جلس إيثان على الأرض الخشبية أمام امازاروس صامتًا بينما حدق باستريد. كان يعلم أن الإلف أكثر جمالًا من البشر… لكن حتى مقارنة بهم، كانت أستريد تبدو لامعة.
بفستانها الحريري و طبقات التُل الأخضر و الزهور التي تحيط بوجودها.
نظرت أستريد إليه و ابتسمت، ابتسم لها بدوره قبل أن يطلب مراده من امازاروس.
مضت أشهر و إيثان لا يزال يعيش بين الإلف و قربه من أستريد يزداد يومًا بعد يوم.
في احد الايام، جلس كلاهما بجوار الجدول و انزلا اقدامهما في الماء. سألته أستريد.
“أستعود لتحكم الإمبراطورية بعد أن تجيد سحرك؟”
أومأ إيثان.
“أجل… يبدو الأمر مملًا، صحيح؟”
ابتسمت أستريد و أومأت.
“كثيرًا… ربما يجب عليك البقاء هنا.”
ندى إيثان إليها و ابعد شعرها عن وجهها.
“أتمنى لو أستطيع، أستريد… حقًا.”
تحركت يده من شعرها إلى يدها التي اراحتها على الأرض.
“ربما يمكنكِ أنتِ المجيء معي.”
ابتسمت أستريد و اقتربت منه.
“ربما… و حينها، ساحكم الإمبراطورية افضل منك.”
ضحك إيثان و نقر جبهتها.
“كلا، لن تفعلي. لكنكِ ستكونين إمبراطورة جيدة.”
ثم تنهد و ابتعد عنها.
“سيقتلني والدكِ إن سمع ما قلته الآن.”
ضحكت بخفة و قالت.
“سيحاول على الأقل…”
أمسك إيثان بوجهها و قال.
“أتمنى فقط لو كنا نستطيع البقاء هكذا إلى الأبد…”
مرر إبهامه على خدها قبل أن يقول.
“أتريدين الزواج بي؟”
تجمدت أستريد و احمر وجهها بالكامل.
“م— ماذا؟!”
بالكاد خرجت الكلمة من شفتيها قبل أن تغطي وجهها بيديها.
ضحك إيثان و قال مداعبًا.
“اترفضين إذًا؟”
هزت أستريد رأسها بسرعة و قالت.
“كلا! أنا… أريد ذلك…”
خفت ضحك إيثان و حل مكانه ابتسامة صغيرة، قبل يدها و قال.
“أظن أنه يجب علي اخبار والدك إذن…”
أومأت بخفة بينما نظرت بعيدًا.
“أجل، يجدر بك ذلك…”
اتسعت ابتسامته و رمق الجدول مجددًا بهدوء دون أن يترك يدها.
ـــــــــــــــــ
قالت ماريان.
“هل… هل تزوجا بالفعل؟”
أومأ امازاروس.
“أجل… بعدها بعام. و لم يمضِ الكثير من الوقت حتى كانت أستريد حاملًا، لكنه لم تغادر الغابة لتعيش في الإمبراطورية.”
ليون، الذي كان لا يزال صامتًا طوال الوقت، قال و الفضول يملأ عينيه.
“لماذا؟”
نظر إليه امازاروس للحظة قبل أن يقول.
“لأن إيثان لم يكن قد صار الامبراطور بعد… حتى هو بقي هنا.”
قال كاريجيلوس.
“حتى أتى ذلك اليوم المشؤوم…”
رفع امازاروس يده.
“ذهب إيثان إلى الإمبراطورية ليجد عمه قد انقلب على والده… و قتل كلا من ازاريا و لويس…”
تجمد فيليكس، تلك الحقبة في تاريخ الإمبراطورية لطالما كانت مبهمة و لم يأت ذكر عائلة الامبراطور إلا مرة واحدة عندما قيل أنهم قتلوا على يد المنقلبين بينما كان إيريز أورڤين، والد الامبراطور الحالي، هو من انقذ الإمبراطورية.
قال فيليكس.
“إذن لم ينقلب الوزراء على الامبراطور؟ كيف علمتم هذا؟”
قال كاريجيلوس.
“لأن إيثان عاد. كان ينزف حينما دخل، أخبرنا أن عمه خان عائلته قبل أن يموت هو الآخر… ثم حصلت الفاجعة.”
