في ضيعة الكونت، كان آرثر جالسًا على قمة تل صغير ممسكًا بالتميمة التي اشتراها لإيلاني… اقترب عيد ميلادها، قبل آرثر التميمة و تنهد.
“ما الذي يجب علي قوله؟”
كان الأمر معقدًا بالنسبة له، أراد أن يخبرها بالكثير من الأشياء لكنه لم يكن قادرا على وضعها بالكلمات، أخبره والده أن يخطط ما يريد قوله لكن هذا لم يعمل له أيضًا… كل شيء بدا مبتذلًا بالنسبة له.
ارتمى على ظهره و تذمر.
“سحقًا! لما هذا صعب للغاية؟!”
فكر أن يسأل فيليكس أو ليوناردو لكنه تذكر أن أيا منهما لم يفعل ذلك قبلًا… كانا عديمي الفائدة مثله تمامًا.
صفر آرثر و أتاه حصانه، امتطى ظهر الحصان و عاد إلى منزله.
خلع معطفه فالتقطه أحد الخدم بينما توجه هو إلى غرفته و القى بنفسه على السرير، وجهه مدفون بين الأغطية.
“أنا أكره هذا…”
دخل شخص الغرفة دون أن يطرق فقال آرثر.
“ما الأمر، أمي؟”
كانت والدته، كلارا نويل، امرأة جميلة في منتصف عمرها بعينين بنيتين واسعتين و شعر اسود مجعد طويل. ابتسمت و قالت.
“أتت دعوة عيد ميلاد الأميرة، ظننت أنك ستكون سعيدًا بها.”
جلس آرثر فورًا و أخذ الدعوة من يدها.
“شكرًا، أمي.”
ضحكت كلارا و قالت.
“أفكرت فيما ستقوله، عزيزي؟”
هز آرثر رأسه.
“كلا، الأمر… مزعج.”
جلست كلارا بجانبه.
“يجب عليك فقط ما تفكر فيه.”
ابتسم آرثر بسخرية.
“اجل، و هذه هي المشكلة… انا لا افكر في شيء.”
هزت كلارا رأسها ثم قالت.
“كما تشاء، آر… لا تنس أن تأخذ الصندوق من والدك.”
تحولت ابتسامة آرثر إلى شيء أكثر نعومة.
“سأفعل…”
رحلت كلارا، تاركة إياه يحدق في الدعوة. همس آرثر.
“إيلاني…”
ـــــــــــــــــ
ذهب آرثر إلى مكتب والده و قال.
“أبي، أريد الصندوق.”
نظر إليه والده، رونان نويل، بعينيه الزرقاوين و قال بابتسامة.
“من الجيد أنك أتيت، آرثر. يمكنك أخذ الصندوق بعد أن تنهي هذه الأوراق.”
كان رونان قد وقف بالفعل و مرر يده خلال شعره الاحمر الذي بدأ الشيب يظهر عليه. قال آرثر.
“أوراق…؟ أبي، لا يمكنك أن تفعل بي هذا كل مرة أحضر فيها إلى مكتبك!”
ضحك رونان.
“لما لا؟ أنت الوريث و يجب أن تتعلم على أية حال، صحيح؟ و والدتك طلبت مني الخروج معها، لذا هذا عملك الآن.”
كاد آرثر أن يعترض لكن رونان كان قد خرج من الباب بالفعل.
“الصندوق في الدرج الثاني.”
ثم اغلق الباب خلفه.
تنهد آرثر و جلس إلى المكتب و بدأ بالعمل… تبا لوالده و أفعاله الطفولية تلك.*
في منتصف العاصمة، و تحديدا القصر الامبراطوري، كان ليوناردو يتشاجر مع غلوريا.
“لا اهتم، أمي! قلت أني لن أكمل الخطوبة مع ريبيكا!”
كانت ريبيكا تبكي في زاوية الغرفة، لكن ليوناردو لم ينظر إليها حتى.
“تريدين أن تخطبيني لنبيلة من مملكتك لهذا الحد؟ حسنا! لكن واحدة استطيع الكلام معها على الأقل! ليس طفلة على هيئة امرأة!”
قالت غلوريا.
“لا يمكنك أن تفعل ذلك، ليوناردو.”
قال ليوناردو.
“جربيني! اريدها أن تغادر قبل حفل عيد ميلاد إيلاني، أو اقسم اني ساطردها بنفسي! لا اهتم للدبلوماسية و لا اي من هذا الهراء، حسنًا؟!”
قالت غلوريا.
“أنت… أنت عار على لقبك!”
على رغم وصول كلماتها إلى قلبه، و الألم الذي شعر به، إلا أن ليوناردو همس بسخرية.
“أجل، لطالما كنت كذلك بالنسبة لكِ، أمي.”
ثم فتح الباب و قال ببرود.
“هذه آخر مرة سنجري بها هذه المحادثة.”
