المذعور.
“ماذا لو دخلتُ إلى هناك دون حمايةٍ و تمّ امتصاص روحي مِن قِبل سحر الظلام؟ الدوق تينيريس… سيّئ السمعة…مشهورٌ… بالسحر الأسود.”
لم يكن خوفها بلا سبب.
وارين تينيريس هو أقوى ساحرٍ في المملكة.
بل وكان ساحرًا أسود متخصّصًا في السحر المتعلّق بالموت والأرواح واللعنات.
وهو أيضًا الشخص الذي دمر مملكة أستلي والعالم أجمع بقوّته السحريّة الهائلة في حياة سيا الأولى.
بالطبع، في الوقت الحاليّ، سيا هي الوحيدة التي تعرف هذه الحقيقة.
“هذا صحيح…”
في اللحظة التي فكّرت فيها فيما إذا كان زيارته بمفردها أمرًا خطيرًا جدًّا كما قالت جانيت، تغيّر الرقم المكتوب داخل نافذة الحالة.
<النظام: احتماليّة دمار العالم الأوّل في الوقت الفعليّ هي 98.5%>
‘اللعنة!’
بسبب تردّدها اللحظيّ، ارتفعت الاحتماليّة قليلاً بعد أن انخفضت بصعوبة.
يبدو أنّ لقاءها بالدوق هو ما سيقلّل من احتماليّة الدمار.
“قلتُ لكِ إنّ الأمر بخير. هل هناك شيءٌ أسوأ من الموت؟”
“ماذا؟ انتظرِي لحظة!”
“لا بدّ أنّكِ مشمولةٌ بتأمين إصابات العمل… على الأرجح.”
“من الأفضل أن ندخل معًا ممسكتين بأيدي بعضنا البعض بـ… كياااااا!”
دُفعت جانيت بواسطة سيا وأُجبرت على الدخول إلى الجهاز وهي تصدر صوتًا غريبًا.
تراجعت سيا خطوةً إلى الوراء وتظاهرت بمسح دموعها.
“لن أنسى تضحيتكِ، يا جانيت.”
للأسف، لم يكن بإمكانها التراجع من هنا. لأنّ سيا لديها مهمّةٌ وهي منع دمار هذا العالم.
‘على الرغم من أنّني لا أعرف على الإطلاق كيف يمكنني منعه.’
تنهّدت بعمقٍ هذه المرّة دون أن تحبس تنهيدتها.
<النظام: احتماليّة دمار العالم الأوّل في الوقت الفعليّ هي 98.5%>
ومقابل ذلك، ومضت نافذة الحالة أمامها بضوءٍ مزعج. كأنّها تحذّرها بألا تنساها.
التعليقات لهذا الفصل " 1"