كان وجه الشاب المستلقي على السرير شاحبًا كجثة.
وقد فقد وعيه وهو يهمس باسم امرأة مرارًا وتكرارًا.
‘آني…’
كان هناك الكثيرون حوله يراقبونه: زوجان نبيلان مسنان، خادمان وأصدقاء مقرّبون، وطبيب.
وبينما كان الجميع في توتر، أمسكوا بأيدي بعضهم البعض يدعون :
“رجاءً… رجاءً”.
يمكن سماع صوت حنينٍ مليء بالرجاء، يلامس القلب.
وبعد لحظات، فتحت عينا جون ببطء، كأنهما تحملان شمس الغروب.
— “ج-جون! جون!”
— “جون! هل استيقظت، جون؟”
رمق جون الطبيب ببطء، وشعر بارتعاشة داخله.
‘هل… هل أنا حي؟’
لقد نجى أخيرًا، تغلب على تلك اللحظات الجحيمية، واستعاد حياته.
اقترب منه الطبيب مرتديًا رداء هاركنون المميّز، وعيناه تدمعان:
— “لقد صبرت جيدًا، يا سيد سوفينان. أنت الآن شُفيت تمامًا. لقد بذلت جهدًا كبيرًا.”
عندما سمع هذه الكلمات المشجعة، حاول جون أن يجلس، لكنه لم يفلح وارتطم بالسرير عدة مرات، واضطر إلى طحن أسنانه.
تنفّس بعمق، وسمع الطبيب ينقر لسانه بعناية:
— “اهدأ، لا زلت تتعافى…”
— “عليّ أن أذهب…”
تمتم بصوت متصدّع:
— “عليّ أن أذهب.”
— “إن ذهبت الآن، ستُظهر نفسك متعبًا ومذهولًا. خذ دوائك واستلقِ قليلًا.”
صمت.
— “لكن بهذه الطريقة، ستقبل استياء السيدة.”
أومأ جون ببطء.
قطرة، ثم أخرى، ابتلّت أغطية السرير، وخرج اسم المرأة من شفته الممزقة:
‘آني…’
—
— “سيدة، سيدة آني… إنه يشبه جلالته تمامًا!”
— “كارلا، أذناي تؤلمانني!”
كارلا، التي عادت فور شفاء ابنها، ألحّت وثرثرت بلا توقف، بينما كانت تساعد آني على خلع لباسها.
— “حقًا، يشبهان بعضهما كالاخوة. عندما يكبر هذا الطفل، سيكون وسيمًا مثل جلالته، أليس كذلك؟”
— “أعتقد ذلك.”
— “يا للعجب، ستبكون كل الشابات من الغيرة!”
شعرت آني ببعض الحيرة.
لماذا، بعد كل تحفظها مع إيجيد، تُظهر كارلا هذا الانبهار بالطفل؟
أجابت كارلا ببساطة وهي تحلّ رباط فستان آني:
— “الطفل بريء.”
— “فما خطب جلالته إذن؟”
سألت آني بلا وعي.
فكّرت كارلا قليلًا، ثم هزّت كتفيها:
— “إنه طاغية، يقاتل بالقتل والحرب، بل وحتى له رسالة غيبية.”
— “ماذا لو كان كل هذا خاطئ؟”
— “يا سيدتي…”
— “كارلا، أنا لا أثق تمامًا في هذه الاشياء.”
كان ذلك تصريحًا خطيرًا، لدرجة أنه يجعل أي شخص يسمعه يقلق.
حذّرت كارلا بصرامة:
— “لا يمكنك قول ذلك في أي مكان.”
— “أعلم… لكن…”
لمست إخلاص إيجيد قلبها أكثر من أي رسالة قديمة.
أذناه المرتعشتان، وتصرفه الصريح، وسرعته في الاستجابة لما تقول… كل لحظة فيها صادقة، حتى لو كان ذلك من أجل السيدة العزيزة.
— “جلالته أخرق أحيانًا، لكنه ليس شخصًا سيئًا… قد تكون هناك مشاكل لا نعرفها.”
