حمل فيليكس ماريان بين ذراعيه و امتطى حصانه، امسك باللجام و قال.
“كايدن، أجرِ بأسرع ما يمكنك.”
بدأ كايدن بالركض، بينما احتضن فيليكس ماريان إلى صدره شاعرًا بتنفسها البطيء على جسده، صر على أسنانه و همس.
“أرجوكِ، ماريان…”
أمسك برأسها قريبًا من قلبه.
“ستكونين بخير… يجب عليكِ أن تكوني بخير…”
بمجرد أن وصل إلى القصر، قفز إلى الأرض و هو لا يزال يحمل ماريان، شهقت إيلاني.
“فيليكس، ما الذي–”
قاطعها فيليكس بينما تخطاها.
“فقدت وعيها. روكسانا، استدعي الطبيب بسرعة!”
تبعت إيلاني فيليكس خلال القصر، وضع فيليكس ماريان على سريرها.
كان فيليكس ينقر بأصابعه على الحائط ثم صرخ.
“أين هو الطبيب؟!”
انتفضت إيلاني بشكل طفيف، لم تعتد أن يكون فيليكس غاضبًا و نافد الصبر هكذا، همست محاولة تهدئته.
“لا بد أنه قادم، فيليكس.”
كاد فيليكس أن يصرخ مجددًا لكن الطبيب وصل برفقة روكسانا، تراجع كل من فيليكس و إيلاني بينما بدأ الطبيب بفحص ماريان.
بعد عدة دقائق، وصل آرثر و ليوناردو. لاحظ آرثر نظرات إيلاني القلقة باتجاه فيليكس. أمسك بيدها و مرر إبهامه فوق رسغها ثم همس.
“سيكون كل شيء بخير…”
نظرت إيلاني إليه قبل أن تميل نحوه، كانت قلقة لكنها أرادت تصديق آرثر… بأن كل شيء سيكون جيدًا.
شد ليوناردو على قبضته و نظر إلى فيليكس بغضب، فقد وعد فيليكس أن يحمي ماريان… لكن غضبه اختفى حين رأى التعبير على وجه فيليكس، كيف حل الرعب محل الغضب… و كيف لمعت عيناه بشيء لم يستطع ليوناردو فهمه.
نظر الطبيب إليهم و سأل فيليكس.
“هل حصل شيء غريب حينما تشاجرتما؟”
تسمر جسد فيليكس لكنه أومأ.
“ظهرت بعض فروع النباتات في مكتبي…”
أومأ الطبيب و قال.
“لقد كانت مرهقة لأيام… حينما تشاجرتما، انفجر سحر كان مدفونًا بداخلها، هذا السحر تسبب في إرهاق زائد على جسدها–”
أوقفته إيلاني.
“كيف ستعالجها؟ متى… متى ستستيقظ؟”
قال الطبيب.
“العلاج الوحيد هو الراحه و لكن…”
نظر فيليكس إليه.
“و لكن؟”
نظر الطبيب إلى الأسفل و همس.
“قد لا تستيقظ أبدًا.”
تجمد الهواء في الغرفة، نظر فيليكس إلى الطبيب كما لو كان قد أخبره أن العالم سينتهي في الغد.
غطت إيلاني فمها بينما جذبها آرثر إليه أكثر.
شحب وجه ليوناردو و بدت روكسانا كأنها ستفقد وعيها.
جز فيليكس أسنانه.
“أخرجوا.”
نظر آرثر إليه و قال.
“فيليكس, لا يمكنك–”
لكن فيليكس انفجر غضبًا.
“أخرجوا فحسب! جميعكم!”
كادت إيلاني تقول شيئًا هي الأخرى لكن آرثر سحبها و ليوناردو خارجًا، تبعتهم روكسانا و هي تبكي.
حدق فيليكس بالطبيب شزرًا ثم قال.
“ستعالجها، لا اهتم كيف… ستجد حلًا، أكلامي واضح؟”
تلعثم الطبيب.
“ل-لكن، سيدي… أنا–”
قال فيليكس.
“قلت اني لا اهتم! جد حلًا و إلا اقسم اني سأنحر رأسك!”
أومأ الطبيب مرتجفًا. قال فيليكس.
“جيد، الآن أخرج و أفعل شيئًا!”
ركض الطبيب إلى الخارج مذعورًا بينما امسك فيليكس يد ماريان و قبلها.
“سأنقذكِ… إن لم يعالجكِ هو فسأفعل أنا…”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في القصر الامبراطوري، كانت آيرين قد وصلت للتو. ذهبت إلى غرفتها بمقر الفرسان و استلقت على فراشها.
