كان القصر في ذلك الصباح هادئًا على غير عادته.
الضوء الفاتح تسلل عبر النوافذ العالية، وامتد فوق الأرضية الرخامية اللامعة، بينما كان الخدم يتحركون في الممرات الطويلة بهدوء وهم يؤدون أعمالهم اليومية.
كانت كلونا تحمل سلة صغيرة مليئة بالمناشف النظيفة، متجهة نحو غرف الضيوف في الطابق العلوي.
خطواتها كانت خفيفة كعادتها، فهي تعوّدت منذ زمن على السير دون إصدار صوت تقريبًا.
لكن عقلها لم يكن هادئًا مثل القصر.
منذ أن دخلت تلك الغرفة القديمة في الجناح الشمالي، ومنذ حديثها مع اللورد أدريان هناك… لم تستطع التوقف عن التفكير في الأمر.
لماذا فتح الباب أصلًا؟
ولماذا كان ينتظر أن تلاحظه؟
تنهدت بهدوء وهي تضع المناشف داخل إحدى الخزائن.
قالت لنفسها في سرها:
“لا يجب أن أفكر في هذا كثيرًا… هو اللورد، وأنا مجرد خادمة”
لكن رغم ذلك، كانت تشعر أن شيئًا ما يتغير داخل القصر… أو ربما داخلها هي.
بعد أن أنهت ترتيب الغرفة، خرجت إلى الممر الطويل.
كان المكان فارغًا تقريبًا، ولم يكن يُسمع سوى صوت الرياح الخفيفة خلف النوافذ.
وأثناء سيرها، لاحظت شيئًا غريبًا.
أحد الأبواب في نهاية الممر كان مفتوحًا قليلًا.
توقفت.
ذلك الباب يقود إلى شرفة خارجية تطل على حدائق القصر.
اقتربت ببطء… ثم فتحت الباب أكثر.
الهواء البارد دخل فورًا إلى الممر، يحمل معه رائحة الأشجار والزهور.
خطت خطوة إلى الخارج.
كانت الشرفة واسعة، محاطة بدرابزين حجري قديم، ويمكن رؤية جزء كبير من حدائق القصر من هناك.
وقفت كلونا للحظة تنظر إلى الأشجار البعيدة.
هذا المكان أيضًا لم تره من قبل.
همست بدهشة خفيفة:
“القصر أكبر مما كنت أظن…”
لكن قبل أن تكمل كلامها، سمعت صوتًا خلفها.
“هناك أماكن أكثر لم تريها بعد”
التفتت بسرعة.
كان أدريان يقف عند الباب.
شعرت بالارتباك فورًا.
“مولاي… لم أكن أعلم أن هذه الشرفة—”
قاطعها بهدوء:
“لا بأس”
ثم خرج إلى الشرفة وأغلق الباب خلفه.
وقف بجانب الدرابزين الحجري، ينظر إلى الحدائق الواسعة أمامه.
ساد صمت قصير بينهما.
لم تكن كلونا تعرف ماذا تقول.
وأخيرًا قالت بهدوء:
“هل تأتي إلى هنا كثيرًا؟”
أجاب بعد لحظة:
“أحيانًا”
ثم نظر إليها قليلًا.
“حين أحتاج إلى بعض الهدوء”
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
“إذن نحن متشابهان قليلًا”
رفع حاجبه باهتمام.
“كيف؟”
نظرت إلى الحدائق البعيدة وقالت:
“أنا أيضًا أبحث عن الأماكن الهادئة داخل القصر”
صمت للحظة… ثم قال:
“وهل وجدتها؟”
فكرت قليلًا قبل أن تجيب.
“ربما…”
ثم أضافت بخفة:
“لكن في كل مرة أجد مكانًا هادئًا… يظهر فيه أحد”
نظر إليها للحظة… ثم ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه.
كانت ابتسامة نادرة.
قال:
“ربما القصر لا يريدك أن تكوني وحدك”
احمرّ وجهها قليلًا من المفاجأة.
لم تكن معتادة على هذا النوع من الكلام.
وقفت للحظة تنظر إلى الأشجار البعيدة محاولة إخفاء ارتباكها.
الهواء البارد حرّك خصلات شعرها الفاتح قليلاً.
لاحظ أدريان ذلك بصمت.
ثم قال فجأة:
“هل اعتدتِ العيش هنا؟”
نظرت إليه.
“في القصر؟”
هز رأسه.
أجابت بعد لحظة تفكير:
“نعم… وأيضًا لا”
رفع حاجبه.
“هذا جواب غريب”
ابتسمت بخفة.
“القصر كبير… لكن أحيانًا يبدو كأنه عالم صغير جدًا”
فكر في كلماتها للحظة.
ثم قال:
“ربما لأنك لم تري العالم خارج أسواره بعد”
نظرت إلى الأفق البعيد خلف الأشجار.
كانت السماء صافية، والهواء منعشًا.
قالت بهدوء:
“ربما”
لكن في داخلها، كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط.
رغم أن القصر كان كبيرًا…
إلا أن وجود شخص واحد فيه أصبح كافيًا ليجعل قلبها مضطربًا.
وبينما كانت تفكر في ذلك…
رنّ صوت جرس القصر في الأسفل، معلنًا اقتراب موعد الغداء.
تنهدت كلونا.
“يجب أن أعود إلى عملي”
هز أدريان رأسه قليلًا.
“بالطبع”
فتحت الباب وعادت إلى الممر.
لكن قبل أن تبتعد، سمعت صوته مرة أخرى.
“كلونا”
توقفت.
التفتت إليه.
قال بهدوء:
“إذا وجدتِ مكانًا هادئًا آخر في القصر… أخبريني”
نظرت إليه بدهشة صغيرة.
“لماذا؟”
أجاب ببساطة:
“لأنني قد أحتاجه أيضًا”
لم تعرف لماذا… لكنها شعرت أن قلبها أصبح أخف قليلاً.
ثم انحنت احترامًا وعادت تمشي في الممر الطويل.
بينما بقي أدريان واقفًا على الشرفة… ينظر إلى المكان الذي اختفت فيه.
وللمرة الأولى منذ وقت طويل…
لم يكن القصر يبدو هادئًا بالنسبة له كما كان دائمًا.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"