في قصر الدوق، كان فيليكس يبحث عن ماريان، دخل المكتبة ليجدها تقرأ كتابًا هناك.
كانت جالسة لدى الشباك، فستانها الأبيض ينساب أسفلها، شعرها مرفوع إلى الأعلى في ربطة واحدة، تلألأت القلادة على بشرتها بنعومة، أضاءت أشعة الشمس حولها، جاعلة ماريان تبدو كجنية من قصة خيالية بينما ركزت هي في الكتاب الذي في يدها. ابتسم فيليكس برقة و وقف هناك يتأملها للحظات قبل أن يقترب منها و يهمس.
“أتناولتِ إفطارك، ماريان؟”
نظرت ماريان إليه و عيناها تلمعان بضوء الشمس، أجابت بابتسامة.
“فعلت. ماذا عنك؟”
أومأ فيليكس و قال.
“تناولته أيضًا… أين وجدتِ هذا الكتاب؟ يبدو غريبًا.”
احمر وجه ماريان.
“حسنًا، لقد كنت… ابحث في الكتب المتعلقة بتاريخ عائلتك و لكني أسقطت بعضًا من الكتب في الارفف العلوية، صعدت هناك لأعيد الكتب إلى مكانها… بدا كما لو أن الخدم لم ينظفوا هناك لمدة طويلة، لذا حاولت تنظيف الرف قبل أن أعيد الكتب إليه… لكن ملمسًا غريبًا كان موجودًا في جزء من الخشب، بدا كما لو كان مجوفًا، لم أكن أريد التطفل و لكن فضولي غلبني… حاولت فتح ذلك الجزء و نجحت… كان ذلك الكتاب هناك، لكنه مكتوب بلغة لا استطيع قراءتها…”
كانت تشعر ببعض الخجل من التسبب في فوضى و البحث خلال المكتبة بذلك الشكل، لكن لم يبدُ أن فيليكس يبالي. أخذ الكتاب من يدها و تأمله قبل أن يقول.
“فقط العائلة الامبراطورية تعرف كيف تقرأ هذه اللغة… يمكنكِ إرسال رسالة إلى ليوناردو أو إيلاني… لكني أظن أن ليوناردو سيعرف أكثر عن الأمر.”
أومأت ماريان بابتسامة.
“سارسل له رسالة…”
ابتسم فيليكس و مرر يده خلال شعرها.
“أتمانعين إن بقيت هنا؟”
هزت ماريان رأسها.
“مطلقًا…”
ثم همست بابتسامة صغيرة بداخل الكتاب.
“إنه منزلك على أي حال.”
ضحك فيليكس و جلس أمامها ثم قال.
“إنه منزلك أيضًا، ماريان.”
ازدادت حمرة وجه ماريان و اشاحت بنظرها بعيدًا.
“شكرًا لك، فيليكس…”
ابتسم فيليكس.
“من دواعي سروري.”
جلس فيليكس هناك بينما كتبت ماريان رسالتها إلى ليوناردو، و كل ما استطاع التفكير فيه كان أنها بدت كحورية… واحدةٌ كان سيلقي بنفسه في البحر لأجلها.
بعد عدة أيام، وصلت رسالة ماريان إلى ليوناردو. فتح ليوناردو الرسالة، كانت ماريان قد أرسلت له بعض الكلمات من الكتاب الذي وجدته و طلبت منه أن يخبرها كيف تقرأها. نظر ليوناردو إلى الورقة بين يديه حين طرق أحد الباب. قال ليوناردو.
” تفضل.”
دخلت آيرين إلى الغرفة و انحنت.
“صباح الخير، سموك.”
ابتسم ليوناردو.
“صباح الخير، آيرين. ما الأمر؟”
قالت آيرين.
“أريد أن أستقيل.”
وقف ليوناردو فورًا و قال.
“ماذا؟ لماذا؟ أتحتاجين إلى المزيد من المال؟ ترقية؟”
كان يريد ابقائها تحت ناظريه، ليحميها، من أجل يوجين. لكن آيرين هزت رأسها.
“ليس أيا من ذلك… لكن يجب علي الإستقالة.”
قال ليوناردو.
“آيرين، رجاءً–”
لكن آيرين قالت.
“من فضلك، سموك.”
ثم انخفض صوتها أكثر.
“أرجوك…”
نظر ليوناردو إليها ثم تنهد.
“حسنًا… أخبري يو– قائدكِ أنني وافقت، سيقوم هو بالباقي.”
أومأت آيرين.
“شكرًا لك.”
ثم توجهت خارجًا و أغلقت الباب خلفها.
