كاد فيليكس أن يوافق، ثم توقفت عيناه عليها و قد أتته فكرة مختلفة، وابتسم فجأة.
“أتريدين تعلم قتال السيف قليلًا؟”
تردد الضوء في عينيها لحظة، ثم ابتسمت.
“حسنًا… يمكنني أن أجرب.”
قال فيليكس.
“جيد.”
ـــــــــــــــــ
غيرت ماريان ملابسها وتوجهت إلى الساحة. كان فيليكس ينتظرها هناك بالفعل، يقف مستقيمًا يحمل سيفين خشبيين.
ناولها أحد السيوف وقال.
“الأمر ليس صعبًا. لن نحتاج إلى الكثير من التدريب.”
قالت ماريان.
“لماذا؟”
ابتسم فيليكس ببطء، تلك الابتسامة التي تُربك قلبها كل مرة.
“لأني سأكون هناك دومًا لأحميكِ.”
خفق قلب ماريان بقوة، ثم قالت بعبوس خفيف تحاول به إخفاء ارتباكها.
“يستحسن بك هذا.”
ابتسم فيليكس وعدّل قبضتها على السيف.
“هكذا… تمسكينه.”
رفعت ماريان السيف قليلًا.
“هكذا؟”
قال بابتسامة راضية.
“بالضبط.”
بدأ فيليكس يعلّمها بعض الحركات الأساسية، يصحح لها بهدوء، ويبتعد خطوة ليمنحها مساحة. ومع نهاية اليوم، قال وهو يلتقط أنفاسه.
“أنتِ جيدة فعلًا… كأول مرة.”
ابتسمت ماريان.
“شكرًا… لدي معلم جيد.”
تنهد فيليكس بخفة، كأنه لا يريد لليوم أن ينتهي.
“علينا الذهاب للنوم.”
أومأت ماريان، وسارا معًا عائدين إلى القصر، و قد ساد بينهما صمت مريح.
ـــــــــــــــــ
حين دخل فيليكس غرفته، لم يتوجه مباشرة إلى النوم. بل أخرج لوحة كبيرة من خلف أخرى، ووضعها على حامل خشبي، ثم أخرج معدات الرسم بعناية.
جلس أمام اللوحة، وبدأ العمل بصمتٍ لا يقطعه سوى احتكاك الفرشاة بالقماش. كانت اللوحة على وشك الاكتمال، ثلاثة أسابيع من السهر المتواصل، من تلك الليلة في التل وحتى الآن. كل ضربة فرشاة كانت تُوقظ في داخله شيئًا غريبًا… شوق؟ خوف؟ ذلك الاضطراب الذي تحدثه ماريان في صدره؟
ومع اقتراب الشروق، ابتعد خطوة صغيرة وحدّق. تجمّدت أنفاسه للحظة. لم يتخيل يومًا أنه قادر على رسم شيء بهذه الحياة. بعد برهة، حمل اللوحة بحرص، وأعادها إلى مخبئها.
ثم، و بصوت خافت، قال لنفسه.
“ستعجبها.”
استلقى على سريره، واستسلم للنوم أخيراً. لكنه لم ينعم به سوى لساعات قليلة قبل أن يوقظه جوزيف.
“سيدي، حان وقت الإفطار.”
فتح فيليكس عينيه ببطء وقال.
“قادم.”
غيّر ملابسه وتوجه إلى غرفة الطعام، حيث كان الجميع قد سبقوه. كانوا يتحدثون و يضحكون. نظر إليهم بصمت للحظة قبل أن يلتفت إلى جوزيف قائلًا.
“أيمكنك الجلوس معهم قليلاً؟”
رفع جوزيف حاجبه بدهشة، لكنه أطاع. اتسعت ابتسامة فيليكس بهدوء. ربما خسر الكثير في حياته الشابة، لكن وجود هؤلاء حول الطاولة… كان كل ما يحتاجه. عائلته.
ـــــــــــــــــ
بعد الإفطار، قالت ماريان:
“أتريدون رؤية الحديقة؟ أنا وفيليكس غيرناها قليلًا…”
ابتسم فيليكس.
“تبدو أفضل الآن.”
قال يوجين وهو ينهض.
“سأحب هذا.”
