مرّت أيام قليلة منذ حادثة العقد، لكن القصر لم يعد كما كان بالنسبة لـ كلونا.
أصبحت تشعر أن العيون تلاحقها أينما ذهبت.
همسات الخدم صارت أخف عندما تمر… لكنها لم تختفِ.
“هي التي اتهمتها الليدي ماريان…”
“لكن اللورد دافع عنها…”
“غريب، أليس كذلك؟”
كانت تسمع تلك الكلمات أحيانًا دون أن يلاحظوا.
وفي كل مرة، كانت تشد قبضتها بصمت وتكمل عملها.
لأنها تعلم شيئًا واحدًا فقط…
الخادمة التي تكثر حولها الشائعات لا تبقى طويلًا في القصر.
ذلك الصباح، كانت الشمس تدخل من النوافذ الطويلة للممر الشرقي.
الضوء الذهبي انعكس على الأرضية الرخامية اللامعة بينما كانت كلونا تمسح الغبار عن إطارات اللوحات القديمة.
القصر كان هادئًا على غير العادة.
معظم النبلاء خرجوا لزيارة إحدى العائلات المجاورة.
وهذا يعني شيئًا واحدًا للخدم:
العمل لن يتوقف.
وقفت كلونا على أطراف أصابعها لتصل إلى أعلى اللوحة، لكن قطعة القماش سقطت من يدها فجأة.
انحنت لالتقاطها…
لكن يدًا أخرى سبقتها.
تجمّدت.
لم تكن بحاجة لرفع رأسها لتعرف من هو.
الصوت جاء هادئًا فوقها:
“يبدو أنكِ تسقطين الأشياء كثيرًا حين أكون قريبًا.”
رفعت عينيها ببطء.
اللورد أدريان.
كان يقف أمامها، يحمل قطعة القماش وكأنه أمر عادي تمامًا.
ارتبكت فورًا.
“أعتذر يا مولاي…”
مدّ القماش لها، لكن بدل أن يتركه فورًا، توقف لحظة قصيرة.
كأن شيئًا ما منعه من الابتعاد.
ثم قال بهدوء:
“هل ما زال الخدم يثرثرون؟”
تفاجأت بالسؤال.
لم تكن تتوقع أنه لاحظ.
حاولت الابتسام ابتسامة صغيرة.
“الخدم دائمًا يتحدثون يا سيدي.”
نظر إليها قليلًا…
ثم قال:
“لكن ليس دائمًا عنكِ.”
خفضت نظرها.
لم تعرف ماذا تقول.
لحظة صمت مرّت بينهما.
ثم قال فجأة:
“تعالي.”
رفعت رأسها بدهشة.
“مولاي؟”
“هناك شيء أريدك أن تريه.”
كان من الغريب أن يأمرها بهذا الشكل الهادئ…
لكنها لم تستطع الرفض.
مشت خلفه عبر الممرات الطويلة.
مرّا عبر سلالم حجرية قديمة لم تدخلها من قبل.
ثم عبر باب خشبي كبير.
وما إن دخلت…
حتى توقفت.
حديقة.
لكن ليست كأي حديقة في القصر.
كانت مخفية خلف الجدران العالية.
الأشجار كثيفة، والزهور البرية تنمو بحرية.
الهواء كان مختلفًا هنا… هادئًا.
همست بدهشة:
“لم أعرف بوجود هذا المكان…”
قال أدريان وهو ينظر حوله:
“القليل فقط يعرفون.”
نظرت إليه.
“لماذا أريتني إياه؟”
ابتسم ابتسامة خفيفة… نادرة.
“لأنك تبدين وكأنك تحتاجين مكانًا تهربين إليه.”
لم تعرف ماذا تقول.
الكلمات علقت في حلقها.
مضت لحظات صامتة بينما النسيم يحرك أوراق الأشجار.
ثم جلست كلونا ببطء على الحافة الحجرية للنافورة الصغيرة.
“كنت خائفة.”
قالتها فجأة.
نظر إليها.
“من ماذا؟”
تنهدت.
“من أن يصدق الجميع أنني سرقت العقد.”
صمت للحظة… ثم جلس على الجانب الآخر من النافورة.
“لو كنتِ سرقته… لكنتُ أول من يعرف.”
رفعت حاجبيها بدهشة.
“كيف؟”
قال ببساطة:
“لأنك لا تعرفين كيف تخفين خوفك.”
ضحكت بخفة دون قصد.
كانت ضحكة صغيرة… لكنها حقيقية.
ولأول مرة منذ أيام، شعرت بشيء أخف في صدرها.
لكن بعد لحظة، اختفت الابتسامة قليلًا.
“سيدي…”
نظر إليها.
“من الأفضل ألا يراني أحد هنا معك.”
قالت ذلك بصراحة.
لم يغضب.
بل هز رأسه قليلًا.
“أعرف.”
ثم أضاف بهدوء:
“لكنني لا أرى المشكلة.”
نظرت إليه بسرعة.
“الناس يرونها.”
تلاقت أعينهما للحظة طويلة.
ثم قال بصوت أخفض:
“الناس يرون أشياء كثيرة… لا تعني أنها صحيحة.”
لم ترد.
قلبها بدأ يخفق بسرعة غريبة.
في تلك اللحظة، دخل أحد الخدم إلى الحديقة فجأة.
“مولاي! كنت أبحث عنك في كل—”
توقف عندما رأى كلونا.
الصمت سقط على المكان.
أدريان وقف فورًا.
“ما الأمر؟”
قال الخادم بتوتر:
“عربة الضيوف وصلت مبكرًا يا سيدي.”
عاد أدريان إلى ملامحه الرسمية فورًا.
قبل أن يغادر، نظر إلى كلونا مرة أخيرة.
وقال بهدوء:
“يمكنك البقاء هنا قليلًا.”
ثم خرج.
وبقيت كلونا وحدها في الحديقة المخفية.
وضعت يدها على صدرها.
قلبها لم يهدأ بعد.
كانت تعلم أن الاقتراب منه خطر…
لكن المشكلة بدأت تتضح الآن.
لم تعد متأكدة إن كانت تريد الابتعاد أصلًا.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"