نظرت ماريان إليه.
“أي فاجعة؟”
نظر كاريجيلوس بعيدًا قبل أن يهمس.
“الوباء.”
ـــــــــــــــــ
كانت أستريد تركض خلال الأشجار ممسكة ببطنها و فروع الأشجار تحفر جراحًا في جسدها.
حين وصلت أخيرًا، كان إيثان ملقىً على الأرض أمام كاريجيلوس، سقطت على الأرض و زحفت حتى كانت أمامه مدت يدًا مرتجفةً إليه، أمسك إيثان بها بضعف.
“أستريد…”
انحبست أنفاس أستريد و اختنق صوتها بالدموع.
“كلا، إيثان…”
ثم نظرت إلى كاريجيلوس و قالت باكية.
“لماذا… لماذا لا تعالجه؟”
نظر كاريجيلوس إلى يده.
“لا… لا استطيع… السحر لا يعالجه…”
هزت أستريد رأسها قبل أن تنظر إلى إيثان مجددًا، كان على شفا الموت، زادت دموعها.
“أرجوك… عزيزي، لا يمكنك تركي هكذا…”
كانت يدها ممسكة بوجهه و دموعها تتساقط عليه.
“ماذا عن طفلنا، إيثان؟”
همس إيثان بصوت مبحوح.
“أنا… آسف.”
لفظ الكلمة مع أنفاسه الأخيرة. اهتز جسده أستريد بالبكاء بينما احتضنت جسد زوجها الميت.
اقترب كاريجيلوس منها لكنها دفعت يده بعيدًا و قربت إيثان إليها.
فجأة، تصاعد دخان اسود من جثة إيثان، تجمدت أستريد بينما سحبها كاريجيلوس بعيدًا عن جسده.
“سحر أسود؟”
تصاعدت ألسنة من الدخان في الهواء قبل أن تنفجر منتشرة في كل مكان.
انتفض كاريجيلوس واقفًا قبل أن يسحب أستريد معه و يركض نحو منزلهم.
“لهذا لم يعمل السحر…”
لدى وصولهم، كان الأمر أكثر رعبًا مما تخيل كلاهما.
كان الجميع يقاتلون بعضهم البعض، بعضهم يتساقط سائل أسود لزج من اشداقهم بينما هاجموا الباقين.
تراجعت أستريد إلى الخلف مرتجفة. نظر كاريجيلوس إليها.
“أستريد… إلى أين أنتِ ذاهبة؟”
هاجمه أحد الإلف غريبي الشكل فدفعه بعيدًا بسحره و نظر إلى أستريد بعينين متسعتين.
هزت أستريد رأسها و الدموع تنهمر على وجنتيها.
“أنا اسفة…”
ازداد اتساع عيني كاريجيلوس حين رأى أخته تركض بعيدًا، لقد تخلت عنهم.
“أستريد!”
لكنها لم تنظر إليه حتى، و قبل أن يتاح له الوقت ليستوعب ذلك، ليفهم مشاعره هاجمه بعض الإلف المتأثرين بالسحر الأسود مجددًا.
حاربهم كاريجيلوس و قلبه يمتلئ حقدًا و ألمًا، لم يكن ليسامح أستريد قط.
ـــــــــــــــــ
ساد الصمت الغرفة حتى كسرته ماريان عيناها تتلألآن بالدموع.
“و ما الذي حصل؟”
قال كاريجيلوس.
“أبيد أغلب عرقنا و تدمرت مملكتنا…”
قالت إليريس بهدوء.
“و لا نعرف ما حدث لأستريد منذ ذلك الحين.”
جلست ماريان صامتة بينما اقترب فيليكس منها و أمسك بيدها.
قال كاريجيلوس ساخرًا.
“و أنتِ مثلهما تمامًا… جبانان هربا وقت الخطر.”
عبست ماريان قبل أن تقول غاضبة.
“جبانان؟! أتظن أنه كان من السهل عليهما أن يغادرا؟! أحدهما هرب ليرى زوجته و طفله مرة أخيرة قبل أن يموت و هي تخلت عن حياتها و كل ما ملكته لتنقذه! لم يهربا لأنهما جبانان بل لأنهما اختارا حماية اعز ما يملكان… حتى إن قتلهما ذلك. و قد فعل.”
قال كاريجيلوس.
“لقد تخلت عن عائلتها!”
