قضى فيليكس ثلاث أيامٍ بجوار ماريان بلا حراك، كان شعره أشعثًا و ملابسه مبعثرة، ربما لم ينم أكثر من بضع ساعات خلال تلك الأيام. يقرأ كتبًا يأمل أن يجد فيها علاجًا. حتى وقعت يداه على كتاب من كتب والده، بدأ فيليكس في قرائته و وجد فيه حلًا، تصلب جسد فيليكس بينما تسارعت أنفاسه. همس لجسد ماريان النائم بينما ابعد خصلة من شعرها.
“فقط انتظري قليلًا، ماري…”
ثم توجه إلى الباب و أخبر أحد الحراس.
“استدعِ جوزيف.”
أومأ الحارس ثم ذهب لإحضار جوزيف.
عندما وصل جوزيف، أراه فيليكس الكتاب لكن بمجرد أن قرأه.
“سيدي، لا يمكنك أن تفعل هذا… إنه خطير جدا.”
مرر فيليكس يده خلال شعره.
“يجب علي فعل ذلك! على الاقل هناك فرصة أنها ستنجو! لكن إن تركتها هكذا فسوف–”
لم يستطع حتى إكمال الجملة، هز رأسه و قال.
“جوزيف، إن كان هناك فرصة بسيطة لإنقاذها… فسأفعل ما يتطلبه الأمر.”
كانت عيناه مثبتتين على ماريان قبل أن يلتفت إلى جوزيف.
“الليلة، لن انتظر حتى الغد… فقط تأكد أن أحدًا لن يدخل.”
توقف جوزيف للحظة، عيناه الحادتان مثبتتان على فيليكس، أراد أن يمنعه لكنه علِم أنه لا فائدة من محاولاته لذا أومأ.
“بالطبع، سيدي.”
توجه جوزيف إلى الخارج بينما جلس فيليكس بجوار ماريان مجددًا.
ذهب جوزيف إلى غرفة الموسيقى التي كان ليوناردو و الآخرون بها، طرق الباب بهدوء فجاء صوت ليوناردو.
“تفضل.”
دخل جوزيف إلى الغرفة و نظر إلى ثلاثتهم قبل أن ينحني.
“هناك شيء يجب عليكم معرفته.”
نظر الثلاثة إلى بعضهم البعض بقلق بينما تابع جوزيف.
“الدوق وجد علاجًا للآنسة ماريان… إنه سحر لا يمكن لأحد غير عائلة الدوق تنفيذه.”
ابتسمت إيلاني و قالت.
“حسنًا، هذا رائع!”
انتشر جو مبهج في الغرفة قبل أن يقاطعهم جوزيف بحدة.
“كلا، ليس رائعًا!”
ثم سعل و هدأ صوته.
“آسف على لهجتي. لكن… يجب عليكم إيقافه.”
قال ليوناردو بارتباك.
“لما؟ ماريان ستستيقظ!”
هز جوزيف رأسه و قال.
“ليس حقًا. ذلك السحر هو إعادة تنظيم للمانا في جسدها، لكنه ليس آمنًا. إن فشل السيد فيليكس، سيموت كلاهما أو سيموت هو… إنه مقامرة!”
اختفت البهجة من الغرفة بنفس السرعة التي خلقت بها، قال آرثر.
“أنت تمزح…”
أشاح جوزيف برأسه.
“كلا.”
ما أن غادرت الكلمة فم جوزيف حتى توجه آرثر نحو غرفة ماريان قبل أن يتبعه ليوناردو و إيلاني.
دخل آرثر الغرفة دون أن يطرق بابها ثم صرخ بفيليكس.
“أنت تمزح، فيليكس! لن أتركك تفعل ذلك!”
نظر فيليكس إليه ببرود.
“قد ينقذ ماريان…”
قالت إيلاني.
“لكنه قد يقتلك!”
لكن آرثر تجاهلها و أمسك فيليكس من ياقته.
“استفق، فيليكس! ربما يموت كلاكما!”
صرخ فيليكس و قد امسك بيده.
“أتظن أني اهتم؟! إن كانت ستموت على أية حال، إذا أفضل أن أموت معها!”
ثم دفع آرثر بعيدًا، حدق آرثر به و كأن جدارًا خلق بينهما و صرَّ أسنانه.
“أجننت؟! عد إلى عقلك، فيليكس!”
صرخ فيليكس.
“أنا بخير! و لا حق لك لتخبرني ما الذي يجب عليَّ فعله!”
أخذ آرثر خطوة للخلف، و لمحة صغيرة من الحزن مرت في عينيه قبل أن يحل محلها الغضب مجددًا.
