لم يكن في نيَّته أن يُجلِس “آني” على منضدةٍ صغيرة كهذه لتأكل، بل أراد لها أن تُعامَل كما تليق بمقامها، في قاعةٍ فاخرة تتزيَّن بمفارش إمبراطوريّة “كيسن”. ومن أجلها تحديداً، وضع أزهارها المفضَّلة في قارورةٍ زجاجيّة.
ذلك اليوم، كان “دوهير” مريراً على غير عادته. كيف لِمُعاونه الذكيّ دوماً أن يتصرَّف هكذا؟
وضعت آني الشوكة جانباً، ثم تمتمت:
– “هُمم…”
تطلَّع إليها “إيجد” بعينين متوتّرتين، وقلبه يكاد ينفجر ترقُّباً لما قد تنطق به شفتاها الصغيرتان.
– “إذن…”
ابتسمت ابتسامةً خفيفة وقالت:
– “الطَّعم يستحقُّ مائة درجة كاملة! لعلّه لأنّي تناولتُه وهو ساخن للتو… النكهة كانت أطيب بكثير.”
تنفَّس إيجد بارتياح، وارتسمت على وجهه ابتسامة سعيدة.
“أنا مرتاح الآن.”
غير أنّ نقطةً حمراء لامست خدَّ آني.
الصلصة…
مدَّ إيجد يده وربَّت بإبهامه على وجنتها، ممسحاً الأثر برفق.
– “أنت رائع. طالما أنك هكذا، فلن يكون ثمّة مشاكل.”
أمعنت آني النظر فيه. كان قد سرَّح شعره إلى الخلف ذلك اليوم، مما أظهر ملامحه أكثر حيويّة وجاذبيّة.
وأيُّ امرأةٍ قد تُمانع رجلاً وسيماً، لطيف الطبع، شاباً، قويّاً، ومُجيداً؟ لقد كان شبهَ كامل. وإن كان هادئاً، فهذا خيرٌ من ثرثرةٍ بلا معنى.
ابتسمت آني مداعبة وقالت:
– “لم يبقَ الكثير الآن.”
ثم مدَّت يدها اليمنى وقبضتها على يده. تطلّع إليها إيجد باستغراب، فأضافت موضِّحة:
– “هكذا نُشجِّع في إمبراطوريّة كيسن. كان المحاربون القدماء يفعلون ذلك، ويقال إنّهم ينجحون دوماً بعده.”
– “هيا، اضربها.”
تردّد إيجد قليلاً، ثم قبض يده بخفّة على قبضتها. اصطدمت قبضتاهما، ومع دفء الباستا التي كانا يتناولانها، شاع دفء آخر في الجو.
ابتسمت آني بحرارة:
– “أظنّ أنّ الحصص الدراسية أوشكت على الانتهاء… والحبّ ليس إلا مسألة توقيت. فالطرف الآخر لن ينتظر إلى ما لا نهاية…”
وأردفت برقة:
– “أرجو تعاونك فيما تبقّى من وقت…”
فجأةً—
تومض المشهد، وفتح “روبي” عينيه محدّقاً في السقف بوجهٍ متجهّم.
“تبا…”
حتى هذا اليوم، لم يستطع الإفلات من هذا العالم القذر… عالم روايةٍ رومانسيّة كتبتها شقيقته الصغرى!
تغريد العصافير من النوافذ المشرعة كان أوضح من العالم الذي تركه، لكنه لم يجلب له سوى الضيق. لقد كان يفتقد كوريا…
نهض “روبي” واقترب من الجدار. ثلاث صورٍ كانت مُعلّقة: صورة الوالدين، يتوسّطهما “إيجد” صغيراً. تطلّع روبي إلى الشاب المبتسم بينهم، شاب يشبه إيجد، لكن بملامح أكثر قتامة.