اغلق الباب في عقبه بعد أن غادر… بمجرد أن أبتعد عن غرفة والدته قليلًا حتى استند إلى الجدار و تنفس الصعداء… يا إلهي كم كان ذلك مخيفًا.
لم يكن معتادا على الشجار مع والدته… أو رفض ما تمليه عليه عامة… لكنه كان يتغير… كان يحتاج لذلك… حتى إن كان مخيفا و مؤلمًا… أن يرى الغضب في عينيها. همس لنفسه.
“لا تخدع نفسك… لطالما نظرت إليك هكذا…”
نظر حوله ليتأكد أن لا أحد هناك ثم استقام في وقفته و عدل معطفه، لقد تخلص من ريبيكا… الآن يمكنه أن يركز على عيد ميلاد أخته و عمله.
ـــــــــــــــــ
دخلت إيلاني إلى مكتبه بابتسامة.
“أرسلت جميع الدعوات بالفعل…”
ابتسم ليوناردو و قال.
“هذا جيد…”
جلست إيلاني بجواره و قالت.
“ما الذي حصل مع والدتي و ريبيكا؟”
تنهد ليوناردو و احتضنها.
“كان كل شيء بخير… لا داعي للقلق.”
قبل رأسها ثم قال.
“الآن يجب علينا التركيز على عيد ميلادك…”
ابتسمت إيلاني و قالت.
“ماذا عن تأتي معي الليلة لاختيار فستان؟”
تركها ليوناردو و قال فورًا.
“كلا.”
ضحكت إيلاني.
“لما لا؟”
قال ليوناردو.
“آخر مرة حاولت فيها مساعدتك في اختيار فستانك ظللنا مع الخياطة لأربع ساعات متتالية و أنا أشعر بالملل و الإرهاق من مجرد الفكرة.”
ادارات إيلاني عينيها.
“أنت مزعج… حسنًا إذا، لا تساعدني، ليو.”
ثم وقفت و قالت.
“سأذهب الآن، حظًا جيدًا مع عملك.”
ابتسم ليوناردو.
“حظًا جيدًا مع الفستان، إيلا.”
ابتسمت إيلاني و توجهت خارجًا.
نظر ليوناردو إلى الباب ثم انحنى على الأريكة، كان كل شيء هادئا لمرة منذ موت يوجين… كان الأمر أسهل.
ـــــــــــــــــ
في طريقها إلى غرفتها، صادفت إيلاني سيدريك.
ابتسم سيدريك لها.
“مساء الخير، أختي.”
توقفت إيلاني و نظرت إليه بحذر.
“مساء الخير، سيدريك.”
أمال سيدريك رأسه و نظر إليها بعينين باردتين كالجليد رغم ابتسامته.
“تبدين لطيفة…”
قالت إيلاني.
“شكرًا لك، سيدريك… تبدو جيدًا بدورك…”
قال سيدريك و هو يمسك بخصلة من شعرها.
“تستعدين لعيد ميلادكِ، أليس كذلك؟”
أبعدت إيلاني يده عن شعرها و أومأت.
“أجل، يجب عليَّ الذهاب.”
قال سيدريك و الابتسامة لا تفارق وجهه.
“بالطبع، أراكِ لاحقًا.”
ابتعدت إيلاني عنه بينما تابع سيدريك التحديق بها و يداه في جيبه، كانت إيلاني تشعر بنظراته و ارتجف جسدها… لطالما شعرت بالخوف في وجوده.
كانت نظرات سيدريك هادئة حين تابع جسد إيلاني مبتعدًا، همس و ابتسامة مرعبة ترتسم على وجهه.
“فلتستمتعي بوقتك للآن، إيلاني.”
بمجرد أن ابتعدت إيلاني حتى بدأت أنفاسها تنقطع… مرعب، هذا كل ما استطاعت وصفه به منذ كان طفلًا… بعينيه اللتان لا تشعران و ابتسامتة الغريبة… هزت رأسها بينما حاولت التغلب على الخوف الذي غزا جسدها.
كانت ماريان جالسة مع ديريك في المكتبة، أعطاها ديريك كتابًا و قال.
“لم أكن أعلم أنك مهتمة بتاريخ الدوقية.”
ابتسمت ماريان.
“أنا أقرأ كثيرا على أي حال، لذا ظننت أن أقرأ شيئًا مفيدًا… بالإضافة إلى أن مؤرخي الدوقية موهوبون حقًا، إن الأمر أشبه بقراءة قصة طويلة… لقد ساعد هذا في معرفة كيفية فك اللعنة…”
كان تعبيرها ناعمًا ثم قالت.
“أي شيء يساعد فيليكس… يسعدني أن أقوم به…”
ابتسم ديريك.
“أنتما صديقان جيدان، أليس كذلك؟”
نظرت ماريان إليه للحظة… أجل، كانا صديقين… صحيح؟ أومأت ثم قالت.
“نعم… نحن كذلك… إن فيليكس شخصٌ رائع حقا…”
قال ديريك.