تنهد ليوناردو و نظر إلى رسالة ماريان مجددًا و بدأ بكتابة رده.
حينما انتهى من الكتابة، أرفق مع الرسالة كتابًا صغيرًا و أرسلها.
حين وصلت الرسالة و الكتاب إلى ماريان، بدأت فورًا بمحاولة ترجمة الكتاب الذي وجدته.
في البداية لم يكن الأمر منطقيًا، لكن مع كل كلمة غيرتها ماريان، و مع كل جملة ترجمتها، بدأ الكتاب يتضح لها… و مع نهاية الكتاب، و الاسبوع، لم يكن الأمر جيدًا.
توجهت سريعًا نحو مكتب فيليكس، دخلت دون أن تطرق، كان فيليكس يحاول لعب الكمان مجددًا، حين رآها ظن أنها ستسخر منه كالعادة لذا قال.
“كنت أحاول فقط– ما المشكلة؟”
كان وجهها يبدو شاحبًا و متضايقًا، وقف فيليكس أمامها ثم أمسك بيدها و جعلها تجلس على الأريكة قبل أن يجلس بجوارها.
“هيا، ما المشكلة، أخبريني.”
قالت ماريان ببطء.
“الكتاب… كتبه لوكا أوتبرن، الدوق الأول. إنه عن اللعنة.”
تجمد فيليكس و احتدت نظراته.
“و ما الذي يقوله الكتاب؟”
قالت ماريان.
“أنت تعلم أن عائلتك تملك الكثير من القوى السحرية، صحيح؟ في الواقع، إنها ليست كاملة حتى… الامبراطور الأول وضع لعنة على عائلة اوتبرن ليحدَّ من قدراتهم السحرية، و ليجعلهم وحوشًا فلا يتمكنوا من خيانته أبدا…”
توقفت ماريان عن الكلام و نظرت إلى فيليكس، لم يكن تعبيره مقروءًا فقط همس من بين أسنانه.
” و بعد؟”
قالت ماريان.
“اللعنة، لم يكن فكها صعبًا فقط لأن عائلة الدوق من الصعب أن يقعوا في الحب أو يحبهم أحد… لكن لأنهم لا يعرفون ما الذي يعنيه الحب، حتى إن شعروا به لن يدركوه… و هذا هو الشرط الذي لم يعلمه خلفاء الدوق لمنعهم من تعلم لغة الامبراطورية الأولية التي كتبت بها كل الكتب عن اللعنة … لن تفك اللعنة حتى يعترف الوريث بنفسه أنه وقع في الحب… ربما والدك أحب والدتك… لكنه لم يدرك ذلك، و لهذا لا تزال اللعنة قائمة.”
خرج صوت مختنق من فيليكس، لمعت عيناه بدموع لم يذرفها. شعر بثقل كبير يزاح من فوق ظهره، لسنوات، رفض أن يرى والده في غيبوبته، ظنًا منه أن والده لم يحب والدته قط… لكنه فعل، لقد أحبها… احتضن فيليكس ماريان.
“يا إلهي… شكرًا لكِ، ماريان… أنتِ… أنتِ أفضل ما حصلت عليه في حياتي…”
تسارعت دقات قلب ماريان و احاطته بذراعها تلألأت عيناها بالدموع… يا إلهي، كم أحبت ذلك الرجل.
بعد لحظات، همست ماريان قائلة.
“أيضًا… هناك طريقة لإيقاظ والدك…”
ابتعد فيليكس عنها و أمسك بكتفيها.
“حقًا، ماريان؟! كيف؟”
ابتسمت ماريان و أمسكت بإحدى يديه.
“إن غيبوبة والدك بسبب صدمة مما فعله… إذا استطعت تخفيف الصدمة عن طريق إضعاف الذكرى قد يس–”
احتضنها فيليكس مجددًا، دفن وجهه في شعرها و همس.
“أنا… لا أدري كيف أشكركِ، ماريان… حقًا…”
ضحكت ماريان بخفة.
“إنه من دواعي سروري، فيليكس.”
ضحك فيليكس بدوره و قبل رأسها.
“شكرًا على كل حال…”
احمر وجه ماريان بشدة لدى القبلة، لكنها فقط ربتت على ظهره بصمت.
عدة أيام أخرى قد مضت و معها تعلمت ماريان كيف تضعف الذكرى، وقفت هي و فيليكس أمام غرفة والده… للحظات، لم يتحرك فيليكس بل حدق في الباب فقط. ابتسمت ماريان بهدوء و قالت.
