كان يعاني من تسلط مدير فاشل لا يفقه شيئاً، وفي الوقت نفسه يشعر بالتهديد من زملائه الأكثر كفاءة الذين يلاحقونه في العمل ورغم أن فكرة الاستقالة كانت تراوده في كل لحظة، إلا أن ضغوط الواقع كانت تجبره على البقاء.
“آه…”
كان مجرد رب أسرة تقليدي، يواسي تعب يومه بوجبة لحم وخميرة وطنية، مستحضراً صورة عائلته ليمد نفسه بالقوة.
في شبابه، كان شاباً طموحاً يخوض مع أصدقائه تجارب شتى، لكن كل ذلك صار مجرد ذكريات؛ فصورة الرجل في المرآة الآن هي لشخص بدأ الصلع يغزو رأسه وظهر له كرش منتصف العمر.
دخل يوم سونغ هون منزله وهو يشعر بغرابة تجاه هذه الأفكار المفاجئة.
ورغم أسفه لقلة الحديث مع ابنته المراهقة، إلا أن زوجته وابنته كانتا تمثلان عالمه بأسره.
“عدت؟”
“أين جوهي؟”
“في غرفتها تستمع للموسيقى.”
“حقاً؟”
فكر في المرور بغرفة ابنته، لكنه قرر الاستحمام أولاً.
وعند خروجه، وجد ابنته بانتظاره في غرفة المعيشة.
“أبي.”
“نعم؟”
“هل تعرف هؤلاء الأشخاص؟”
“هؤلاء الأشخاص؟”
مدت الابنة يدها بعلبة قرص مدمج.
“إنه ألبوم؟”
“أمسكه بلطف!”
“ما الداعي لكل هذا الحرص؟ ومن هم الذين تسألين عنهم؟”
“الأسماء المكتوبة هنا.”
فتحت الابنة العلبة بحذر لتكشف عن كتيب صغير يحتوي على قائمة المساهمين.
“أوه؟”
بدت الأسماء المكتوبة غريبة ومفاجئة: إريك سكوت، يانكوس جرينوود، موسكوس… أليست هذه أسماء الأبطال الذين زينوا أيام شبابه؟ ورغم وجود أسماء لم يعرفها، إلا أن معظمهم كانوا موسيقيين أسطوريين.
في البداية، اعتقد أنهم مجرد أسماء وُضعت بدافع الاحترام، لكن الأمر بدا غير منطقي؛ فهي قائمة مساهمين رسمية.
‘هل استلهموا الألحان منهم؟’
فكر في مفهوم العينات الموسيقية رغم عدم استحضاره للمصطلح بدقة، لكن ابنته قطعت حبل أفكاره قائلة
“يقولون إن الموسيقيين الذين شاركوا في التلحين هم مشاهير قدامى جداً، لذا تملكني الفضول لأعرف إن كنت تعرفهم.”
“مشاركة في التلحين؟”
“نعم.”
“كيف؟”
لو كان اسماً واحداً، لكان الأمر ممكناً؛ فهو يعلم أن شركات فرق الأيدول الحالية تضخ أموالاً طائلة، وقد تتعاقد مع أسطورة واحدة.
لكن القائمة تضم ثمانية أسماء! أربعة منهم يعرفهم جيداً، وكانوا قد هزوا عرش الموسيقى الشعبية الأمريكية حين كان هو في العشرينيات من عمره، واثنان آخران سمع باسميهما مراراً.
“من هم ثلاثة أشهر ومئة يوم هؤلاء؟”
“أبي، أنت تعرفهم أيضاً أصحاب أغنية تحت ضوء الشارع.”
“آه، أولئك؟”
“أجل.”
“هل هم أبناء سياسيين؟ لا، السياسة لا تكفي لهذا هل هم أبناء عائلات ثرية؟”
كان هذا أقصى ما وصل إليه خياله المحدود، لكن لم تكن هناك حاجة للتخمين؛ فقد بدأت ابنته تشرح بحماس وهي ترى علامات الدهشة على وجه والدها.
أثناء استماعه، غرق يوم سونغ هون في ذهول جديد.
لكل شخص فترة شباب، ورغم كونه الآن رجلاً متوسط العمر بنظرات باهتة، إلا أنه كان يملك أياماً مشرقة.
لقد كان عضواً في فرقة موسيقية قبل التحاقه بالجيش؛ لم تكن مهنة بل هواية.