كارلا، بعد سماعها لقصة آني، دفعت جبينها بيدها.
‘حسنًا… لماذا أنتِ قلقة هكذا؟’
شعرت كارلا وكأنها تفوّت شيئًا مهمًا، وحاولت استيعاب شعورها.
ثم سألت آني بحذر:
— “هل الطفل بخير؟”
— “أوه، نعم، شكرًا.”
— “نعم… بفضل سير جايد أيضًا.”
— “حقًا؟ ولماذا؟”
ابتسمت آني بسعادة، وشرحت أحداث مدينة السحر.
في هذه الأثناء، كان إيجيد يحرس غرفة الضيوف بهدوء.
بوجه محرج، عبث بغطاء السرير، الذي لم يكن لينًا مثل سرير القصر الإمبراطوري.
كان الكتان الأبيض خشنًا قليلًا، لكن جايد أحبه كثيرًا.
استلقى عليه بعناية.
كانت الغرفة دافئة، مضاءة بمصباح واحد فقط.
أحب سماع صوت الريح وهي تضرب النافذة.
احمرّت وجنتاه خجلًا، وهو يحرك إصبعه الصغير ليلمس الكتان.
‘في النهاية، عائلة آني كلهم طيبون…’
تذكّر الأب البسيط، الأم الشبيهة بآني، والزوجين البريئين…
فشعر بدفء لم يشعر به من قبل.
كأنّه دخل عالم آني للمرة الأولى.
طرق خفيف على الباب.
دخلت آني بفستان خفيف، لوّحت بيدها بحرارة.
نهض جايد بسرعة، ورفع يده ولوّح لها.
— “هل نمت جيدًا؟”
— “نعم.”
ردّ بشجاعة، وربّتت آني على رأسه بإعجاب.
أمسكت يده بإحكام وقالت:
— “قريبًا سيأتي خادم يُدعى ريدان ليجهز كل ما تحتاجه. وإذا أردت شيئًا، اسحب الحبل.”
— “حسنًا، فهمت.”
— “هل فرشت أسنانك؟”
— “ليس بعد.”
غطّى إيجيد فمه بيديه على الفور.
تذكّر أنه نسي تنظيف أسنانه.
‘هل هناك رائحة؟’
نظر إليها محتارًا، فابتسمت آني وقالت:
— “أنا أيضًا لم أفعل بعد. لنذهب ونفعلها معًا.”
— “…ماذا؟”
— “معًا.”
أمسكت بيده، ولم يكن لديه ما يرفضه.
وصل إلى الحمام الكبير مع آني.
كان هناك حوض رخامي ضخم، تقدّم أمامهما، وأحضرت الخادمات فرشاة أسنان وملحًا.
وقفا جنبًا إلى جنب أمام الحوض.
— “هيا، جرب فرش فرش.”
صمت.
فـرش، فـرش.
شعر إيجيد بأن شيئًا غريبًا يحدث، لكنه فرش أسنانه بهدوء.
بعد ذلك، أخبرته آني بحرية وبدون تردد: “اغسل جيدًا حتى تصفر الأسنان من النقاء.”
كانت هذه المرة الأولى التي يشعر فيها بالخجل.
احمرّت وجنتاه، وشعر بحرارة تتسرب إلى وجهه.
‘يا إلهي…’
أن يُعامل كطفل من قبل آني وليس أي شخص آخر… كان أمرًا محرجًا للغاية.
لكن لطف الناس واهتمامهم به لأول مرة، أعاد له شعور البدايات، مثل أول مرة تناول فيها الشوكولاتة.
لم يشعر أي من أفراد عائلة دْسِف بعدم ارتياح تجاهه.
بل حاولوا العناية به.
— “سيد جايد، ألا تشعر بالعطش؟”
— “…لا، شكرًا.”
لمست يد الخادمة شعره برقة.
تساءل لماذا كانوا لطفاء معه، حتى في أول لقاء.
— “إذن، اذهب للنوم.”
بعد أن غادرت الخادمة وأطفأت المصباح، كان جايد يعبث بالسرير، مرفوعًا حتى رقبته.
التعليقات لهذا الفصل " 89"