“أتريد أن تقتل نفسك؟! حسنًا، أفعل ما شئت!”
ثم مشى خارجًا، دافعًا ليوناردو في طريقه.
كانت إيلاني تبدو قلقة لكن قبل أن تقول شيئًا، صرخ فيليكس في الفرسان.
“أبقياهما خارجًا! لا أريد أن يدخل أحد هنا!”
توجه ليوناردو إلى الخارج ساحبًا إيلاني معه، اتسعت عينا إيلاني.
“أ-ألن تحاول إيقافه؟”
قال ليوناردو.
“كلا. لا فائدة من كلامنا على أي حال.”
نظرت إيلاني إلى فيليكس قبل أن يُغلَقَ الباب ثم أخبرت ليوناردو.
“لا، أنت تفعل هذا لأنك تلومه… على موت يوجين و على ما حصل لماريان…”
تجمد ليوناردو قبل أن يقول.
“ربما…”
لم يشرح أكثر من ذلك و لم تحتج إيلاني شرحًا. نظرت إلى الباب المغلق، و القلق يتصاعد في قلبها لكل من ماريان و فيليكس.
ـــــــــــــــــ
في الغرفة، نظر فيليكس إلى ماريان قبل أن يمسك بيدها.
“سيكون كل شيء بخير.”
كان ذلك الهمس موجهًا لنفسه أكثر منها.
لم يتردد فيليكس بعدها لحظة و بدأ بتنفيذ السحر.
تصاعد الضوء من يدي فيليكس، محيطًا إياه و ماريان، هواء بارد اجتاح الغرفة بينما ازداد الضوء قوة مع كل لحظة يمضيها فيليكس.
شعر فيليكس بسحر ماريان يعود إلى طريقه الطبيعية، و من يدها بدأت فروع شجر و زهور تحيط بذراعه، كان السحر الزائد يغادر جسدها محيطًا بفيليكس كما الزهرة. كان فيليكس يضعف قليلًا مع كل لحظة، لكنه استمر حتى أعاد كل شيء لطبيعته.
بمجرد أن توقف فيليكس عن آداء السحر حتى سقط على الأرض قبل أن يبصق دمًا. مسح الدماء بظهر يده ثم استند إلى الكرسي و اقترب من ماريان… لم تكن قد استيقظت، كاد فيليكس أن يسقط مجددًا و هلعه يتزايد، مد يدًا مرتجفة إلى رقبتها و جسَّ نبضها.
بعد لحظات، استرخى جسده قليلًا، لا زالت حية… لكن خوفه لم يزل، يجب عليها أن تستيقظ.
ازال الفروع من على جسده و ارتمى على الكرسي مغلقًا عينيه، ربما لم يمت لكن ذلك السحر كان متعبًا بحق.
خارج القصر، كان آرثر يدور بحصانه غاضبًا، لكن الذنب بدأ يطغى على غضبه… كان فيليكس يائسًا… كان يعلم ذلك و لكنه تشاجر معه، تجول غارقًا في أفكاره حتى سمع حوافر حصان آخر، نظر خلفه ليجد إيلاني خلفه ممتطيةً حصانها. ابتسمت نحوه.
“من الجيد أنك لم تبتعد…”
تسارعت دقات قلب آرثر قليلًا قبل أن ينظر بعيدًا و يهمس.
“لم استطع…”
اقتربت إيلاني منه و قالت.
“إنهما بخير… حتى الآن. لكن فيليكس لا يزال يرفض أن يُدخِلَ أحدًا…”
تنهد آرثر.
“هذا جيد… كيف تشعرين؟”
قالت إيلاني.
“أنا بخير… سعيدة أن الجميع على ما يرام.”
ابتسم آرثر و أمال رأسه قليلًا.
“سعيد لسماع ذلك…”
ثم نظر باتجاه القصر مجددًا.
“أظن أنه يجب علينا العودة. قد يكون فيليكس غاضبًا الآن لكنه سيقلق بمجرد أن يدرك ما حصل.”
ضحكت إيلاني بخفة.
“أنت على حق…”
توجه كلاهما إلى القصر حيث كان ليوناردو لا يزال ينتظر أمام غرفة ماريان. نظر إليهما و قال.
“من الجيد أنك عدت.”
ابتسم آرثر بضعف قبل أن ينظر إلى الباب المغلق.
“لم يسمح لأحدٍ بالدخول بعد؟”
هز ليوناردو رأسه و لم يقل شيئًا.
قال جوزيف.
“قال أنه لن يدخل أحدًا حتى تستيقظ.”
