استيقظت كلونا قبل شروق الشمس كعادتها.
غرفة الخدم كانت هادئة، ولا يُسمع فيها سوى صوت أنفاس الفتيات النائمات وصوت الرياح الخفيفة خلف النوافذ الصغيرة.
جلست ببطء على سريرها الخشبي، وأخذت نفسًا عميقًا.
لم تستطع النوم جيدًا تلك الليلة.
كلما أغمضت عينيها، تذكرت الحديقة المخفية… وكلمات اللورد أدريان.
“يمكنكِ البقاء هنا قليلًا.”
كانت جملة بسيطة، لكن وقعها في قلبها لم يكن بسيطًا أبدًا.
هزّت رأسها قليلًا وكأنها تطرد الفكرة.
“أنا خادمة…”
همست لنفسها.
ثم وقفت وارتدت زي الخدم البسيط وخرجت إلى الممر الطويل
————————————————————
في الصباح، كان القصر يبدأ يومه ببطء.
الخدم يتحركون في كل مكان، بعضهم يحمل الأقمشة، وبعضهم يلمّع الدروع القديمة التي تزيّن الجدران، وآخرون يعدّون الطعام في المطبخ الكبير.
كانت كلونا في طريقها إلى الجناح الغربي عندما أوقفتها المشرفة.
قالت بنبرة جدية:
“كلونا.”
انحنت فورًا.
“نعم يا سيدتي.”
أشارت المشرفة إلى الممر الطويل خلفها.
“اليوم ستعملين في الجناح الشمالي.”
رفعت كلونا رأسها قليلاً بدهشة.
الجناح الشمالي نادرًا ما يُستخدم.
سألت بحذر:
“هل سيصل ضيوف؟”
هزّت المشرفة رأسها.
“لا. لكن اللورد طلب تنظيف الغرف هناك.”
شعرت كلونا بدهشة صغيرة… لكنها لم تسأل أكثر.
انحنت مرة أخرى.
“كما تأمرين.”
————————————————————
كان الجناح الشمالي مختلفًا عن باقي القصر.
الممرات فيه أهدأ… وأقل استخدامًا.
الضوء يدخل من النوافذ العالية، والغبار يلمع في الهواء عندما تضربه أشعة الشمس.
حملت كلونا دلو الماء وقطعة القماش وبدأت العمل.
فتحت أول غرفة.
كانت غرفة ضيوف قديمة، الأثاث فيها مغطى بأقمشة بيضاء.
بدأت بإزالة الغبار وتنظيف الطاولة والنوافذ.
مرّت ساعة تقريبًا وهي تعمل بهدوء.
ثم دخلت الغرفة الثانية.
وهنا لاحظت شيئًا غريبًا.
الباب في آخر الغرفة كان نصف مفتوح.
اقتربت ببطء.
لم ترَ هذا الباب من قبل.
فتحته قليلًا…
لتجد خلفه غرفة صغيرة.
غرفة قديمة جدًا.
الجدران مليئة بالكتب والخرائط القديمة.
تقدمت خطوة بفضول.
“غريب…”
همست لنفسها.
كانت الكتب موضوعة بعناية، لكن واضح أن أحدًا لم يدخل هذه الغرفة منذ زمن.
مدّت يدها نحو أحد الكتب…
لكن صوتًا خلفها جعلها تتجمد.
“لم أكن أعلم أنك فضولية هكذا.”
تجمدت كلونا فورًا.
استدارت ببطء…
وكان أدريان يقف عند الباب.
اتسعت عيناها.
“مولاي!”
انحنت بسرعة.
لكن أدريان كان ينظر إلى الغرفة أكثر مما ينظر إليها.
دخل ببطء.
نظر إلى الرفوف القديمة.
ثم قال:
“لم يدخل أحد هنا منذ سنوات.”
نظرت إليه بدهشة.
“إذن… لماذا الباب مفتوح؟”
ابتسم ابتسامة خفيفة.
“لأنني فتحته هذا الصباح.”
