تجمدت ماريان للحظات عندما بدأ فيليكس بالبكاء بين ذراعيها لكنها سرعان ما احاطته بهما، أمسكت إحدى يداها برأسه و مررت يدها خلال شعره بينما ضغطت جسده بالقرب من جسدها بالأخرى. همست محاولة تهدئته.
“أنا آسفة… أهذا بسببي؟ أنا آسفة… لم أعنِ ما قُلت قبل أن أغادر… أرجوك، توقف عن البكاء… آسفة…”
بدأت الدموع تتكون في عينيها لكنها مسحتها بسرعة و ربتت على ظهره.
بدأت أنفاس فيليكس بالتباطؤ، احتضنها بشدة كأن وجودها كان ملاذه الوحيد من الإنهيار. همس بصوت مختنق.
“لقد استيقظتِ… أنا آسف… لم–”
لكن ماريان قاطعته بسرعة.
“لا تعتذر، فيليكس… أنت لم تفعل شيئًا… لقد كانت غلطتي… لم يكن يجب علي قول ذلك… أنت كنت تتألم أيضًا…”
اتسعت عينا فيليكس و ابتعد عنها للحظة، كان لا يزال يبكي لكنه سألها بضعف.
“حقًا؟ ليست غلطتي؟”
مدت ماريان يدها و أمسكت بوجهة، تمسح الدموع من على خده.
“بالطبع ليست كذلك…”
قرب فيليكس وجهه من راحتها بينما تغير تعبيره، موجة من الراحة بدأت تكسوه قبل أن يعاود البكاء مجددًا… لكن تلك المرة كانت لأن أحدًا لم يخبره قط أن شيئًا لم يكن غلطته، اغلق عينيه و احنى رأسه لاسفل، امسك بمعصم يدها و ضغطه على خده بشدة.
“لقد عدتِ… شكرًا لكِ…”
ضمته ماريان مجددًا، أغرقت دموعه كتفها لكنها لم تهتم.
“ستكون بخير… سنكون بخير…”
استرخى جسد فيليكس و هدأت شهقاته واحدةً تلو الأخرى حتى توقف عن البكاء تمامًا.
حين ابتعد عنها مجددًا، حدق بوجهها النحيف للحظات ثم مسح دمعة شاردةً قد انزلقت على خدها.
“لا تبكي…”
ابتسمت ماريان بضعف لكنها شعرت بقلبها دافئًا و هادئًا… لم يرحل الألم تمامًا، لكن وحدهما في تلك اللحظة، بدا كما لو أن كل شيء قد بدأ يعود إلى نصابه الصحيح أخيرًا.
ـــــــــــــــــ
مع حلول الصباح، فتح فيليكس الباب أخيرًا. نظر إلى جوزيف الذي كان يقف هناك و قال بابتسامة صغيرة.
“أخبر ليوناردو، إيلاني و آرثر أنها استيقظت. و أخبر الخدم أن يعدوا الافطار.”
عندما قال فيليكس ذلك، ارتسمت ابتسامة هادئة على وجه جوزيف الجامد عادة. أومأ برأسه.
“كما تأمر، سيدي.”
ثم توجه لإيصال الاخبار. دخل فيليكس الغرفة مجددًا و ابتسم لماريان.
“سيأتون قريبًا…”
ابتسمت ماريان بهدوء بدورها.
“شكرًا لك، فيليكس…”
هز فيليكس رأسه.
“لا داعي لشكري، إنه من دواعي سروري… دومًا.”
قبل أن تقول ماريان أي شيء آخر، كان الثلاثة الآخرون قد حضروا بالفعل، كان آرثر يلهث هو و ليوناردو بينما احتضنت إيلاني ماريان فورًا.
“يا إلهي… لقد نجح سحر فيليكس! ماريان، أنتِ بخير…”
ابتعدت إيلاني و نظرت إليها بعينين تلمعان بدموع لم تذرف.
“لقد كنا قلقين جدًا!”
اقترب آرثر من ماريان و قال بابتسامة صغيرة، تكاد تكون خجولة.
“أهلا بعودتك…”
ابتسم فيليكس باتجاههم قبل أن تتجه نظراته إلى ليوناردو، نظر ليوناردو إليه للحظات قبل أن يشيح بنظره، اختفت ابتسامة فيليكس قليلًا و نظر إلى الأرض قبل أن يهمس.
“أنا آسف…”
نظر ليوناردو إليه مجددًا و فاضت عيناه بالدموع.