– “مرحباً… أأنت ترتاح هناك جيّداً؟”
تنفّس بعمق وتابع:
– “ألم أقل لك؟ عليك أن تتزوّج وفق القالب المعتاد لتعيش…”
[ دخلتَ كتاباً يا روبي؟ أما زلت نصف نائم؟ ]
[ أيها الأحمق، إن أردتَ أن تعيش طويلاً، فلا تُواعد تلك المرأة المجهولة!! ]
[ لا تقلق يا روبي، فالحبّ أقوى من كل شيء… ]
عضَّ روبي على شفته وتنهد:
– “مع ذلك… سأحرص أن يتزوّج إيجيد كما تقتضي الرواية. وإن كان لا بدّ أن يلتقي بكاسرة القوالب، فلا بدّ أن تكون امرأةً واحدة في هذا العالم فقط.”
– “سيعيش إيجيد سعيداً إلى الأبد. لن أدعك ترحل قبله.”
قالها بحزمٍ وثقة. كان بالنسبة له كطفلٍ، كأخٍ عزيزٍ لا يُقدَّر بثمن.
وما هي إلا لحظات حتى فُتِح الباب فجأة.
– “سيِّد روبي! السيِّدة دْسِف قد دخلت القصر الإمبراطوري مجدّداً!”
– “…أين؟”
– “فـ… في المطبخ الإمبراطوري!”
– “المطبخ؟!”
قطّب روبي جبينه وأسرع يتبع “فيز”. واقترب الاثنان من المطبخ الكبير.
– “أظنّها هنا!”
– “تنحَّ جانباً.”
جذب روبي عنق فيز إلى الخلف، فتأوّه هذا بضجر، غير أنّ روبي تجاهله. فهو لم يكن يعوّل عليه كثيراً.
اقترب من الباب، وهناك…
– “هيا، اضربها.”
تجمَّد روبي مذهولاً بما رأى.
كان “إيجيد” واقفاً في مواجهة امرأة قصيرة القامة، يعلو وجهها حياءٌ خجول.
لم يستطع روبي أن يصدّق ما أمامه. المشهد صعقه: الطفل الذي ربّاه بيديه، بدّل حفاضاته، وحمله صغيراً، يقف الآن أمامه كرجلٍ يتبادَل النظرات مع فتاة!
في الخلف، كان فيز يتمتم متسائلاً عمّا يفعل الاثنان، لكن روبي لم يسمع شيئاً.
– “عائلة دْسِف؟”
– “نعم يا سيّدي روبي! هذه الآنسة آني من عائلة دْسِف، التي أعلنت عدم الزواج. ذكيّة، لكنّها مُخيفة جدّاً.”
– “…إعلان عدم الزواج؟ إذن لماذا تفعل هذه الفتاة ذلك مع إيجيد؟”
– “يبدو أنّها تحاول أخذ نقطة ضعفٍ من جلالته ومضايقته بها.”
– “أي هراء هذا؟ إيجد ليست له أيّ نقاط ضعف.”
ارتبك فيز أمام تغيّر نبرة روبي المفاجئ. لكن الأخير أطلق سعالاً ساخطاً وهو يرمق الثنائي من جديد.
“ما الذي يُضحكهما هكذا؟”
لم تفارق الابتسامة وجهيهما، وإن كان الآخرون قد يظنّون أنّ ابتسامة إيجد قاسية أكثر من اللازم.
– “اسمع يا فيز.”
– “نعم! أتريد أن أُرتّب لقاءً خاصّاً مع الآنسة؟ وأضع مالاً بين يديها؟”
– “ماذا؟ أيها الأحمق! أأنا رجل يضطهد فتاة صغيرة عاجزة؟ هاه؟!”
ارتجف فيز وقال معتذراً:
– “آ… عذراً.”
– “يكفي هذا. توقّف عن الغباء.”
– “هل… هل شتمتني للتو؟”
– “تافه.”
ومضى روبي في الممر بخطواتٍ سريعة، فيما لحقه فيز على عجل.
– “ماذا تنوي أن تفعل؟”
– “بالطبع… على المرء أن يُشغّل عقله.”
لم يستطع فيز كبح فضوله.
– “ماذا ستفعل إذن؟”
ابتسم روبي ابتسامةً قاتمة وقال:
– “ترقَّب فقط… فلن يستطيع إيجيد أن يقف أمام تلك المرأة كما يفعل الآن.”
التعليقات لهذا الفصل " 80"