صرخت ماريان.
“لتنقذ طفلها! لو كان ذلك طفلك، أما كنت لترغب لها بالهرب؟!”
تجمد كاريجيلوس لكنه لم يرد… لأنه كان يعرف الإجابة بالفعل.
لف فيليكس ذراعه حول ماريان و قربها إليه بصمت بينما مسحت هي دموعها.
اقترب ليون منها و ربت على شعرها قبل أن يعانقها أيضًا.
نظرت إليريس إلى والدها و قالت.
“ما الذي ستفعله بهم، أبي؟”
نظر امازاروس إلى ماريان،خلف عينيه العجوزتين شيء لم يستطع أحد فهمه، قال ببطء.
“سنخرجهم من الغابة فحسب…”
قال كاريجيلوس.
“لقد قلنا منذ ذلك اليوم أننا سنقتل أي بشري يدخل هنا!”
عبس امازاروس و قال.
“لكنها ليست بشرية… و من معها لم يقصدا المجيء هنا، لا بد أن سحرها هو ما قادهم.”
كاد كاريجيلوس يعترض مجددًا لكن امازاروس هز رأسه، كور كاريجيلوس قبضتيه و لم يقل شيئًا.
أخبر امازاروس إليريس.
“خذيهم إلى الخارج…”
أومأت إليريس بينما وقف ثلاثتهم، حين توجهت إليريس إلى الباب، تبعتها ماريان و ليون نظر فيليكس إلى امازاروس مرة أخيرة و أومأ.
“شكرًا لك.”
ثم رمى كاريجيلوس بنظرة كارهة قبل أن يتبعهم.
همس امازاروس لنفسه بمجرد أن اختفوا جميعًا خارج الباب.
“اعتني بنفسك، ابنة أستريد.”
ـــــــــــــــــ
حينما كانوا على أطراف الغابة، مروا بواحة أخرى، تهيأ لفيليكس أنه رأى امرأة تشبه ماريان في الماء، كان شعرها طويلًا و ترتدي فستانًا ابيض تزينه اللآلئ، تتحدث مع جنية حديقة، توقف هناك لينظر لكن إليريس نادته.
“ما المشكلة؟”
التفت فيليكس إليها قبل أن ينظر إلى الواحة مجددًا، لم يكن أحد هناك.
قال بهدوء.
“لا شيء.”
ثم تابع السير.
أخيرا، توقفت إليريس و قالت.
“يمكنكم المرور من هنا. و لا تعودوا مجددًا.”
نظرت ماريان إليها و لم تقل شيئًا، فقط عبرت خلال الجدار السحري و اختفت ممسكة بيد ليون.
رمق فيليكس إليريس قبل أن يتمتم.
“يالها من عائلة…”
عبر الجدار أيضًا و كان في الخارج، في غابة قريبة من ضيعة الكونت نويل.
نظر إلى الخلف فلم يجد أثرًا الغابة الإلف، تنهد و وقف بجوار ماريان التي كانت تحدق في الفراغ.
تهامست الأفكار في رأس ماريان، لم تكن عائلتها من البشر تريدها… أنقذت ديريك فاتضح أنه وحش… مات من اهتمت بهم… حتى الإلف لم يتقبلوها.
و الشخص الذي ظنت أنه عائلتها الوحيدة، يوجين، لم يكن أخاها حقًا و مع ذلك ضحى بحياته لأجلها.
امتلأت عيناها بالدموع مجددًا، لم يكن أحد يريدها، كانت منبوذة من كلا العالمين… وحيدة و مكروهة من الجميع.
فجأة، احتضنها فيليكس من الخلف، ذراعه تحيط بكتفيها، قبل ما تحت عينيها و همس.
“هذا ليس صحيحًا. أنا أريدك.”
أمسكت ماريان بذراعه بكلتا يديها و ار
تجفت بالبكاء، احتضن ليون رجلها و قال ببراءة.
“أنا أحبك أيضًا!”
ابتسمت ماريان بين دموعها و همست.
“شكرًا لكما.”
ربما كرهها العالمان، لكنهما لم يفعلا… و يوجين كذلك لم يفعل.
ملاحظة الكاتبة: كل عام و انتم جميعًا بخير، اتمنى لكم، و ماريان و فيليكس أيضا، عيدًا سعيدًا!
التعليقات لهذا الفصل " 37"