توقّفت أنامل آني عن الحركة فوق الورق في غرفة المطالعة. رفعت بصرها ثم همست في خاطرها:
“إيجيد جان بوركوس…”
أصبح اسمه الآن لا يبدو لها مُخيفًا كما في الماضي. بل غدا أكثر قربًا، وأكثر ألفة.
وضعت كفّها على ذقنها، وأطرقت عيناها لحظةً تغرق في التفكير.
‘مَن تكون؟ تلك المرأة صاحبة الخاتم والرسالة… ما أروعها وما أجملها! أيّ قلبٍ هذا الذي يجعل الإمبراطور نفسه مُرتبكًا وقلقًا لأجلها؟’
ومع ذلك، انبعث دفءٌ خفيّ في صدرها. فقد كانت تلك المرأة التي يشتاق إليها الإمبراطور تشبهها… إلى حدٍّ يُثير العجب.
ابتسمت آني وهي تحدّث الهواء بصوتٍ خافت:
“نعم، أنا امرأة رائعة. وأنا أيضًا أعلّم جلالته دروسًا مهمّة. لذا عليّ ألّا أسمح لأوهامٍ غريبة أن تتملكني.”
قفزت “لانغ” إلى حجرها وهي تدخل بخفّة من باب الغرفة.
احتضنتها آني بعفويّة، ولصقت خدّها بفرائها الذهبي الناعم:
“جميلتي الصغيرة… هل جئتِ إليّ يا لانغ؟”
تململت الجرو في ضيق، كما لو كانت تقول: اتركيني، أيتها البشريّة.
لكن آني لم تتركها بسهولة. غاصت في دفء فرائها وقالت بحنان:
“أتعلمين يا لانغ؟ في الخارج، هناك الكثير ممّن يُشبهون بعضهم بعضًا. دائمًا هناك نسخة هنا أو أخرى هناك… إنه محضُ صُدفة لا أكثر.”
رفعت لانغ رأسها نحوها بنظرةٍ فيها مزيجٌ من التوبيخ والشفقة. غير أنّ آني تابعت بعناد طفوليّ:
“جلالته وأنا… لم يكن بيننا أيّ شيء. معقول أن أكون أنا التي أحبّها منذ سبع أعوام؟ هذا هراء. أليس كذلك، لانغ؟”
لكن لانغ لاذت بالصمت.
—
ومع أنّ الأسرة بأكملها تخشى بطش الإمبراطور، إلّا أنّها لم تستطع الاعتراض على تكليفاته. بل كانوا يحثّون آني دائمًا أن تكون حذرة في حضرته، كي لا تسقط من نظره.
ولهذا، خرجت باكرًا ذلك اليوم متجهة إلى القصر الإمبراطوري.
في العربة، أطلقت تنهيدةً ثقيلة. بين يديها كان معطف إيجيد. فقد أعدّته منذ الأمس، واستعارته خفيةً من كارلا.
‘ماذا سأقول له حين أعيده؟ مجرّد كلمة شكر… تبدو جافّة جدًّا.’
تردّدت طويلًا في ما ستقدّمه له بالمقابل. جلبت معه قلمًا فخمًا وزجاجة حبر نادر… لكنها بدت لها هديّة لا ترقى لمقام الإمبراطور الذي يملك أفخر ما في الدنيا.
هزّت رأسها في النهاية:
“لا. يكفي. لن أُرهق نفسي بالتفكير.”
لكن ما إن وصلت غرفة الانتظار، حتى اكتشفت أنّه ليس موجودًا.
‘هل جئتُ مُبكّرة جدًّا؟’
وضعت حقيبتها جانبًا وجلست متردّدة، تحكّ خدّها بارتباك.
طرقٌ خفيف على الباب.
“تفضّل.”
دخل دوهير مبتسمًا:
“مرحبًا، سيّدة دْسِف. جئتِ مُبكرًا اليوم.”
أومأت له بابتسامة مجاملة، فسألها بلطفٍ يحمل شيئًا من الدهاء:
“أتبحثين عن جلالته؟”
“نعم… في الواقع.”
ارتسمت بسمةٌ أوسع على وجه دوهير، ثم نظر سريعًا نحو المعطف الذي حاولت إخفاءه.
‘هاه… تقدّم ملحوظ.’
قال بصوتٍ واضح:
“إن جلالته… في المطبخ الآن.”
فتحت عيناها بدهشة:
“في المطبخ؟!”
“نعم. هل تأتين معي؟”
—
كان السكين في يد إيجيد يتلألأ تحت ضوء المطبخ، ينزل سريعًا على أوراق الخسّ وثمار الطماطم.
تـك تـك تـك تـك…
وقف الطهاة خلفه متخشّبين من الرهبة. فاليد التي تقطع الخضار بهذه السلاسة، هي نفسها التي يهابون أن تقطع البشر بلا رحمة.
أعدّ السلطة، والحساء، ومعكرونة حارّة… وكلّ ذلك وهو يشعر بارتباك. فما زال قلبه مُثقلًا بندمٍ قديم، يوم أخاف آني دون قصد.
ولذا أراد اليوم أن يُعالج ذلك… بطعامٍ يصنعه بيديه.
ارتدى قبّعة الطهاة البيضاء ورداء الطباخين، حتى بدا كأنّه شيف أسطوري خرج من كتاب.
غير أنّه وقف أمام الحساء وهو يقطّب حاجبيه:
‘هل أصنع شكل قلب بالفلفل الأحمر؟’
لقد تعلّم تلك الحيلة من كتاب طهو منذ سنوات، وكان حلمه أن يُقدّم حساءً لقلبٍ منثور فوقه… لآني.
لكنّه تردّد:
‘لا… قلب؟ هذا مبالغ فيه. سيُحرجها. سيُربكها.’
فأغلق علبة الفلفل وهو يُخفي ابتسامةً مُرّة.
وفجأة، جاءه صوت مألوف من ورائه:
“جلالتك.”
اتّسعت عيناه وهو يلتفت بلا وعي.
“آ… آنِـي؟”
كانت واقفة أمامه بثوبٍ أصفر بلون أزهار الفُرسيتيا، تبتسم بخجل.
“آه… لم نلتقِ منذ زمن.”
قالت له بارتباكٍ وهي تُشير إلى أدوات الطهو:
“هل… هل تُدرّب نفسك لأجل عملنا؟”
“عملنا…؟ آه…” تذكّر فجأة: ذاك “العمل” لم يكن سوى مسرحيّة الحبّ التي يعيشانها معًا.
تسلّل الطهاة جميعًا خارج المطبخ بصمت، فقد فهموا من نظرة دوهير أنّ عليهم ترك المكان.
التعليقات لهذا الفصل " 79"