كانت آني تتكئ بهدوءٍ على الأريكة، ثم رفعت بصرها. لقد بدات صالة الاستقبال، وقد تُركت فيها وحيدة، فارغه على نحوٍ غريب.
تمتمت في سرّها:
– “لا أعلم ما الذي يحدث…”
قبل فترة قصيرة فقط، كان سقف القاعة العالي يثقل صدرها كأنّه قبو مقبرة، أمّا الآن فقد اعتادت عليه.
رغم أنّ من كان يجلس قُبالَتها لم يكن كثير الكلام.
تك… تك…
لم يكن في القاعة سوى صوت عقارب الساعة. عضّت آني شفتها.
“أترى… هل هو بخير؟”
لقد بدا وجه إيجيد شاحباً حين غادر قاعة الاستقبال، وما زالت تلك الصورة عالقة في ذهنها.
هنا، في قلب القصر الإمبراطوري، يُخزَّن ماءٌ مقدّس يعجز حتى أشراف الإمبراطورية وأقواهم عن الحصول عليه.
‘لو فات الأوان… فلن يكون لطلب مشورتي أي معنى، ولن أجيبه.’
أخذت تتبرّم بلا سبب. لقد جعلها تقلق، ثم تركها بلا خبر. أَلَا يستطيع أحد من معاونيه أو خَدَمه أن يطمئنها؟
تسلّلت إلى ذهنها فرضيّة أخرى:
‘أيمكن أن تكون حالته خطيرة؟ لونه لم يكن حسناً… آه… لقد غمرتني المخاوف.’
طَرق… طَرق.
أضاء وجه آني عند سماع الطَرق الخفيف.
‘ها قد عاد!’
أسرعت بتقويم جلستها واستدارت، لكن الذي دخل لم يكن إيجيد… بل فيز.
– “…السيد فيز؟”
غير أنّ فيز لم يجرؤ على رفع بصره. انحنى، وعجزت يداه عن السكون.
– “سيّدتي… جلالته يخبركِ بالعودة. وقال أيضاً… إنّه من الآن فصاعداً، عليكِ الاكتفاء بمخاطبته بالمراسلة.”
تقطّب جبين آني وهي تُصغي إلى كلماته المبعثرة، وازداد قلقها من ردّة فعله.
‘أيُعقل أنّه كان يخفي سوء حاله عنّي كالأبله؟’
– “هل… هل مرض جلالته بشدّة؟”
ازداد وجه فيز قتامة، وزفر تنهيدة قصيرة وهو يفتح الباب:
– “لا… ليس لدرجة تستدعي القلق. سأُرافقكِ إلى الخارج.”
– “أستطيع الذهاب وحدي. أنت مشغول، فعد إلى عملك.”
رفضت بأدبٍ وتوجّهت بخطواتٍ مثقلة نحو البوّابة الكبرى للقصر. كل خطوة بدت لها وعرة تحت وطأة همومها.
‘لقد بدا قويّ البنية، فلا بدّ أن يتعافى سريعاً… أليس كذلك؟’
‘ولكن… لم يُصرّح بشيء عن مرضه.’
‘ألم يكن يكفيه أن يطلب يوماً واحداً للراحة؟’
إيجيد… ذلك الرجل الحَذِر، لكنه أخرق في التعبير. كان يُجبر نفسه على تناول ما لا يُحب، ويشرب الماء خفيةً، ويُخفي ما يكرهه. لم يكن يغضب ولا يرفض، بل يتحمّل بصمتٍ كلّ شيء.
توقّفت آني فجأة، وشبكت يديها.
‘يا له من أحمق…’
التفتت نحو القصر بعينين يملؤهما خليطٌ من القلق والحنين.
‘لو جئتُ إليه… هل سيثقُل عليه وجودي؟ لا… الأفضل أن أدعه ليستريح.’
لكن الجوّ كان جميلاً على نحوٍ لا يليق بالرحيل دون وداع. ابتسمت بأسى، ثم صعدت إلى عربتها.
…
انفتحت عينان حمراوان فجأة.
