“جايدإيجيد…”
صوت امرأة يتردد في الذاكرة الضبابية، ضعيفًا لكنه مألوف.
كان إيجيد يحب هذا الصوت أكثر من أي شيء، حتى قبل أن يلتقي بآني.
كانت دائمًا حنونة، مليئة بالحب، أمًا لطيفة.
اللحظة الوحيدة التي تتحوّل فيها إلى العنف، كانت عندما تتجادل مع روبي.
— “روبي… لماذا تقول أحيانًا اشياء غريبة؟”
— “يا أيها الاحمق! أريدك أن تعيش طويلاً…”
— “أنت أحمق. كلنا على قيد الحياة الآن، فلا تنشر شائعات غريبة عن جايد مستقبلًا.”
— “آه… أنتم تجعلونني أفقد صوابي!”
روبي، وهو يفرك جبينه، لاحظ إيجيد يقف عند الباب، مراقبًا بصمت.
تلعثم روبي قليلاً، ثم غادر بخطوات متثاقلة.
أمّا والدته، فأخرجت لسانها له مازحة، ومدّت ذراعيها.
“تعال يا إيجيد.”
ابتسامة مشرقة ارتسمت على وجهه، فركض نحو والدته.
دائمًا بعد المشاجرة مع روبي، كانت والدته تحتضنه بشدّة، وكأنّ العالم بأسره يذوب حوله.
— “روبي دائمًا يقلق. لكننا نعيش بسعادة. هاها.”
ثم ظهر صوت آخر، لطيف ومبتسم، رجل شاب يتكئ على الباب.
— “إيينا وإيجيد، ماذا تفعلان هنا؟”
ارتسمت على وجه إيجيد ابتسامة عريضة عند رؤيته.
— “جلالتك!”
— “يا عزيزي إيجيد، المفترض أن تقول: “أبي”!”
— “جلالتك، لا بد أنك منشغل في شؤون الدولة… كيف استطعت أن تأتي بهذه الطريقة؟”
— “الإمبراطور أيضًا زوج وأب… أرجو أن تسامحني على تخصيص بعض الوقت للعائلة.”
طَق طَق طَق…
صوت خطوات الأحذية صار أقوى.
كان إيجيد محتضنًا بين ذراعي والديه، وابتسامة سعيدة ترتسم على وجهه.
— “عائلتنا ستكون دائمًا سعيدة، يا إيجيد.”
—
توقفت العربة، وأطلّ إيجيد من النافذة.
المدينة مغطاة بضباب أزرق خفيف، وتمطر بلطف.
— “مارتون…”
مدينة السحرة مارتون كانت ملاذه دائمًا عندما أراد ترتيب أفكاره.
السحرة الغريبون لا يلتفتون للآخرين كثيرًا، وقلّة هم الذين يمرون مع الغرباء.
مؤخرًا، زار النبلاء مارتون بسبب نجاح زراعة الجنسنغ، لكن العدد كان قليلًا، فالأرض الخالية من الدائرة السحرية جعلت الوصول صعبًا جدًا.
كييك…
نزل إيجيد من العربة وفتح مظلته بنفسه.
حسب تعليمات دوهر، ظنّ السائق أنّه قريب بعيد من العائلة الإمبراطورية.
— “هل تريد مني أن أحملك؟”
— “لا.”
تغيّر وجه السائق إلى إحراج، فقد رفض إيجيد ببساطة.
لكن لم يكن هناك ما هو أخطر من المساس بنسب النبلاء.
ركب السائق بسرعة مقعده، وصوت خشن يحييه، ثم أدار العربة مبتعدًا.
تك…
تحرّك إيجيد في الطريق المألوف. كانت ساعة متأخرة، والشارع خالٍ من الناس.
حينها…
كييِنغ…
توقفت خطواته عند صوت غريب يأتي من العشب.
نظر حوله، فرأى شيئًا مستديرًا يتحرك بين أوراق العشب.
— “…وحش؟”
كان الظلام يعتم الرؤية، لكنّه بدا كوحش صغير بعين كبيرة وسط وجهه.
ذيل الوحش الطويل يرتعش. اقترب إيجيد بسرعة، ووضع مظلته فوقه.
حاول الوحش الالتصاق بأحذية جايد السوداء، وكأنه يبحث عن مأوى.
_”أين سيدك؟”
— “كييِنغ.”
“هل فقدت سيدك…”
— “كييِنغ، كييِنغ…”
رأى دمًا على ذيل الوحش، فاحتمى بيديه من المطر وهو يحمل الكائن بين ذراعيه.
كان وحيدًا… تمامًا مثل الوحش الذي يبدو أنه عبء على الناس.
ابتسم ابتسامة مُرّة، والكتف يبتل سريعًا من المطر الغزير.
“ها هي.”
أعطى الساحر آني صندوقًا مربعًا، بدا عليه التراب، تحته بعض النباتات الصغيرة.
نظرة من الساحر كانت مليئة بالريبة:
— “هل هذا كل شيء؟”
النبلاء الذين يأتون مارتون عادةً يشترون كمية كبيرة من الجنسنغ.
الأرض الخالية من الدائرة السحرية تجعل الزراعة صعبة، والجنسنغ نادر جدًا.
لكن لم يسبق أن اشترى أحد كمية قليلة كهذه.
— “لقد جئت فقط لرؤية المدينة السحرية، لذلك احتجت كمية صغيرة فقط.”
غادرت آني متجر السحر بسرعة.
كانت المدينة مدهشة، كل مبنى مرصّع بحجارة سحرية براقة.
الناس في الشوارع كانوا غريبين بعض الشيء، معظمهم سحرة بعباءات ممزقة، يحملون كتبًا ضخمة أو لحية بيضاء رائعة.
— “اللعنة، ما الذي تفعله الأكاديمية؟ الأرض مبتلة منذ أيام.”
— “لصوص الضرائب!”
“همم… لقد أمطرت كثيرًا.”
حملت آني الصندوق الورقي بين ذراعيها، تمشي بحذر، متجنبة أن تراها أسرة كارلا.
لقد جاءت إلى مارتون منذ الصباح الباكر، الطريق طويل وشاق، لكنها كانت خطوة ضرورية.
كان هدفها توصيل ثلاث نباتات جنسنج سحرية طازجة إلى كارلا.
لم يكن سيئًا لو كان معها خادمة، لكن الحرص كان مطلوبًا؛ لأن كارلا غالبًا ما تهتم بأفراد آخرين من البيت.
كارلا كانت محط حسد الكثير من الخادمات بسبب معاملة خاصة ومميزة.
“لنعد سريعًا…”
سرعت آني خطواتها نحو البوابة.
لكن فجأة، اجتذبها رائحة شهية… حلوة ومالحة معًا، تشبه الفول السوداني المحمص بالعسل.
عندما التفتت، رأت طابورًا طويلًا في المسافة.
يبدون وكأنهم يشترون فول سوداني بالعسل محضر في الكشك مباشرة.
“الأطفال سيحبون هذا، أليس كذلك؟”
ارتسمت ابتسامة على وجه آني.
لم يكن سيئًا أن تأخذ بعض الفول السوداني الحلو معها، بدلًا من التركيز على الجنسنغ فقط.
إضافة إلى ذلك، كان هذا الفول السوداني من منتجات المدينة السحرية، ومن الصعب العثور عليه في مكان آخر.
ابتسمت آني، واستدارت لتقف في نهاية الطابور، منتظرة بصبر.
التعليقات لهذا الفصل " 85"