ابتسم الثلاثة ثم تبعوا ماريان. وما إن وصلوا إلى الحديقة حتى اتسعت أعينهم جميعًا.
“يا إلهي…” همست إيلاني.
كانت الحديقة مختلفة تمامًا عن السابق، أصبح الهواء نفسه أكثر خفة. المساحة تبدو أوسع، والضوء ينساب بين النباتات عاكسًا ألوانها النابضه.
قال ليوناردو بدهشة.
“من صمّم هذا؟”
قال فيليكس.
“ماريان… لديها موهبة حقيقية.”
قال يوجين بإعجاب.
“تبدو رائعة… كلوحة.”
قالت ماريان بقدر من الخجل.
“بذلت قصارى جهدي… أحب الحدائق.”
أومأ آرثر.
“هذا… واضح جدًا.”
ابتسمت ماريان وأشارت إلى بيت زجاجي صغير في آخر الممر.
“هناك دفيئة أيضًا… أحب شرب الشاي فيها. بها أرانب.”
وما إن ذكرت الأرانب حتى التفتت الأنظار إلى فيليكس. تنحنح بارتباك يشوبه بعض من الخجل.
“حسنًا… كانت الأرانب فكرتي.”
ضحك ليوناردو.
“نعم. نعرف هذا، فيليكس.”
ابتسمت ماريان.
“كانت فكرة لطيفة…”
قال آرثر بنبرة مازحة.
“دوق أوتبرن المخيف، ها؟”
ضربه فيليكس على رأسه بخفة.
“فلتخرس فحسب.”
قاطعتهم إيلاني فجأة.
“انظروا! أحد الأرانب غادر الدفيئة!”
نظروا جميعًا نحو الأرنب الصغير الذي كان يقفز بجزرة في فمه، توقف لثوانٍ، حدّق بهم، ثم استدار وعاد إلى داخل الدفيئة.
قالت إيلاني مرتبكة.
“هاه؟ لماذا رحل؟”
ضحكت ماريان.
“يحبون البقاء في الدفيئة… إنهم لطيفون حقًا.”
أومأت إيلاني، لكنها رمقت ماريان بنظرة قصيرة حملت شيئًا من الذنب، ثم تبعتهم بهدوء بينما استمرت الجولة.
في اليوم التالي، عزف ليوناردو لهم لبعض الوقت، كانت أنامله تتحرّك فوق الأوتار بدقو لامتناهيه. اقتربت ماريان من فيليكس، همست وكأنها تكشف سرًا صغيرًا.
“ربما يجب عليكَ أن تتعلم منه…”
رفع فيليكس حاجبه قليلًا.
“لقد حاولت… وانتهى الأمر بليوناردو مقتنعًا بأنني ميؤوس مني.”
ضحكت ماريان، ضحكة قصيرة دافئة.
“لديه وجهة نظر…”
زفر فيليكس، لكن عينيه لم تخفيا ابتسامة صغيرة.
“مزعجة…”
أجابت بهدوء.
“ربما… لكن بجدّية، يمكنك أن تستسلم بعض الأحيان.”
قال وهو يرميها بنظرة خاطفة.
“ربما… لكني لن أفعل قريبًا.”
دخلت الخادمات بالحلوى، فتوقّف ليوناردو عن العزف وجلس الجميع. قال يوجين وهو ينظر إلى النافذة.
“يبدو الجو جميلًا مؤخرًا.”
أجاب فيليكس، بصوت أكثر ليونة من المعتاد.
“أجل… الربيع لطيف.”
كان آرثر ينظر بعيدًا.
“أريد تسلق ذلك الجبل.”
ساد الصمت لحظة، ثم انفجروا ضاحكين. قالت إيلاني.
“لديك دومًا رغبات غريبة، آرثر.”
ردّ بلهجة مغترة.
“لهذا حياتي أكثر متعة من حياتكم… فيليكس، أتسلقته من قبل؟”
أومأ فيليكس.
“كثيرًا… الأمر ممتع. يمكننا جميعًا الذهاب.”
تبادلوا النظرات، ثم أومأوا. قال آرثر بحماسه المعتاد.
“أجل! لنخبر الطاهي! سنذهب للتخييم الليلة.”
ابتسم فيليكس، ابتسامة بسيطة.