“هذا المكان…”
كان الموضع مألوفاً: غرفة النوم. حاول إيجد أن يُقيّم الموقف وسط صداعٍ نافذ. كيف وصل إلى هنا؟ وكم من الوقت مرّ؟ لا يهم. المهم الآن أن يذهب إلى آني.
حاول النهوض مسرعاً، لكنه وضع يده على فمه فجأة:
– “أوه…”
انقبضت معدته كما لو أرادت لفظ شيءٍ لا يخرج. تقيّأ هواءً مرّات، ثم اندفع إلى حافة السرير. لكنّ أمراً غريباً حدث.
سقوط…
– “آه…”
ترنّح وفقد توازنه، وارتطم بالأرض. كان الألم أشدّ من جرح السيف.
مدّ يده ليتّكئ على الأرض، ففوجئ.
كانت يده صغيرة جدّاً… ضعيفة. رفع بصره مذعوراً نحو المرآة.
هناك، انعكس وجهه… لكن لا كما هو الآن. بل صورة نفسه قبل عقدٍ من الزمان.
همس مذهولاً:
– “ما… هذا؟”
وقف مترنّحاً أمام المرآة الكاملة، مدّ إصبعه المرتجف نحو صورته، فمدّ الطفل في المرآة إصبعه كذلك. حتى ثيابه كانت هي نفسها التي ارتداها في صغره.
حينها تذكّر:
> [أَحضِر لي بعض ثيابك القديمة. ]
كان ذلك أمراً مفاجئاً من روبي. اعترض إيجيد حينها:
> [لا يمكن لثياب الأطفال أن تناسبك مهما صغُرت. ]
لكن روبي لم يفسّر، واكتفى بالقول:
> [سأحتفظ بها. ]
> [ الأفضل أن أتصدّق بها… ]
> [كُفّ. من ذا الذي يجرؤ على ارتداء ثياب ارتداها الإمبراطور طفلاً؟ سأستعملها كتعويذة. ]
حينها سلّم إيجد الثياب، مُعتقداً أنّ روبي لن يسيء إليه. لكنه لم يكن ليتوقّع ما يراه الآن.
– “روبي…”
كان هذا تدخّلاً صريحاً من روبي.
تك.
فتح “دوهير” الباب بخطواتٍ متردّدة:
– “جلالتك. السيّدة دْسِف قلقة للغاية… جلالتك؟”
تسعّدت عيناه دهشةً إذ أبصر الطفل أمام المرآة يشبه صورة إيجد في لوحاته القديمة تماماً.
قال إيجد بصوتٍ طفوليّ مرتجف:
– “دوهير، هل حدث لآني شيء؟ ربّما روبي أخبرها بشيء…”
أعاد سؤال الإمبراطور وعي دوهر. نعم، إنّها مكيدة من روبي.
“هل اكتشف أخيراً…؟”
لقد حاول دوهير إبعاد أنظار روبي عن الحقيقة، لكن عبثاً. كيف لإنسانٍ عادي أن يخدع روبي ؟
تردّد دوهير. لم يكن يعرف متى ستسنح الفرصة مجدّداً ليُبعد آني عن القصر.
‘ماذا أفعل؟ إنّه وضع مثالي ليساء فهمه.’
في تلك اللحظة، تقدّم إيجيد إلى مكتبه، وأخذ ورقة وحبراً.
خربشة… خربشة…
كتب رسالة على عجل، ثم سلّمها إلى دوهير:
– “أوصلها إلى آني.”
– “حسناً. سأفعل.”
انحنى دوهير وانصرف مسرعاً. بقي إيجد ينظر إلى الباب المغلق، يضع يده على جبينه، وقد أثقله صداع من نوعٍ آخر.
“لِمَ يفعل روبي هذا…؟”
غمره الغضب، لكن قلقه على آني كان أكبر بكثير.
“لا يمكن انه قد مسّها بسوء…؟”
روبي لم يكن شريراً، لكنه أناني في شأن الزواج حدَّ الجنون. ولذا، لا يعرف إيجد أي فعلٍ آخر قد يُقدِم عليه تجاه آني.
التعليقات لهذا الفصل " 82"