بعد عدة دقائق، طرق أحدٌ على بابها. فتحت آيرين الباب، كان هناك فارس يقف هناك ممسكًا برساله. مد يده إليها و قال و الدموع تتلألأ في عينيه.
“هذه رسالة مرسلة من القائد قد وصلت منذ يومين.”
تيبست يد آيرين قبل أن تمد يدًا مرتجفة و تأخذ الرسالة.
“ش-شكرا…”
خرجت الكلمات خافتة… خائفة. أومأ الفارس و ابتعد ماسحًا دموعه.
دخلت آيرين إلى الغرفة و جلست على كرسيها، بقيت تحدق في الرسالة للحظات مرت عليها بطيئة قبل أن تفتحها أخيرًا.
بدأت آيرين بقراءة الرسالة.
<كيف حالكِ، عزيزتي آيرين؟ ستصلكِ هذه الرسالة و أنا لدى ماريان و فيليكس… هذه محاولتي العاشرة بالمناسبة، مضحك، صحيح؟
لعلكِ تتسائلين عن سبب تركي لكِ في القصر هذه المرة، و السبب بسيط، ألا و هو هذه الرسالة.
كان هناك شيء عنيت قوله لكِ منذ مدة بعيدة لكني لم أملك الشجاعة قط لأقوله… أنا أحبكِ، آيرين.
أحب رؤيتكِ كل يوم في التدريبات و كيف تسقطين رجالًا بضعف حجمك… و ربما أنا ممتن بعض الشيء أنني أقوى منكِ قليلًا لاستطيع حمايتكِ حتى إن كنتِ قادرة على حماية نفسك.
كل الأوقات التي جلسنا فيها وحدنا لنتحدث، كيف تبدين مسترخية بجواري بدون أحد آخر… الطريقة التي كان شعرك يحيط بها وجهك كقطعة من الشمس… أحببته طويلًا ثم أحببته مجددًا حينما كان قصيرًا… و لم أشعر قط بسعادة تضاهي الاستماع لصوتك.
لكن أكثر ما أحببته طوال ذلك الوقت… أنكِ أكثر شخص مثابر و نبيل عرفته في حياتي. لم ترضي قط أن يفكر أحدٌ بشكل سيء عنكِ و تمسكت بمبادئك حتى في أحلك الأوقات… لم تستسلمي حتى مع اختلافك عن الجميع و صرتِ أفضل منهم جميعًا…
أحب كل ما يتعلق بكِ. و إذا سمحتِ لي، يومًا ما، أن أكون لكِ فسأكون أسعد رجل عرفه العالم.
مع حبي…
يوجين.>
تلطخت الورقة بالدموع بينما جعدتها آيرين، تعالى نحيبها و هي تعيد قراءتها مرارًا… كانت تلك الرسالة آخر ما تبقى منه لها… و كم كرهت ذلك… لم تستطع حتى احتضانه مرة قبل أن يرحل.
لعنت جبنها… أنها لم تخبره، و ها هي ذي تبكي على ما تبقى منه.
ـــــــــــــــــ
بعد عدة دقائق، توقفت آيرين عن البكاء و وضعت الرسالة على الطاولة لكن شيئا صلبا اصطدم بالطاولة، نظرت آيرين إلى غلاف الرسالة لتجد سوارًا مرفقة بها… كانت مصنوعة بشكل سيء، لأن يوجين هو من صنعها. امتلأت عيناها بالدموع مجددًا.
“تبًا…”
و بدأت الذكرى تظهر في رأسها… كان يوجين جالسًا في ساحة التدريب بعد أن غادر الفرسان، توجهت آيرين إليه و نقرت كتفه. انتفض يوجين و أخفى ما كان يفعله خلف ظهره.
“اوه، أ-أهلًا، آيرين.”
ابتسمت آيرين.
“ما الذي تفعله، ايها القائد؟”
قال يوجين.
“أنا؟ لا شيء… فقط… أصنع شيئا لماريان!”
ضحكت آيرين لدى رده المتلبك.
“حقًا؟ أيمكنني رؤيتها؟”
نظر يوجين إليها للحظات قبل أن يومئ بهدوء و يظهرها لها… كان نفس السوار الذي تمسكه بيدها الآن.
ارتدت آيرين السوار و همست بين دموعها.
“من فعل هذا بك… سأقتله.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جلست إيلاني بجوار فيليكس في غرفة ماريان، كانت تسترق النظرات إليه بين الحين و الآخر قبل ان تقول أخيرًا.
“ألن تتناول شيئًا؟”
نظر فيليكس من الكتاب الذي كان يقرأه و قال ببرود.