“كلا، أنا آسف… لقد كدت تقتل نفسك لتنقذها… و كنت ستحمي يوجين إن استطعت…”
رفع فيليكس نظره إليه و ابتسم كلاهما، كان ليوناردو لا يزال يشعر ببعض اللوم تجاه فيليكس… لكن يوجين لم يكن ليريد ذلك، و هو لم يرد أن يخسر صديقه… وضع ليوناردو يده على كتف فيليكس و لم يقل شيئًا. فقط نظر إلى ماريان التي كانت تضحك لتهدأ إيلاني و آرثر الذي وقف هناك يربت على كتف إيلاني، حتى مع رحيل يوجين… كانت تلك لا تزال عائلتهم.
التفت فيليكس ليرى روكسانا و جوزيف واقفين هناك بينما امسك جوزيف بيد روكسانا. ابتسم فيليكس.
“ما الذي تفعلانه هناك؟ ألا تريدان أن تطمئنا عليها أيضًا؟ تعاليا هنا.”
رمشت روكسانا ثم تركت يد جوزيف و ركضت باتجاه ماريان و ارتمت في حضنها دامعة.
“آنستي، لقد كنت قلقة كثيرًا! أتيت لرؤيتك كل يوم… اشتقت لكِ!”
احتضنت ماريان روكسانا أيضًا و قالت.
“أنا آسفة… سأحاول ألا أفعل هذا مجددًا…”
نظر جوزيف إلى يده التي كانت تمسك يد روكسانا للحظة قبل أن يمشي نحو سرير ماريان و يقول بهدوء.
“سعيد أنكِ بخير، آنستي.”
ابتسمت ماريان.
“شكرًا لك، جوزيف.”
أومأ جوزيف بابتسامة صغيرة قبل أن يبتعد مجددًا حين دخلت الخادمات بالافطار… كان من الواضح أن أحدًا لن يغادر تلك الغرفة قريبًا.
في اليوم التالي، خرجت ماريان من الغرفة بمساعدة فيليكس، جلس كلاهما في حديقة والدته.
استلقى فيليكس على العشب و نظر إلى الشمس قبل أن ينظر إلى ماريان التي كانت تحدق في السماء هي الأخرى، ابتسم فيليكس و قال.
“ماريان… هناك شيءٌ يجب عليكِ معرفته. لم استطع اخباركِ بالأمس لأنكِ كنت مرهقة بشدة…”
نظرت ماريان إليه و أمالت رأسها.
“حقًا؟ ما هو؟”
اتسعت إبتسامة فيليكس، كانت تبدو جميلة و وهج الشمس الذهبي ينعكس على شعرها، شعر بقلبه ينبض بسرعة مجددًا، همس فيليكس.
“السبب الذي أدخلكِ في غيبوبة كان انفجار سحركِ…”
اتسعت عينا ماريان.
“سحر؟! لكني لا أملك سحرًا…”
قال فيليكس بينما استقام في جلسته.
“هذا ما ظنناه، لكن اتضح أننا كنا مخطئين. يمكنكِ التحكم بالنباتات و أظن أن بإمكانك التلاعب بالعقول أيضًا… لقد ظهرت نباتات عندما تشاجرنا و عندما عالجتك… لكني لا أعرف أي شيء عن سحرك أو كيفية استخدامه… هناك بعض الكتب في مكتبة القصر التي يمكننا استخدامها… يجب عليكِ التدرب على كيفية استخدامه–”
نظر إلى ماريان ليلاحظ نظرتها المحتارة، ضحك بخفة و قال.
“الأمر مفاجئ بعض الشيء، أليس كذلك؟”
أومأت ماريان.
“كثيرًا…”
ابتسم فيليكس.
“لا بأس، ستتعلمين. لكن هناك شيء مهم يجب عليكِ معرفته…”
تحول تعبيره إلى شيء أكثر جدية.
“يجب أن يبقى هذا سرًا بيننا، حسنًا؟ أيضًا، يجب أن تمحي ذكريات ليوناردو و إيلاني عن سحرك… سيدريك و كاثرين… سيحاولان فعل شيء بتلك المعلومة بالتأكيد، لذا يجب عليكِ أن تتعلمي بسرعة، حسنًا؟”
أومأت ماريان ببطء.
“سأحاول…”
ابتسم فيليكس و مد يده ليبعد خصلة من شعرها لكنه أوقفها في منتصف الطريق و وضعها بجواره مجددًا و حدق في الأفق.
أمعنت ماريان النظر إليه، كانت هناك ابتسامة رقيقة تزين وجهه… ابتسمت ماريان بدورها و اقتربت منه قليلًا، بالكاد تلامست أناملهما بينما نظر كلاهما إلى السماء بصمت.
همس فيليكس مازحًا.
“تلك السحابة تشبه ليوناردو… بانف غريب.”
