— “لا ينبغي لك أن تتأذى أنت أيضًا… اسمع كلام أمك، اغتسلي، ثم اخرجي…”
— “سيد جايد…”
لحظةً، وبينما خيَّم الظل فجأة، ارتجف إيجيد. رفع رأسه، وابتسم ابتسامة متلعثمة، كما لو كانت محاولةً يائسة لإخفاء شعوره بالذنب.
— “…آسف، كارلا…”
— “أنتم! هاه! هل أمركم أحد أن تلعبوا الغُمّيضة هكذا هنا؟”
صرخت كارلا، وصوتها يختلط بالغضب والدهشة.
— “آآه!”
— “أووهه!”
انهار الأطفال بالبكاء، ببراءةٍ مؤلمة، بينما كانت كارلا، بعينيها المشتعلتين، توجه إليهم الوبال. وفي اللحظة ذاتها، اندهش سيف، فاندس بهدوء إلى جيب إيجيد، كأنه يبحث عن ملاذ آمن بين أشياء صغيرة.
إيجيد، الذي كان سبب الفوضى، حاول تهدئة ما أشعلته أفعاله الصغيرة، وقلبه ينهش نفسه شعورًا بالذنب.
لكن حين التفت الأطفال إلى كارلا، شعر بالحاجة الملحة لترتيب الأمور، كما لو أن العالم كله يتوقف على توازن هش بين الغضب والاعتذار.
— “كارلا… الخطأ مني. أنا آسف. كل ما أردتُه هو اللعب مع الأطفال.”
— “هاه… هل تقول الحقيقة؟”
— “نعم… وأعدك أن هذا لن يتكرر أبدًا.”
تنهّدت كارلا، واستقر بعض الهدوء على ملامحها، لكنها لم تخفف من حدة صوتها كليًا:
— “…حسنًا… لا بأس. وأنا أيضًا آسفة لأنني غضبت، يا سيدي… وأنتم أيضًا!”
— “هه… أه… آسف يا أمي…”
— “أنا آسف…”
— “ابكوا لما فعلتم… تعالوا معي!”
وبهذا، أخذت كارلا أيدي الأطفال واختفت بهم، تاركةً إيجيد واقفًا في مكانه، يشعر وكأن العالم كله اختفى، وأن الفوضى التي سببها أصبح يحملها داخله وحده.
تمتم إيجيد بصوتٍ خافت مليء بالصدق والندم:
— “تربية الأطفال… ليست بالأمر الطبيعي… ليست سهلة… ليست كما ظننت…”
— “هاه…”
ارتجف عند سماع ضحكة خافتة من مكان ما، وفجأة شعرت روحه بالراحة حين اقتربت منه آني، تلمس شعره برفق، كأنها تريد أن تعيده إلى إنسانيته المبعثرة.
— “صحيح… ليست بالأمر الطبيعي…” قالت آني، مبتسمة بابتسامة نصف مستترة، نصف ساخرة.
‘هل تسمع كل شيء؟ ستظن أنني غريب… ضعيف…’
لماذا يظهر له فقط جانبه الضعيف؟ ولماذا لا يرى أحد سوى آني ما يحمله من خوفٍ داخلي؟
كان السماء زرقاء صافية، كما لو أنها مطلية بطلاء نقي، والمروج اللامتناهية أسفلها ممتلئة بالغنم التي ترعى بسلام، غير مكترثة بالعالم، أو ربما كانت تعكس تلك الطمأنينة التي يفتقدها قلب إيجيد.
جلست آني تحت ظل شجرة، تحتمي من الشمس، وخطّت شيئًا في دفترها، كأنها تحاول أن تحفظ لحظة من العالم من الانزلاق في الفوضى.
ثم سمعت تذمر الأخ وأخته، ووجوه الأطفال مشعة بالفرح كما لو أنهم لم يذرفوا دمعة من قبل.
— “أمي… خروف! خروف!”
— “خروف… خروف…”
— “نعم… خروف. يا أطفالي، هل تريدون أن تطعموا الخراف بالقش؟”
— “نعم!”
— “وأنا أيضًا!”