في ذلك الوقت، كانت الموسيقى الكورية دائماً في الظل، بينما كانت الفرق اليابانية تتصدر قائمة بيلبورد وتنشر موسيقى سيتي بوب المستوحاة من طوكيو، وهو ما كان يثير غبطته بشدة.
بعد الجيش، انغمس في العمل ثم الزواج، حتى نسي الموسيقى تماماً.
لكن رؤية أسماء أبطال شبابه أثارت فضوله.
“كيف يُسمع هذا؟ هل أستخدم الحاسوب؟”
سأل ذلك لعدم وجود مشغل أقراص في البيت، فذهبت ابنته وأحضرت واحداً من غرفتها.
“ما هذا؟”
“كان ضمن ملحقات الألبوم.”
“ملحقات؟”
“يُعطى مع الألبوم عند شرائه.”
“هذا؟ وكم سعر الألبوم؟”
“خمسة وثلاثون ألف وون.”
بدا السعر مرتفعاً لألبوم فقط، لكنه زهيد جداً إذا كان يتضمن مشغل أقراص.
ما لم يعرفه يوم سونغ هون هو أن النسخة العادية من الألبوم الأول لفرقة ثلاثة أشهر ومئة يوم كانت بـ 13,000 وون، وتحتوي على الكتيب والقرص وصورتين عشوائيتين وكتاب كلمات الأغاني.
أما النسخة المحدودة بـ 35,000 وون، فكانت تضم كل ذلك بالإضافة إلى صور حصرية ومشغل أقراص مدمجة.
لذا، تهافت الجميع على شراء النسخة المحدودة، حتى من غير المعجبين، طمعاً في الجهاز.
ورغم التوقعات الأولية بأنه سيكون جهازاً صينياً رخيصاً، إلا أن مقطع فيديو للفرقة وهي تفتح الألبوم بدد تلك المخاوف؛ فقد كان الجهاز بتصميم أنيق باللون الأزرق الداكن، ومن إنتاج شركة كورية محلية متوسطة مشهورة بجودة أجهزتها الصوتية.
تساءل الناس عما إذا كانت الفرقة تسعى للربح حقاً، لكن بالنسبة لـهان سي اون، كان هذا مشروعاً شخصياً يهدف لنشر مشغلات الأقراص في كل منزل كوري، وكأنها جزء من الرفاهية الوطنية.
بدأ يوم سونغ هون الاستماع للألبوم عبر الجهاز الذي أعطته إياه ابنته، وسرعان ما غمره التأثر.
كان يشعر بلمسات أبطاله في كل زاوية.
في المسار الأول، وبمجرد سماع صوت الجيتار المتلألئ في المقدمة، استلهم صورة ذلك الرجل ذو الشعر المجعد والسيجارة بين شفتيه: إريك سكوت.
الرجل الذي لا يغيب اسمه أبداً عن قوائم أفضل عازفي الجيتار في التاريخ، والذي ارتقى بالعزف المنفرد إلى مرتبة مقدسة.
ورغم أنه لابد وأن يكون الآن في الستينيات، إلا أن صورة إريك سكوت في مخيلة يوم سونغ هون ظلت ثابتة في سن الثلاثين.
لكن دهشته من الغناء الذي تلا ذلك لم تكن أقل من دهشته بالجيتار؛ فقد كانت مقدمة كو تاي هوان التي وصفت بأنها بلغت ذروة النضج في هذا الألبوم.
‘ما هذا؟’
في سنه، لم يكن يحمل تحيزاً ضد الأيدولز كمنتجات مصنعة، ببساطة لأنه لا يعرف تلك التفاصيل.
لكن تحيزه كان ضد مستوى الموسيقى الكورية ذاتها؛ فبينما كان ليد زيبلين يعزفون، لم تكن الموسيقى الكورية تتجاوز أصوات الكاريوكي. وبينما كان إريك سكوت يشل حركة ستاد ويمبلي بعزفه، كان العزف في كوريا مجرد ضبط للإيقاع.
[ ليد زيبلين هي فرقة روك عالمية أسطورية من السبعينيات، وستاد ويمبلي هو أحد أشهر الملاعب في لندن التي تقام فيها أضخم الحفلات الموسيقية في العالم هنا يقارن بين عظمة الموسيقى الغربية التي تربى عليها وبين ضعف الموسيقى الكورية في ذلك الوقت.]
بالطبع كان هذا رأياً شخصياً مشوباً ببعض الإجحاف، وربما نابعاً من تقديسه لذكريات شبابه.
