ليلة المهرجان، كان فيليكس يبدو متوترًا، طرق بقدمه على الأرض بنفاد صبر بينما وضع كفه على فمه.
ضحك ليوناردو بخفة و قال.
“اهدأ، فيليكس… ستأتيان قريبًا.”
تنهد فيليكس و مرر يده خلال شعره.
“أعرف… أنا فقط… لا شيء…”
ثم نظر إلى ليوناردو.
“ماذا عنك…؟ كلام سيدريك عنا…”
ابتسم ليوناردو بخفة.
“لا داعي للقلق…”
كاد فيليكس أن يقول شيئًا آخر حين خرجت جوليا، وقف ليوناردو بسرعةً متعثرًا بقدمه في طريقه.
احمرت وجنتاه و همس لجوليا.
“تبدين جيدة… الضفائر تليق بكِ.”
ابتسمت جوليا.
“ساعدتني ماريان…”
رد ليوناردو الابتسامة.
“يجب عليَّ شكرها، إذن…”
ثم أمسك بيدها و التفت إلى فيليكس.
“سنذهب أولًا، حسنًا؟”
ابتسم فيليكس ثم أومأ ناحية الباب.
“بالطبع، استمتعا.”
أومأ ليوناردو ثم توجه مع جوليا خارجًا.
جلس فيليكس على الكرسي ببطء واضعًا يده على جبهته.
تصارعت الأفكار في رأسه بينما شعر بقلبه ينقبض من فرط التوتر، عاد للطرق بقدمه على أرضية الغرفة بسرعة منتظرًا خروج ماريان.
بمجرد أن فتح الباب، التفتت رأسه نحو ماريان و شعر بالعالم كله يختفي للحظة.
كان ترتدي فستانًا ورديًا بسيطًا، لم يكن به أي تفاصيل على الإطلاق… حتى شعرها لم يتغير، كيف بدت بذلك الجمال دون أن تحاول؟ أن تكون أروع ما رأته عيناه كل مرة؟
ابتلع ريقه بصعوبة قبل أن يقف و يقول ببطء.
“احم، لقد… لقد تأخرتِ…”
ابتسمت ماريان بخجل.
“آسفة، كنت أساعد جوليا…”
هز فيليكس رأسه.
“ل–لا بأس.”
سعل و هو ينظر بعيدًا.
“حسنًا… أظن… يجب علينا الذهاب.”
أومأت ماريان و قالت.
“بالطبع.”
وقفت أمامه و حدقت به.
تلعثم فيليكس.
“ما-ما الأمر؟”
أمالت ماريان رأسها.
“ألن تستخدم سحر التنكر؟”
تجمد فيليكس للحظة و نظر إليها.
كان سيستخدم سحر التنكر عادة، ليتفادى نظرات الناس… لكي لا يشعر أنه وحش، كي لا يختنق بخوفه.
لكن في تلك اللحظة، لم يشعر بأنه يحتاج لذلك، لأنها لم تنظر له كأنه وحش.
و كان ذلك كل ما يهمه.
هز رأسه ببطء.
“كلا، يمكننا الذهاب هكذا.”
أمسك بيدها و مرر إبهامه على معصمها.
“لنذهب.”
تسارعت دقات قلب ماريان بخفة، أمسكت بيده و أومأت.
“حسنًا.”
ـــــــــــــــــ
كانت جوليا و ليوناردو يتجولان حين سمعا بعض الموسيقى.
ابتسمت جوليا و قالت.
“أيمكننا الذهاب هناك؟”
قال ليوناردو.
“لا داعي لذلك، سيرقصون فحسب…”
قالت جوليا.
“أجل؟ إذا لنذهب! سيكون ممتعًا!”
رد ليوناردو معترضًا.
“كلا، سيكون محرجًا!”
ضحكت جوليا و سحبته نحو الموسيقى.
“لا تقلق ليو، سينسى الناس ذلك مع حلول الصباح…”
تنهد ليوناردو قبل أن يسارع خطواته ليجاري سيرها المتحمس.