“أتريدني أن افتحه؟”
تنهد فيليكس و أومأ.
“أجل، رجاءً.”
أمسكت ماريان بمقبض الباب و فتحته، كانت غرفة ديريك أوتبرن مختلفة تماما عن باقي القصر.
نظرت ماريان حولها، كانت الغرفة جديرة حقًا بمصاص دماء… طُليت الجدران بطلاء أسود سميك، و كذلك كانت الستائر سوداء و مظلمة، و اللون الوحيد الذي تواجد بجوار الأسود في الغرفة كان الأحمر القاني… بلون الدماء.
كانت الغرفة شديدة البذخ، و قد استطاعت ماريان أن ترى ذلك من خلال الأثاث حولها. توسط الغرفة سرير كبير و شديد الترف، استلقى عليه ديريك بلا حراك.
حدقت ماريان بوجه ديريك، كان يشبه فيليكس بعض الشيء لكن أكبر… و اكثر شحوبًا، لكن كل ما حوله كان بعيدًا كل البعد عن فيليكس.
همست ماريان.
“أهذا كيف كان القصة بأكمله سابقًا؟”
لم يستطع فيليكس النظر إلى والده لذا أومأ مشيحًا برأسه.
“أجل… قبل أن اغيره.”
ابتسمت ماريان برقة و أمسكت بيده.
“لا بأس فيليكس… يمكنك النظر إليه.”
فتح فيليكس فمه، أراد أن يقول أنه بخير… أن يكون هو الشخص المسؤول، لكن ما خرج كان مختلفًا عن ذلك.
“أنا خائف…”
كان صوته منخفضًا و مختنقًا.
ضغطت ماريان على يده قليلًا.
“سيكون بخير… هذه ليست غلطتك.”
أخذ فيليكس نفسًا حادًا، لكنه التفت ببطء نحو والده، عادت ذكريات تلك الليلة تتدفق في عقله لكنها سرعان ما هدأت… لقد فهم الأمر بشكل خاطئ، سيكون كل شيء جيدًا قريبًا.
نظر باتجاه ماريان قبل أن يترك يدها.
“يمكنكِ أن توقظيه؟”
ابتسمت ماريان.
“سأحاول.”
أومأ فيليكس و نظر إليها بينما وضعت هي يدها فوق رأس والده.
حدق فيليكس بها بينما تصاعد السحر مضيئًا حوله، شعر فيليكس بالسحر يحيطه هو الآخر أغمض عينيه و مال ناحيته، كان سحرها دافئًا بشكل غريب. بعد لحظات بدأ السحر بالخفوت، نظرت ماريان إليه و قالت.
“من المفترض أن يستيقظ قريبًا…”
أومأ فيليكس و جلس بجوارها ثم وضع رأسه على كتفها، ربتت ماريان على ظهره و همست.
“لا بأس، فيليكس…”
أغمض فيليكس عينيه مجددًا، منتظرًا أن يستيقظ والده.
بعد عدة دقائق، فتح فيليكس عينيه و اتجه نظره نحو والده، اتسعت عيناه حين رأى جسد والده يتحرك.
جلس ديريك بشكل مستقيم و دلك صدغيه.
“ما الذي…؟”
همس فيليكس بصوت أجشٍ.
“أبي؟”
نظر ديريك إليه و اتسعت عيناه.
“أبي…؟ فيليكس؟ لكنك كنت…؟”
وقفت ماريان بهدوء و توجهت للخارج، ربما كان من الأفضل أن تتركهما وحدهما.
قال فيليكس بعينين زجاجيتين.
“أنا… لقد كنت في غيبوبة… لمدة سبعة عشر عامًا تقريبًا…”
كان يمسك بيد والده و خليط من المشاعر يتصاعد في صدره، الشوق، الخوف، الراحة و السعادة.
قال ديريك.
“سبعة عشر عامًا؟ فيليكس… أنا… أنا آسف… لقد قتل–”
لكن فيليكس هز رأسه بحدة.
“كلا، انت هنا الآن… لقد أحببتها…”
امسك ديريك بيد فيليكس بكلتا يديه.
“بالطبع فعلت… و أحببتك أيضا… أنا آسف…”
ضحك فيليكس خلال دموعه.
“اشتقت لك، أبي.”
في تلك اللحظة، بعد سبعة عشر عامًا من كونه المسؤول دومًا، عاد فيليكس إلى كونه طفلًا لأول مرة منذ كان في السادسة.
و بين فيليكس و والده، سقطت زهرة داليا وحيدة احضرها سحر ماريان.
التعليقات لهذا الفصل " 22"