وهكذا، وبفضل رعاية آني، استطاعت كارلا أن تأتي مع الأطفال إلى مزرعة الخراف، محاولةً أن تمنحهم لحظة فرح بسيطة وسط حياتهم المتشابكة.
أمسكت كارلا بيدي الطفلين واقتربت من صاحب المزرعة، وتلقت ثلاث سلال من القش، ثم نادت آني بصوتٍ عالٍ:
— “سيدتي! سيد جايد! تعالوا بسرعة!”
ابتسمت آني بهدوء:
— “لا بأس… سيد جايد، هل تريد أن تذهب وتطعم الخراف؟”
هز إيجيد رأسه، قائلاً بهدوء إن الأمر لا بأس، لكنه ظل ينظر إلى آني، ربما لأنها، على الرغم من كل شيء، تبدو حرة كنسيم الرياح، شعرها وذيل ثوبها يتحركان بلا قيود.
— “هل تحبني أكثر من الخراف؟” سألت آني مازحة، لكن عينيها كانتا تختبران قلبه.
تجمد إيجيد، لكنه لم يبتعد عن يدها التي تلمس شعره برفق، شيئًا قد اعتاد عليه، شيئًا أراح روحه الممزقة قليلاً.
— “هنا… هل أنت حقًا بخير؟”
ومع إيماءة رأسه، استمرت آني بصوتها الهادئ المنشرح:
— “أردت أن أدرج هذا في كتبي… جئت إلى هنا عندما كنت صغيرة، وصنعت ذكريات جميلة…”
وغاصت عيناه البنفسجيتان في بحر الذكريات: التنافس مع ديفيد لإطعام الخراف، أو مجرد الجلوس ساكنًا على التل، حيث الهدوء ينساب بين كل شيء، كما لو أن السلام يمكن أن يكون ملموسًا، ملموسًا إلى حد الألم.
جلست آني على الأرض، وأزال إيجيد معطفه ليضعه كوسادة، كإشارة صامتة عن الاهتمام، عن الرغبة العميقة في الحماية، على الرغم من كل شيء.
— “…هل تريد أن اجلس؟”
— “نعم… اجلسي، آني.”
ابتسمت بخجل وجلست، ومع ذلك شعرت بشعور غريب، شعور بأن هذا الرجل، رغم كل هدوئه، يحمل في داخله شيئًا كبيرًا، معقدًا، أشبه بما يكونه الرجال العظماء في الروايات التي قرأتها.
‘يا إلهي… لديه هذه الآداب منذ البداية… قد يصبح يوماً ما فتىً غراميًا ماهرًا…’
ومقارنةً بإيجيد، كان أسلوبه مع النساء مختلفًا، وكأن هذا الجانب من شخصيته يحتاج إلى التعلم والخبرة، بينما الجانب الآخر طبيعي تمامًا.
آني، التي استذكرت صورة إيجيد دون أن تشعر، كتبت ملاحظة. وبعد أيام قليلة، لم يكن هناك أي تواصل معه.
كان هذا طبيعيًا، لكن شعرت بشيء من الانزعاج، شعور فارغ لم تعرف له سببًا واضحًا، وكأن شيئًا ما بقي معلقًا في قلبها بلا جواب.
آني كانت تجر الأعشاب بيدها بلا جدوى، وفجأة سمعته يسألها:
— “آني… أين شعورك بعدم الراحة؟ وجهك شاحب…”
عيناه، التي تلمس خدها، حلوة كالسكر. الطفل الذي كان صارمًا مع نفسه صار الآن متقنًا في الاهتمام.
‘يا له من تدقيق…’
أرادت آني أن تصرخ من شدة الإعجاب: مئة من مئة.
— “أنا بخير… فقط قليلًا، بعض الأمور تزعجني…”
— “…ما الأمر؟”
كانت همومها مدفونة في صوته الهادئ، وفكرت آني أنه طفل ناضج جدًا.
ألم تذكر قبل ذلك القصص المضحكة عن صعوبة تربية الأطفال؟
أطفال كارلا كانوا مثل أقرانهم تمامًا.
— “آني؟”
وعندما لم تختفِ همومه، كسرت آني الصمت بصوتها الجاد:
التعليقات لهذا الفصل " 94"