“يا إلهي، لا أريد فعل ذلك…”
نظرت جوليا إليه و قالت.
“إن فعلت ذلك، فسيلغي ذلك أي شك في ما قاله سيدريك.”
اتسعت عينا ليوناردو و تلألأ الأمل فيهما.
“حسنًا، حسنًا… لكن مرة واحدة.”
ضحكت جوليا مجددًا ثم اتجهت به لمنتصف الساحة، نظرت جوليا حولها، لم يكن الناس يرقصون كالنبلاء بل كان رقصًا أكثر حيوية و حركة، أمسكت بيد ليوناردو و بدأت تقلد الحركات التي فعلها الآخرون بينما تبعها ليوناردو خجلًا في البداية.
تعالت الموسيقى بينما رقص الاثنان مع بقية الناس في المهرجان، بدأ خجل ليوناردو بالانحسار شيئًا فشيئًا و بدأ يجاري حركات جوليا.
ضحكت جوليا.
“أليس هذا ممتعًا؟”
ابتسم ليوناردو محدقًا بها.
“أجل، إنه كذلك…”
ارتطم شخص ما بجوليا أثناء الرقص فأمسك ليوناردو بيدها و جذبها إليه.
“لأنكِ هنا.”
ابتسمت جوليا و همست.
“هذا لا يناسبك.”
ضحك ليوناردو بخفة.
“أعرف… لكن كان يجب علي المحاولة.”
اتسعت ابتسامة جوليا.
“شكرًا لك…”
قبل ليوناردو يدها.
“لا داعي لشكري، جولي.”
بعد أن انهيا الرقص، ابتعدا عن الحشود قليلًا و همس ليوناردو لها متسائلًا.
في ذات الوقت، كان آرثر و إيلاني يستعدان للعشاء مع العائلة الإمبراطورية.
كان آرثر منتظرًا بخارج غرفتها حين نادت إيلاني فجأة.
“آرثر، تعالَ للحظة.”
دخل آرثر إلى الغرفة ليجد إيلاني ممسكة بقلادتين.
“أيهما أفضل؟”
نظر آرثر إلى الخادمات حول الغرفة قبل أن يخبر إيلاني.
“كان يمكنكِ سؤالهن.”
ابتسمت إيلاني.
“أعلم لكني أردت رأيك.”
أشار آرثر إلى العقد الأزرق.
“يعجبني هذا.”
قالت إيلاني.
“حسنًا، شكرًا لك، آرثر.”
قال آرثر.
“لا بأس… أتريدين مساعدة؟”
ابتسمت إيلاني مجددًا.
“أجل…”
أمسك آرثر بالقلادة ثم وضعها على رقبة إيلاني.
همس لها.
“تبدين رائعة… هيا، سنتأخر.”
أومأت إيلاني و قالت مترددة.
“أجل…”
أستشعر آرثر ترددها فسأل.
“ما المشكلة، إيلاني؟”
تنهدت إيلاني.
“لا شيء… لا أحب البقاء مع سيدريك فحسب.”
ابتسم آرثر و ضغط على يدها.
“هيا، سنكون بخير… فنحن دومًا ما نفعل.”
ابتسمت إيلاني و أومأت.
“حسنًا، لنذهب…”
حين دخل كلاهما غرفة الطعام، كان الامبراطور، غلوريا، سيدريك و كاثرين هناك بالفعل.
انحنى كلاهما إلى الامبراطور، قال آرثر.
“تحياتي، سموك.”
ابتسم ثيودور و قال.
“ارفعا رأسيكما، تفضلا بالجلوس.”
أومأ آرثر.
“شكرًا لك، جلالتك.”
سحب آرثر الكرسي لإيلاني قبل أن يجلس بجوارها بهدوء.
قال الامبراطور.
“كيف حالك، سيد نويل؟”
قال آرثر.
“أنا بخير، جلالتك. أتمنى أن تكون حالتك الصحية قد تحسنت.”
ابتسم الامبراطور و أومأ.
“إنها تتحسن لحسن حظي.”