ارتبكت قليلًا.
“هل… هل أخطأت بدخولي؟”
هز رأسه.
“لا.”
ثم أضاف:
“في الحقيقة… كنت أتساءل إن كنتِ ستلاحظينها.”
رفعت حاجبيها بدهشة.
“أنا؟”
اقترب قليلًا من أحد الرفوف وأخذ كتابًا قديمًا.
“معظم الخدم كانوا سينظفون الغرفة ويغادرون دون أن ينتبهوا لهذا الباب.”
نظر إليها.
“لكنني توقعت أنك ستلاحظينه.”
لم تعرف لماذا… لكن كلمات مثل هذه كانت تجعل قلبها يخفق بسرعة.
قالت بصوت خافت:
“أنا فقط كنت فضولية.”
رد بهدوء:
“الفضول ليس دائمًا شيئًا سيئًا.”
ساد صمت قصير.
كانت تقف قرب الطاولة… وهو قرب الرفوف.
المسافة بينهما ليست كبيرة.
لكن الشعور كان غريبًا.
ثم قالت فجأة:
“هل هذه مكتبتك القديمة؟”
هز رأسه.
“ليست لي وحدي.”
مرر يده على أحد الكتب.
“هذه كتب العائلة… بعضها أقدم من القصر نفسه.”
اقتربت خطوة صغيرة لتنظر إلى الخرائط القديمة.
كانت خرائط لمدن وبلدان مختلفة.
قالت بدهشة:
“هذه الأماكن بعيدة جدًا…”
نظر إليها.
“هل حلمتِ يومًا بالسفر؟”
توقفت للحظة.
لم يسألها أحد هذا السؤال من قبل.
فكرت قليلًا… ثم قالت:
“أحيانًا.”
سألها بهدوء:
“إلى أين؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
“أي مكان لا يعرفني فيه أحد.”
نظر إليها طويلاً.
ثم قال:
“غريب.”
رفعت حاجبيها.
“لماذا؟”
قال ببساطة:
“لأنني أعتقد أن الأماكن ستتذكرك بسرعة.”
احمرّ وجهها قليلًا.
لم تعرف ماذا تقول.
فجأة… سُمعت أصوات خطوات في الممر.
توقفت كلونا فورًا.
همست بقلق:
“أحد قادم.”
نظر أدريان نحو الباب.
ثم عاد بنظره إليها.
“لا تقلقي.”
لكن كلونا كانت متوترة.
“إذا رآنا أحد هنا—”
قاطعها بهدوء:
“لن يحدث شيء.”
لكنها لم تكن مقتنعة.
بعد لحظات، مرّت الخطوات أمام الغرفة… ثم اختفت.
تنفست كلونا بارتياح.
لكنها عندما رفعت رأسها…
وجدت أدريان ينظر إليها.
ليس كالسابق.
بل بنظرة أهدأ… أعمق.
قال بصوت منخفض قليلًا:
“لماذا تخافين دائمًا هكذا؟”
همست:
“لأنني أعرف القصر أكثر مما تعتقد.”
سكت لحظة… ثم قال:
“وربما… أنا لا أخاف منه بما يكفي.”
لم تفهم قصده تمامًا.
لكنها شعرت أن كلماته تحمل شيئًا أكبر.
بعد لحظة، ابتعد أدريان نحو الباب.
“أكملي عملك.”
ثم توقف قبل أن يخرج.
وأضاف:
“لكن اتركي هذه الغرفة كما هي.”
سألته:
“لماذا؟”
ابتسم ابتسامة خفيفة.
“ربما… سنحتاجها مرة أخرى.”
ثم غادر.
وبقيت كلونا واقفة وسط الغرفة القديمة.
تنظر إلى الكتب… وإلى الباب الذي خرج منه.
وقلبها بدأ يطرح سؤالًا لم تكن مستعدة له.
هل كل هذا… مجرد صدفة؟
أم أن أدريان كان يقربها منه… خطوة بعد خطوة؟
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"