لكن الواقع الجديد صدمه؛ فأسماء مثل إريك سكوت وموسكوس ويانكوس جرينوود لم تكن هي المحور، بل كانت مجرد أدوات تخدم الرؤية الموسيقية لفرقة ثلاثة أشهر ومئة يوم.
استمع للألبوم مراراً حتى وبخته زوجته ليخلد للنوم من أجل العمل في الغد.
وفي حلمه، عاد ابن العشرين عاماً واقفاً على خشبة المسرح.
في الصباح التالي، استعار الجهاز من ابنته واستمع للألبوم في المترو وهو ذاهب للعمل.
وعند وصوله للشركة، بدأ يتحدث عما حدث بالأمس، وسرعان ما أصابته دهشة أخرى.
“أنا كنت أفضل كيث ريتشاردز على إريك سكوت.”
“ألم يركب كيث ريتشاردز موجة شهرة فرقة رولينج ستونز فحسب؟”
“يا سيادة المدير، ما هذا الكلام؟ كيث ريتشاردز عبقري حقيقي.”
“ومع ذلك، يظل إريك سكوت هو سيد الجيتار بلا منازع.”
“أليس إريك كلابتون هو من جسد فلسفة العزف الهادئ؟”
“آه، لقد ذكرتني بالأيام الخوالي كنت أذهب إلى منطقة دونغ ميو، حيث توجد مقاهٍي تشغل أغاني قائمة بيلبورد من الأقراص ة…”
لم يكن يوم سونغ هون وحده من يتخذ موسيقيي ذلك العصر أيقونات له، بل كان زملاؤه في العمل من نفس الجيل يشاركونه ذات الشعور.
لقد ابتعد هؤلاء عن الحياة الثقافية لفترة طويلة، لكنهم لم ينسوا شغفهم، بل كان خامداً فحسب.
“يجب أن أسأل ابني عن هذا الألبوم.”
“يمكنك الاستماع إليه مباشرة عبر يوتيوب.”
“وكيف أفعل ذلك؟”
هكذا انتهت استراحة الغداء.
وفي اليوم التالي، لم يكتفِ المدير بالكلام، بل استمع فعلاً للألبوم، وبدأ يكيل له المديح دون توقف.
وبما أن طبيعة الحياة الوظيفية تقتضي السير على خطى الرؤساء ما لم يكن الأمر مكروهاً، فقد شهد يوم سونغ هون شراء العديد من زملائه للألبوم.
ورأى ملامح السعادة على وجوههم وهم يجدون موضوعاً مشتركاً يتحدثون فيه مع أبنائهم.
بالنسبة لـهان سي اون، لم يكن عظماء بيلبورد أشخاصاً استثنائيين؛ فقد التقى بهم وعمل معهم عدداً لا يحصى من المرات خلال تكرار حيواته السابقة.
لذا، كان إشراكهم في تلحين ألبوم ثلاثة أشهر ومئة يوم مجرد وسيلة لإثارة الضجة الإعلامية.
ففي الوقت الذي أُنتج فيه الألبوم، كانت الفرقة بحاجة إلى حدث ضخم يخترق جدار الضغوط التي فرضها تشوي داي هو.
لكن هؤلاء العظماء الذين اعتاد عليهم هان سي اون، كانوا يمثلون للآخرين شظايا من أكثر لحظات حياتهم إشراقاً.
لقد مكنهم الألبوم من رؤية ذلك الزمن الذي لا يعود، تماماً مثل السفر عبر الزمن الذي يظهر في عالم فرقة ثلاثة أشهر ومئة يوم.
بدأ الألبوم يباع بهدوء.
لم تكن هناك ضجة صاخبة في البداية، لأن جيل الأربعينيات إلى الستينات هم أناس يفعلون ولا يتكلمون.
لكن أفعالهم تُرجمت إلى أرقام قياسية؛ حيث بلغت مبيعات الأسبوع الأول 220 ألف نسخة.
وفي الأسبوع الثاني، لم تنخفض المبيعات بفضل موجة المراجعات الإيجابية من أساطير بيلبورد، بل تدفق المشترون المتأخرون محلياً وانفجرت طلبات الشراء الجماعية من الخارج.
سجلت مبيعات الأسبوع الثاني رقمًا مذهلاً بلغ 340 ألف نسخة.