“ليس قبل أن أجد حلًا.”
عبست إيلاني.
“فيليكس، لا يمكنك أن تكون جادًا! لم يحصل لها شيء بعد و—”
ظهرت لمحة من الخوف في عيني فيليكس للحظة قبل أن يقاطعها.
“لا تكملي تلك الجملة، لن يحصل لها شيء… لن أسمح بذلك.”
قالت إيلاني.
“أنت تتصرف بغرابة منذ أتت—”
وقف فيليكس بشدة لدرجة أن كرسيه سقط.
“بغرابة؟! أتصرف بغرابة؟! إنها تموت، إيلاني! تموت! أتتوقعين مني أن أعيش كأن شيئا لم يكن بينما كل يوم تقضيه نائمة هو يوم آخر قد أفقدها فيه؟! وعدت يوجين أني ساحميها عند موته و انظري بماذا تسببت!”
أشار إلى ماريان و قد امتلأت عيناه بالدموع.
“لا تمر عشر دقائق دون أن أتأكد أنها لا زالت على قيد الحياة! ما الذي تريدون مني فعله؟! مات يوجين و ليو يلومني! عشت بعد موته فصار الجميع ينظرون إلي على أني وحش لا اهتم! الآن أحاول إنقاذها فصرت أبالغ! ما الذي تريدونه مني بحق الجحيم؟! أيجب علي أن أقتل نفسي لترتاحوا؟!”
ثم جلس على السرير بجوار ماريان و أحد يديه تغطي عينيه بينما تحركت الأخرى لتمسك بيد ماريان بشدة.
تجمدت إيلاني في مكانها، حاولت قول شيء يبث به السلوى لكنها لم تفلح في إيجاد ما تقول، مدت يدها لتربت على ظهره لكنها توقفت عندما رأته ينظر إلى ماريان و كأنها العالم أجمع.
رفع فيليكس يد ماريان إلى فمه و قبلها، تساقطت الدموع مبللة يدها، همس لإيلاني.
“اخرجي فحسب… و اخبريهم ألا يسمحوا لأحد بالدخول ما عدا الطبيب.”
فتحت إيلاني فمها كي تعترض، لكن مظهر فيليكس و صوته جعلاها تؤثر الصمت. أومأت برأسها و توجهت إلى الخارج و عيناها مغترقتان بالدموع. أخبرت الحارس لدى الباب.
“يقول فيليكس ألا تسمح لأحدٍ بالدخول عدا الطبيب.”
أومأ الحارس بينما ذهبت إيلاني إلى غرفة آرثر. بمجرد أن فتح آرثر الباب، احتضنته إيلاني و بدأت في البكاء… لم يسألها آرثر ما بها فقط احاطها بذراعيه، تاركًا إياها تبكي في صمت.
بعدما توقفت إيلاني عن البكاء، سألها آرثر بينما ألقى لها منديله.
“ما الذي حصل؟”
مسحت إسلاني وجهها.
“لا شيء… فقط غيبوبة ماريان بعد… بعد وفاة يوجين و تصرفات فيليكس الغريبة… أشعر بالخوف… ماذا… ماذا لو ماتت ماريان أيضًا؟”
قال آرثر بسرعة.
“لا تقولي هذا… ليوناردو و فيليكس يبحثان عن حل… سيجدان حلًا… لا تقلقي فحسب، حسنًا؟”
أومأت إيلاني ببطء.
“ح-حسنًا.”
ـــــــــــــــــ
حين جنَّ الليل، ذهب كل منهم إلى النوم و قلبه مثقل بالهموم.
بقي فيليكس بجوار ماريان، يبحث عن شيء ليفعله ممسكًا بيدها بينما دخلت روكسانا كل فترة بفنجان قهوة خلف الآخر و القلق بادٍ في عينها.
استلقت إيلاني في سريرها، لم تكن تعلم إن كانت حقًا خائفةً أن تموت ماريان أم كانت خائفةً من أن تخسر فيليكس…
كان ليوناردو يجلس إلى طاولة في المكتبة، يقرأ كتبًا عن علاج السحر، آملًا أن يجد علاجًا لماريان.
نظر آرثر خلال نافذته، كانت السماء مزدانة بالنجوم كتلك الليلة التي تسلقوا بها ذلك الجبل، لكن هذه المرة… لم يكن هناك أي حماس أو سعادة خلف نظراته. اغلق النافذة بتنهيدة قصيرة و احساس جديد بالعجز يتصاعد في داخله حتى غط في النوم.
التعليقات لهذا الفصل " 18"