حدق جميعهم إلى الباب بهدوء، آملين أن يكون الاثنان بخير في الداخل.
ـــــــــــــــــ
في الغرفة،و مع اختفاء شمس الصباح بدأ فيليكس يغرق في النوم.
” صباح الخير، ليكس.”
انعقد حاجبا فيليكس قبل أن يفتح عينيه، نظر إلى الأعلى ليرى وجه والدته. ابتسم فيليكس.
“صباح الخير، أمي.”
جلس بشكل مستقيم و تأمل المنظر من حوله، كان جالسًا مع والدته في الحديقة التي صنعتها له. نظر إليها و ابتسم.
“كيف حالك؟”
ابتسمت ليلي و مررت يدها بشعره.
“أنا بخير. ماذا عنك، ليكسي؟”
ضعفت ابتسامة فيليكس قليلًا.
“لست بخير…”
امالت رأسها و سألته.
“لماذا؟”
تنهد فيليكس.
“مات يوجين على حدود الدوقية… ماريان في غيبوبة لأني تشاجرت معها… آرثر غاضبٌ مني… و ليوناردو يلومني على كل ما حصل… لذا، كلا… لست بخير مطلقًا.”
اقتربت ليلي منه و وضعت وجهه بين راحتيها.
“أنت تثق بي، صحيح؟”
ابتسم فيليكس بضعف.
“بالطبع أثق بكِ…”
ابتسمت ليلي و قبلت جبهته.
“إذا ثق بي… ستكون بخير.”
اتسعت إبتسامة فيليكس و أغلق عينيه بينما صار الحلم ضبابيًا حوله قبل أن يختفي تمامًا.
فتح فيليكس عينيه ليرى عينين زرقاوين تحدقان به في الظلام، فرك فيليكس عينيه ثم فتحهما مجددًا، اختفت العيون الزرقاء و اختفت معها راحة الحلم و تبادل النظرات مع العينين الحمراوتين في المرآه.
تصاعد الكره و الحقد بداخل قلبه كنار تلتهم كل ما في طريقها، ضغط على عينيه بشدة رافضًا النظر إليهما… كان وجودهما، كلا، كان وجوده بأكمله تذكيرًا بكل ما كرهه، موت والدته، موت يوجين، غيبوبة ماريان… كل الأشخاص الذين يؤذيهم التواجد حوله…
تمنى لو استطاع أن يصرخ… أو أن يقتلع عينيه من مكانهما. دفن رأسه في يديه و بدأ يضرب أذنيه.
“اخرس… فلتختفِ فحسب!” همس لنفسه، لكن الاحساس لم يزل.
<لم تستطع حماية والدتك> <لقد قتلت يوجين> <لن تستيقظ ماريان> <إنها غلطتك> <أيها الوحش… مت… مت… مت…> اتسعت عينا فيليكس لكن الكلمة استمرت بالتردد مرارًا و تكرارًا.
تساقط العرق على جبين فيليكس، تسارع تنفسه و دقات قلبه… بدأت أنفاسه تصير ضحلة و صار العالم من حوله ضبابيًا.
<فلتمت فحسب> <أنت ملعون> <فلتمت… مت… مت… يجب أن تموت، انت سبب تعاستهم… مت>
انكفى فيليكس على نفسه و عيناه تدوران حوله بحثًا عن شيء لا يدري ما هو، ضغط على أذنيه بشدة، تعالت شهقاته المحمومةُ مع كل كلمة يسمعها.
“توقفوا… لستم… لستم… توقفوا… أنا لست… اخرسوا!”
ضحكت الأصوات في رأسه بينما ضغط فيليكس على قلبه بركبتيه، كاد يبكي كأنه طفل مجددًا، تلاحقت أنفاسه في إيقاع محمومٍ و غير مجدٍ، لهاثٌ سطحيٌ و ضحل لا يمنحه سوى شعورٍ بالاحتراق يدخل جسده لكنه كان كالغريق.
<فلتمت، ايها الوحش!>
“فيليكس؟”
نادى صوت ضعيف بجواره، رفع فيليكس راسه نحو مصدر الصوت و اتسعت عيناه، لقد استيقظت ماريان… اختفت الأصوات في رأسه كما لو أنها غرقت ، شعر بالظلام من حوله يختفي و إذا بالعالم يضيء في عينيه فقط بها، كانت متعبة و ضعيفة… لكنها كانت هناك، تنظر إليه و تنادي باسمه… رحلت الأفكار كأنها لم تكن، لم يشعر فيليكس بنفسه إلا و قد احتضنها باكيًا… كان عالمه قد أنار من جديد.
التعليقات لهذا الفصل " 19"