تتابعت الأحاديث بين آرثر و الامبراطور بينما تحدثت غلوريا مع كاثرين و إيلاني.
جلس سيدريك يحدق بهم جميعًا بينما يتناول طعامه و عينا فارغتان، لم يتحدث مع أحد أو يفعل أي شيء حتى التفت إلى أحد الخدم.
“احضر بعض الماء.”
أومأ الخادم ثم صب له ماءً.
أخذ سيدريك رشفة منه محدقًا بالامبراطور قبل أن يقف و يطرق الكوب بظهر شوكته.
ابتسم برأسه مائلًا و قال.
“هل لي بانتباهكم للحظة؟”
تجمد جميع من بالغرفة و نظروا إليه.
قال الامبراطور عابسًا.
“سيدريك، هذا وقح—”
فرقع سيدريك بأصابعه فصمت الامبراطور، قال سيدريك ببرود.
“اخرس.”
سرت الرعشة في جسد كل من بالغرفة، حتى كاثرين.
حرك سيدريك يده فانغلقت كل الأبواب، أخذ رشفة أخرى من الكوب قبل أن يضعه على الطاولة.
“انتم كثيروا الكلام، أغبياء و مزعجون.”
انحنى لهم بخفة.
“مرحبًا بكم في اللعبة.”
وقف آرثر بقوة مسقطًا كرسيه خلفه.
“ما الذي تفعله، سيدريك؟”
لوح سيدريك ناحيته فجلس آرثر مجددًا، حاول الحراك لكنه لم يستطع.
نظر إلى سيدريك بعينين واسعتين، ربما من الخوف أو المفاجأة.
ضحك سيدريك بصوت عالٍ.
“لا داعي للقلق، لن اقتلكم… ليس بعد.”
وضع يده على كتف كاثرين و قال.
“لكن كاثي هنا لديها عرض صغير من أجل ضيوفنا الاعزاء.”
وقفت كاثرين و نظرت لهم جميعًا قبل أن تبدأ باستخدام سحرها، حاول الجميع مقاومته بدون فائدة، بعد عدة دقائق، كانوا كلهم ثابتين، سعلت كاثرين دمًا لكن سيدريك لم ينظر إليها.
كانت ابتسامته واسعة و عيناه تشعان جنونًا.
“الآن، جميعكم دمىً في لعبتي، أليس هذا رائعا؟!”
ضحك ثم نظر إلى آرثر.
“أنت و إيلاني، وافق الامبراطور على خطبتكما.”
ثم نظر إلى الامبراطور.
“أما أنت فستمرض مجددًا، لا أحد يحتاجك هنا.”
رفع ذراعه مشيرًا إلى كاثرين التي اقتربت منه، قبل شعرها قبل أن يهمس.
“و الأفضل انكم لن تتذكروا أيًا من هذا.”
فرقع أصابعه مجددًا و بدأ كما لو أن كل شيء عاد إلى طبيعته.
عاد الجميع إلى الحديث بينما ابتسم سيدريك ممسكًا بكوبه، كم كان ذلك مثيرًا.
كان فيليكس قد أخذ ماريان لمكان مرتفع ليتمكنا من رؤية المهرجان بأكمله.
حين وصلا هناك، كان وجه ماريان أحمر من هواء الليل و كذلك كان شعرها مبعثرًا قليلًا، ابتسم فيليكس و حاول تعديل شعرها.
ضحكت ماريان بخفة.
“شكرًا لك، فيليكس…”
قال فيليكس.
“من دواعي سروري ماريان.”
حدق كلاهما بالقرية و انعكست ألوان الاضواء على وجهيهما.
قالت ماريان.
“يجب عليك أن تحاول رسم هذا المنظر مرة…”
أومأ فيليكس.
“ربما…”
ساد الصمت بينهما قبل أن يقول فيليكس بهدوء.
“أتعلمين شيئًا، ماريان؟ لا أظن أني أستطيع رسمه…”
نظرت ماريان إليه و قالت.
“لما لا؟”
نظر فيليكس إليها.