ضحكت ماريان، كان الأمر طفوليا لكنه كان لطيفًا، نظرت ماريان إلى السحابة التي أشار إليها فيليكس.
“إنها تبدو مثله بالفعل…”
عاد الصمت بينهما، دافئًا و مريحًا.
ـــــــــــــــــ
مع اقتراب الغروب، وقف فيليكس و مدَّ يده إلى ماريان.
في اليوم التالي، بدأ فيليكس في تعليم ماريان كيفية التحكم بمقدار السحر الذي تستخدمه. قال فيليكس.
“إذا استخدمت الكثير من السحر سوف تفقدين وعيكِ مجددًا… كم المفترض أن تشعري بالسحر بداخلك، حاولي إخراج هذا القدر.”
تصاعدت شعلة صغيرة فوق اصبع فيليكس، نظرت ماريان إليها ثم قالت.
“حسنًا…”
رفعت يدها إلى أعلى قليلًا و حاولت إخراج بعض السحر، لكنه كان أقل مما طلب فيليكس، ابتسم فيليكس و قال.
“لا بأس، يمكننا المحاولة مجددًا… لقد شعرتِ بذلك، صحيح؟”
أومأت ماريان.
“قليلًا…”
همس فيليكس.
“حاولي جعلها أكثر قليلًا.”
عاودت ماريان المحاولة مجددًا، ازدادت الشرارة بعض الشيء تلك المرة.
بعد عدة محاولات، استطاعت ماريان أخيرًا التحكم في تلك الكمية الصغيرة من السحر، ابتسم فيليكس و قال.
“حاولي صنع شيء بها…”
نظرت ماريان إليه ثم حاولت استحضار نبات بسحرها، و بعد مرور بعض الوقت… تحركت زهرة ليلكٍ بيدها. اتسعت عينا فيليكس حين أعطته ماريان الزهرة لكنه ابتسم و اخذها منها قبل أن يقول.
“عمل جيد، أنتِ تتعلمين بسرعة.”
ضحكت ماريان بينما وضع فيليكس الزهرة في جيبه قبل أن تلاحظ ماريان. قالت ماريان.
“أيمكنني تجربة شيء آخر.”
تجمد فيليكس ثم قال.
“حسنًا… ربما يكون ضغطًا كبيرًا عليكِ، لا أريد أن تصابي بأذى…”
ابتسمت ماريان و قالت.
“لا تقلق، سأكون بخير…”
تنهد فيليكس.
“حسنًا، لا بأس.”
تابع فيليكس تدريبها، لكنه تأكد أنه لم يعلمها شيئًا قد يؤذي أحدًا بعد. مع انتهاء التدريب، كانت ماريان قد أحضرت بعض الزهور، قال فيليكس.
“ربما عليكِ محاولة جعلهم لا يذبلون…”
ابتسمت ماريان بحزن بينما جمعتهم في باقة.
“كلا… إذا جعلتهم يعيشون للأبد فلن يكونوا جميلين بعد الآن…”
أمال فيليكس رأسه.
“ألن يكون من الأفضل أن يظلوا هكذا؟ دون أن يموتوا أو يصبحوا قبيحين…”
قالت ماريان.
“لا أظن ذلك… الازهار الذابلة ليست قبيحة، إنها فقط جميلة بشكل مختلف… إنها تمر بمراحل مختلفة لكنها تظل جميلة…”
ربطت الباقة بشريط صغير قبل أن تقول بهدوء.
“يجب علي وضعها على قبر يوجين…”
توتر جسد فيليكس عند ذكر يوجين، لكن عندما نظر إليها وجد أن تعبيرها لم يكن فارغًا كما من قبل… فقط حنين. همس فيليكس.
“أجل، يجب عليكِ وضعها هناك.”
ابتسمت ماريان قبل أن يتوجه كلاهما إلى حيث دفن يوجين.
جلس كلاهما أمام شاهد القبر و وضعت ماريان الزهور أمامه، ثم فقط حدقت به. بعد عدة لحظات همست.
“احيانا… لا زلت أشعر أن هذا لم يحدث.”
نظر فيليكس إليها ثم اقترب منها و أمسك بخدها.
“أعلم… من الصعب تصديق أن شخصًا تحبه قد مات… لكني هنا دومًا من أجلكِ، أنتِ تعلمين هذا، صحيح؟”
ابتسمت بخفة و أومأت.
“أعلم…”
رد فيليكس الابتسامة و وضع رأسها على كتفه و همس.
“سيتحسن مع مرور الوقت…”
نظرت ماريان إليه.
“حقًا؟”
نحرك نظر فيليكس نحو شاهد قبر والدته، اختفت ابتسامته قليلًا لكنه أومأ.
التعليقات لهذا الفصل " 20"