“أجل، انا فخور حقًا به… لقد قام بعمل جيد حتى و هو وحده.”
ضحكت ماريان.
“أنت تشبهه كثيرًا…”
اتسعت ابتسامة ديريك قليلًا و قال.
“أظن أنه يشبه والدته أكثر… كانت ستحبك كثيرا.”
خفتت ابتسامة ماريان و قالت.
“أتمنى ذلك…”
فجأة دخل فيليكس إلى المكتبة مبتسمًا.
“لقد وصلت دعوات عيد ميلاد إيلاني.”
ابتسمت ماريان و وقفت.
” حقًا؟ أأحضرت هدية؟”
هز فيليكس رأسه.
“كلا، ظننت أنه يمكننا الذهاب لشراء الهدايا سويًا.”
أومأت ماريان.
“أجل، يبدو جيدًا…”
نظر فيليكس إلى والده.
“أتريد المجيء معنا، أبي؟”
هز ديريك رأسه و قال بابتسامة.
“كلا، يمكنكما الذهاب… سآتي معكما إلى الحفل.”
قال فيليكس.
“حسنًا إذًا…”
بينما قالت ماريان.
“أراك لاحقًا، أيها الدوق.”
لوح ديريك لها.
“أراكِ لاحقًا، ماريان.”
حين غادرت الغرفة مع فيليكس، قالت ماريان.
“لقد أعطاني كتابا آخر قد كتبه هو! أحب البقاء مع والدك!”
ضحك فيليكس بخفه.
“لاحظت ذلك… صرتِ تجلسين معه أكثر مني…”
ضحكت ماريان هي الأخرى و قالت بينما توجها خارجًا.
“كلا! لا أفعل!”
هز فيليكس رأسه و قال.
“لنذهب فحسب، يجب أن نشتري شيئًا…”
ـــــــــــــــــ
اخذها فيليكس إلى محل فساتين و مجوهرات. سألته ماريان.
“أستشتري لها فستانًا.”
هز فيليكس رأسه.
“كلا، مجوهرات… إيلاني تحب الأشياء الغالية و اللامعة.”
ابتسمت ماريان و نظرت حولها.
“لا أظن أن شيئًا هنا سيعجبها…”
نظر فيليكس إليها و قال.
“حقًا؟”
أومأت ماريان و قالت.
“يجدر به أن يكون مميزًا، صحيح؟ الكثيرون سيشترون لها مجوهرات…”
أمال فيليكس رأسه قليلًا.
“أجل… ربما…”
ضحكت ماريان قليلا.
“أنت سيء في اختيار الهدايا… هل أخبرك أحد بهذا قبلًا؟”
ابتسم فيليكس و احمر وجهه قليلًا.
“أجل… ليوناردو، آرثر، يوجين، إيلاني و جوزيف… حتى السير أدريان أخبرني بهذا عندما ذهبت لزيارته في المشفى عندما كنت طفلا! و الآن أنتِ أيضًا…”
ابتسمت ماريان و قالت.
“لا بأس، يمكننا الذهاب إلى مكان آخر… سأختار شيئًا جيدًا…”
أومأ فيليكس و سار خلفها لكنه توقف فجأة لدى قلادة فضية… كانت القلادة مصنوعة بشكل جيد، تبدو كجذع شجرة فضي… و تفرع منها ثلاثة أفرع ينتهي كل منهم بزمردة لامعة. حدق بها فيليكس قبل أن يهمس.
“أتعجبكِ هذه؟”
نظرت ماريان إلى القلادة… كان هناك شيء جذبها بشدة فيها. قالت.
“أجل… لكنها لا تناسب إيلاني.”
حول فيليكس نظره إليها و قال ببساطة.
“إنها ليست لها…”
رفعت ماريان نظرها إليه و التقت اعينهما، تسارعت دقات قلبها قليلًا ثم نظرت إلى القلادة و الحرارة تعلو في جسدها. تمتمت.
“إنها… تعجبني…”
ابتسم فيليكس.
“يمكنني شراؤها… إن كنتِ تريدين مني ذلك، بالطبع…”
حدقت ماريان في القلادة، بعد لحظات من التردد أومأت.
“إنها… جميلة…”
كان من الغريب أن تطلب هدية من فيليكس… لكنها ارادتها بشدة… و ربما… لم يكن هناك بأس بأن تطلب شيئا منه…
حين أعطاها فيليكس القلادة، ابتسمت بسعادة.
“شكرًا لك، فيليكس!”
نظر فيليكس إليها… إلى الطريقة التي أشرق بها وجهها، شعر بقلبه يمتلئ مجددًا… ابتسم و همس بينما فتح لها الباب.
“من دواعي سروري، ماريان.”
سؤال من الكاتبة: ما الذي تظنون أنه يوجد في الصندوق الذي طلبه آرثر؟
التعليقات لهذا الفصل " 24"