“منذ أول مرة رسمتكِ على ذلك التل و أنا أفشل في رسم أي شيء آخر… كلما حاولت بدأ لوحة جديدة، ينتهي بي الأمر بالعودة إليكِ…”
تجمدت ماريان بينما تابع فيليكس.
“أرسم ابتسامتك عندما تسعدين، دموعكِ حين تأتين إليَّ، الطريقة التي ينسدل بها شعركِ أثناء قراءتكِ لكتاب، عيناكِ حينما تنظرين إلى الأشياء التي تحبينها… و حين تنظرين إليَّ.”
اقترب منها قليلًا و وضع كفه على خدها.
“كأنكِ استوليتِ على لوحاتي كما استوليتِ على أفكاري… ربما لم أدرك ذلك منذ البداية، لكن خواءً في روحي لم يملأ حتى أتيتِ أنتِ.”
مرر عينيه على وجهها، جميلة، لطيفة و مأخوذة بالمفاجأة.
“أحبكِ ماريان… و أعلم أني سأفعل حتى نفنى جميعًا…”
حدقت ماريان بها و شفتاها منفرجتان قليلًا، لم تكن تصدق ما تسمعه… كانت نبرته هادئة و واثقة على الرغم من ضعف و قلق النظرة في عينيه.
لم يكن هناك حواجز بينهما بعد تلك اللحظة، لقد ألقى كل ما بداخله أمامها… و كأنه أعطاها إحدى النجوم.
همست ماريان و صوتها بالكاد يخرج.
“فيليكس… حقًا؟”
نظر فيليكس إليها ثم تحركت يده من خدها إلى إحدى يديها و رفعها إلى شفتيه.
أخذ أحد أصابعها و عضها بخفة، بمجرد أن نزف إصبعها على أسنانه، بدا كما لو أن المكان حولهما أشرق.
بدأت ملامح مصاصي الدماء تغادر فيليكس شيئًا فشيئًا، فانيابه التي عضتها لتوها صارت أسنانا طبيعية، عاد اللون إلى وجهه طاردًا للشحوب.
تجمدت ماريان في مكانها و امتلأت عيناها بالدموع قبل أن تنظر إلى عينيه.
بمجرد أن رأتهما، غرقت في البكاء.
اختفى اللون الأحمر الذي طالما كرهه فيليكس و حل مكانه عينان كالمحيط عمقًا و لونًا، كما كانت عينا والدته.
احتضنته ماريان، و سرعان ما احاطتها ذراعاه. همست ماريان بين دموعها.
“يا إلهي، فيليكس… أحبك أيضًا… أكثر مما يمكنني وصفه بالكلمات.”
أمسكت إحدى يديَّ فيليكس برأسها.
“لا بأس… لنبقَ هكذا فحسب، ماري.”
اشتدت ذراعا ماريان حول رقبته، كانت السعادة تغمرها لدرجة أنها لم تستطع التوقف عن البكاء… سعادة لم تعرف أن لها مثيلًا قط.
“أحبك، فيليكس.”
ابتسم فيليكس و قبل خدها.
“أحبكِ أيضًا…”
ضحكت ماريان بين دموعها.
“أعرف… لكني سأذكرك بذلك كثيرًا.”
اتسعت ابتسامة
فيليكس.
“أتحرق شوقًا لذلك. أيؤلمكِ إصبعكِ؟”
هزت ماريان رأسها.
“كلا…”
همس فيليكس.
“جيد.”
تحت سماء امتلأت بالنجوم، علِم فيليكس و ماريان أن أحدهما لم يكون وحده بعد الآن.
بل سويًا، في الضراء قبل السراء، كانا معًا.
ملاحظة الكاتبة: حسنا، هذا الفصل أحد فصولي المفضله… بعد معاناة استمرت لأشهر و لاثنين و ثلاثين فصلًا، اخيرا اعترف فيليكس لماريان و هذه من أفضل اللقطات التي كتبتها لدرجة أني لم أصدق أني كنت من كتب هذا، اتمنى أن يعجبكم الفصل🥹
التعليقات لهذا الفصل " 33"