ابتسمت آني ابتسامةً هادئة، كنسمة تمرّ على وجنتين حارّتين، وقالت بصوتٍ لطيف لا يحمل ضغطًا:
“إن شعرت بعدم الارتياح، يمكنك أن ترفض. أهم شيء… أن يكون السيد جايد سعيدًا.”
توقفت للحظة، وصمتها كان أثقل من أي كلمة.
“إذًا…”
أغلقت باب العربة بهدوء.
تك.
في اللحظة نفسها، تحرّك دوهير بسرعة. أمسك بيد إيجيد وسحبه خلف العمود، مختبئين عن الأنظار، كأن العالم كله قد تراجع إلى مكانٍ بعيد.
حتى دوهير، الذي صنع الكذبة، لم يتوقع هذا المشهد.
وأكثر من صُدِم… كان إيجيد نفسه.
احمرّ وجهه، لكن ليس من الغضب… بل من العجز، من ذلك الشعور الغريب الذي يجعل الكلمات تختنق قبل خروجها.
“دوهير… ما هذا الذي يحدث؟”
“جلالتك، أرجوك، تمهّل…”
“كيف استطعت أن تكذب على الآنسة آني بهذا الشكل…”
لكن إيجيد توقّف. لم يستطع إكمال جملته.
فهو، في الحقيقة، لم يكن بريئًا.
لقد خدعها طويلًا… ولم يكن يملك الحق في العتاب.
أدار وجهه بتعب واضح، فشدّ دوهر على كتفه بقوّة.
“جلالتك… فكّر بالأمر من زاويةٍ أخرى. أليست هذه أفضل فرصة لتقترب من الآنسة آني؟”
صمت.
نظر إيجيد بعيدًا، لم يرد.
“في القصر الإمبراطوري، لا تستطيع فعل شيء. تدخّلات السيد روبي تخنقك في كلّ مرّة.”
كانت كلمات دوهير تحمل إحباطه، لكنها أيضًا كانت صرخةً صغيرة من القلب.
كل كلمة خرجت منه كانت محمّلة بما كتمه طويلًا.
لو استمرّ إيجيد في تردّده هذا…
ولو خسر المرأة التي يحبّها مرّةً أخرى…
فلن يغفر لنفسه أبدًا.
لم يعد الأمر مجرّد زواجٍ سياسي.
سبع سنوات من حبّ صامت… آن لها أن تنتهي.
“هل تريد أن تخسر الآنسة دْسِف… وتراها تقف إلى جانب رجلٍ آخر؟”
“…”
اتّسعت عينا إيجيد دهشةً، فزفر دوهير وهو يضغط على جبينه.
“اعذرني. كنت أتظاهر بعدم الفهم طوال الوقت. لكن لا تقلق… السير فيز لا يعلم شيئًا بعد.”
ثم أخرج دوهير من صدره علبةً صغيرة، ووضعها في يد إيجيد.
لم تكن ثقيلة، لكنها شعرت بذلك.
كانت وعدًا… فرصةً… بداية جديدة.
“لا توجد إجابة صحيحة واحدة في هذا العالم. ثمّ إن الآنسة آني قالت بنفسها إنّها ستساعد في مسألة الزواج الوطني.”
حتى لو عوقب…
حتى لو خسر كل شيء…
كان عليه أن يفعل هذا، من أجل نفسه ومن أجل سيّده.
“سأمنحك هذه الفرصة… إلى أن تستعيد هيئتك الحقيقيّة، وإلى أن أضع هذا الخاتم في يدك بيدي.”
نظر إيجيد إلى العلبة، وانفرجت شفتاه ببطء.
“أنا…”
صمت.
~
ظلّ إيجيد واقفًا، يراقب العربة تبتعد، والمرارة مرتسمة على وجهه.
وخلفه، كان دوهير يراقبه… بمرارةٍ لا تقلّ عنه.
لو كنتُ مكانه… لأغمضتُ عينيّ مرّةً واحدة ومضيت.
— “لن أذهب.”
— “جلالتك!”
— “لقد اتعبت الآنسة آني بما فيه الكفاية… ولا أريد أن أزيد آلامها.”
رغم إلحاح دوهير، رفض إيجيد أن يخدع آني.
لم يكن عنادًا، بل ندمًا صريحًا.
كنتُ أفكّر بنفسي وحدي طوال هذا الوقت…
كان ذلك النوع من الحبّ الذي لم يألفه دوهر.
ففي كتب التاريخ، لم يرَ إلا أباطرةً ينتزعون النساء انتزاعًا.
أن يكون سيّده مختلفًا… كان مدعاةً للفخر.
والآن، صار يفهم.
هكذا يكون إخلاص جلالته للسيّدة ديسيف.
“دوهير.”
“نعم، جلالتك.”
“سأغادر القصر الإمبراطوري لبعض الوقت.”
كان القرار صائبًا.
بهذه الحال، لن يستطيع حضور مجلس الدولة بالاصل.
“سأتوجّه إلى إقليم مارتون… لأحصل على الترياق.”
لم يكن روبي ليترك مكوّنات الترياق في القصر.
لكن مارتون—مدينة السحرة—كانت قصةً أخرى.
جسده سيتعافى.
لكن قلبه… كان قد انهار كقصرٍ من رمل.
انحنى دوهير بصمت.
~
عادت أيّام آني، شيئًا فشيئًا، إلى هدوئها السابق.
كانت تقضي وقتها في المكتبة، تراجع ما كتبته من تاريخ، أو ترسم في خيالها طرق سفرٍ جديدة.
مرّ طرف إصبعها الصغير فوق حروف الرقّ، فابتسمت بهدوء.
نعم… كان وقتًا جميلًا.
كان لإيجيد أثرٌ في تلك الذكريات:
حقول الفراولة… مدينة الألعاب…
أتمنى أن تكون بخير…
كانت تفكّر به أحيانًا، لكنها لم تكتب رسالة.
شعرت أنّه… لا يريدها.
فالشخص الذي كان يودّع دائمًا، التزم الصمت هذه المرّة.
حتى وإن كنتَ أخرق قليلًا… ستفعل الصواب.
خيبة خفيفة… لكنها وثقت بإخلاصه.
غير أنّ ما يشغل بالها الآن كان أمرًا آخر.
“هل زار الطبيب؟”
“نعم… لكنّ الحُمّى لا تنخفض…”
ارتسم القلق على وجه كارلا.
طفلها الثاني أصيب بزكامٍ صيفيٍّ حاد.
أرسلت آني الأطباء والدواء… لكن دون جدوى.
حتى كارلا بدت شاحبة، واضح أنّها لم تنم.
“عودي اليوم واعتني بنفسك، كارلا.”
“شكرًا لكِ، سيّدتي.”
غادرت كارلا على عجل.
وبقيت آني وحدها، تحدّق في الصحيفة الموضوعة أسفل الرقّ.
التعليقات لهذا الفصل " 84"