ومن النادر جداً أن تتجاوز مبيعات الأسبوع الثاني مبيعات الأسبوع الأول .
ظن الناس أن مبيعات الأسبوع الثالث ستنخفض بشكل دراماتيكي، لكنهم كانوا واهمين.
فقد انضم المشترون الأجانب الذين تفاعلوا متأخرين مع الضجة، بالإضافة إلى القوة الشرائية الصامتة لجيل الأربعينيات والستينات، لتصل مبيعات الأسبوع الثالث إلى 220 ألف نسخة مجدداً.
وصل إجمالي المبيعات في ثلاث أسابيع إلى 780 ألف نسخة ورغم أن هذا الرقم لم يكن مذهلاً بالنسبة لـهان سي اون، إلا أن العناوين كانت تتحدث بلهجة مختلفة
[قوة الموسيقى الخالصة! الألبوم الأول لفرقة ثلاثة أشهر ومئة يوم، هل يتجاوز حاجز المليون نسخة؟]
[الألبوم الأول لفرقة ثلاثة أشهر ومئة يوم يترسخ كألبوم يستمع إليه الآباء مع أبنائهم.]
[موسيقى أبطال الذكريات تفتح محافظ الآباء.]
في هذه الأثناء، حصدت الفرقة المركز الأول في جميع البرامج الموسيقية للقنوات الرئيسية الثلاث.
ومع تطور الموقف، بدأت بعض شركات الإنتاج تتحرك بسرعة؛ فقد كانوا يؤمنون أن طريقة هان سي اون في استقطاب أساطير بيلبورد لم تكن بسبب الموسيقى الخالصة ، بل لابد من وجود صفقات سرية خلف الكواليس، إذ لا يسير هذا المجال بمثل هذه البراءة.
لكن شركات الإنتاج الكورية كانت مخطئة.
هؤلاء العظماء ليسوا أشخاصاً ساذجين بالفطرة، لكنهم جنوا من المال والشهرة ما يكفيهم، لدرجة جعلتهم لا يختارون إلا الموسيقى التي تروق لهم بصدق.
كانت إجابتهم بسيطة لمن حاول تقليد التجربة
[أرسلوا الموسيقى أولاً.]
لكن كل من أرسل موسيقاه لم يتلقَ أي رد، باستثناء رد وحيد من دونالد مكغس قال فيه ساخراً
[هذا اللحن أسوأ من الألحان التي كنت أؤلفها حين كنت في العاشرة من عمري!]
****
بغض النظر عن الكيفية التي يسير بها العالم، يجب على الموسيقيين أن يحافظوا على توازنهم.
أهم ما يحتاجه الفنان هو امتلاك حس بالواقع؛ فرغم أن موسيقانا تصدح في أرجاء كوريا الجنوبية للأسبوع الثالث على التوالي، إلا أنه لا ينبغي لنا أن نغترَّ بهذا النجاح.
فالموسيقى، بمجرد إصدارها، تكتسب حياة خاصة بها، ولا يمكن لأي جهد إضافي أن يزيد من جودتها بعد خروجها للنور.
هناك طريقة واحدة فقط لصناعة موسيقى أفضل: وهي البدء في صناعة الألبوم التالي.
بينما كنت غارقاً في هذه الأفكار، قطع المنتج كانغ سوكوو حبل افكاري؛ فقد كان هذا اجتماعاً لبرنامج Take Scene الترفيهي بعد أن تقرر تنسيقه النهائي أخيراً.
“سيكون موضوع البرنامج هذه المرة هو رحلة استرخاء وعروض شوارع أعتقد أننا سنذهب إلى إسبانيا.”
“نعم.”
“لكن هذا سيكون في الجزء الثاني، أما الجزء الأول فسيتم تصويره داخل البلاد.”
الجزء الأول؟
“يجب عليكم جمع نفقات السفر بأنفسكم هنا في البلاد وبناءً على المبلغ الذي ستجمعونه، ستتحدد طبيعة الرحلة؛ فإما أن تكون رحلة استرخاء فائقة الفخامة، أو رحلة مليئه ومعاناة.”
“هل تعني أننا سنجمع المال من خلال تنفيذ مهام معينة؟”
“كلا لن تحصلوا على أموال من محطة البث، بل يجب عليكم كسب المال فعلياً، مع إخفاء هويتكم كفرقة ثلاثة أشهر ومئة يوم، والاعتماد فقط على الموسيقى.”
التعليقات لهذا الفصل " 154"