“حسنًا، سأخبره.”
ذهب فيليكس لأخبار الطاهي و الخدم. وبينما كان الباقون يستعدون، كان يخيّم في الجو شيء يصعب وصفه… كان منزل فيليكس كحياة لم يعيشوها.
في هذا المنزل، لم يكن ليوناردو مضطرًا لتوقّع لو والدته في كل كلمة، ولا يوجين لحمل عبء مسؤولياته، ولا إيلاني لتمثيل دور الأميرة، ولم يكن آرثر مجبرًا على كبح رغبته في المغامرة… هنا، كان يمكنهم أن يكونوا أنفسهم فحسب.
عند مدخل القصر، استعدوا للانطلاق. قال فيليكس.
“قد يكون متعبًا… لكنه يستحق ذلك.”
كان آرثر قد بدأ بالصعود قبلهم، فضحك فيليكس.
“أهدأ قليلًا… الطريق طويل.”
أمسك يوجين بيد ماريان ليساعدها.
“أنت تعرفه… سيجري، يتعب، ثم نصبح نحن مجبرين على الانتظار.”
قالت إيلاني وهي ترفع حاجبها.
“أجل، المعتاد… ليو، يوجين يساعد ماريان، لم لا تساعدني أنت؟”
ضحك ليوناردو، وتردد لحظة قبل أن يمد لها يده.
“آسف، آسف…”
أمسكت إيلاني بيده و تابعوا الصعود، بعد مرور برهة، كان آرثر تعِبًا. قال ليوناردو.
“لقد حذرناك.”
لهث آرثر.
“أخرس.”
ابتسمت ماريان.
“دعونا نسترح قليلًا ونأكل شيئًا.”
فتحت حقيبتها، وقدّمت الطعام. قال ليوناردو وهو يراقب الأفق.
“سنصل للقمة قبل الليل.”
أومأ يوجين.
“ستبدو النجوم جميلة.”
تنهد فيليكس بينما تناول شيئًا من يد ماريان.
“النجوم جميلة هنا…” قال بهدوء.
سألتها إيلاني بفضول.
“ماري… لماذا أعطيتِ تلك الشطيرة لفيليكس؟”
أجابت ماريان ببساطة.
“لأنه يفضلها.”
همّت إيلاني بالاعتراض، لكن فيليكس قاطعها بسرعة.
“ماريان محقّة… اتضح أني أحب شطائر اللحوم أكثر من الخضروات.”
تبادل الآخرون النظرات… لم يكن فيليكس من النوع الذي يفضل طعاما على الآخر غالبًا، لكنهم آثروا الصمت.
عندما وصلوا إلى القمة، استلقوا جميعًا على ظهورهم. كانت السماء فوقهم بحرًا أسود مرصّعًا بالنجوم، ألقت النجوم بنورها عليهم بينما نسيم الليل يعبر بينهم. همس ليوناردو.
“هذا… رائع.”
لم يجب أحد، فقط أومأوا بهدوء و أعينهم لا تفارق السماء من فوقهم.
ثم انطلقت خمس شهب عابرة من فوقهم. ابتسموا جميعًا بينما تابعوها بعيونهم… قالت ماريان.
“مرت خمس شهب… ألن يكون ألطف لو كانوا ستة؟”
ابتسم يوجين.
“أجل…”
ثم شهق فجأة.
“انظروا!”
نجم أضاء للحظة، ثم انطفأ بالكامل. قال يوجين، مندهشًا كطفل يرى معجزة.
“كيف حصل ذلك؟”
قالت ماريان بنبرة هادئة، و ابتسامة دافئة تزين وجهها.
“ربما انفجر النجم…”
نظروا إليها جميعا قبل أن يسأل آرثر بافتتان.
“هل تنفجر النجوم؟”
أومأت ماريان.
“إنها تفعل… و تتكون من بقايها نجوم جديدة…”
قال ليوناردو بصوت خافت.
“مذهل… أتظنون أننا قد نذهب هناك يومًا ما؟”
قال فيليكس
“ربما… لا أحد يعلم ما يخبّئه المستقبل.”
عادوا إلى الصمت قبل أن يغطوا جميعًا في النوم تحت سماء الليل اللامعة.
التعليقات لهذا الفصل " 13"