قال الجدّ بصوتٍ جَهوري وهو يطرق المائدة بعصاه:
“أحضروها.”
وما إن نطق بالكلمة، حتى توقّف الجميع عن الأكل دفعةً واحدة، باستثناء لُوبيز وآني.
كان الاثنان يتناولان السلطة بهدوءٍ وملامحهما تقول: ها قد بدأ الأمر من جديد. أمّا آني، فقد غمرها شعورٌ بالتعب.
وهذا بالذات سبب إعلانها من قبل قرارها بعدم الزواج، فهي تخشى هذا اللغو المتكرّر الذي لا ينتهي.
قال الجدّ بصرامة:
“ليس طبيعيًّا أن تلتقي فتاةٌ برجلٍ في ساعةٍ متأخرةٍ من الليل. وحتى لو كان لقاءً عابرًا، فالواجب أن تأتي به وتُعرّفينا به.”
تنفّست آني ببطء وأجابت ببرودٍ رزين:
“لسنا على تلك الدرجة من القُرب، يا جدّي. لقد ساعدني وحسب.”
قطّب الجد جبينه وقال:
“ومن أيّ منزل ينحدر؟”
أطرقت آني برأسها قليلًا وأجابت:
“شخصٌ لا ضرورة لكم بمعرفته.”
حتى لو قلتُ الحقيقة فلن يزداد الأمر إلّا سوءًا.
دفعت لقمة السلطة في حلقها بسرعة فكادت تختنق، فسارعت إلى شرب العصير.
“كُح! كُح!”
وضع الجد ملعقته على الطاولة بقوة، لكن آني لم تُبدِ أيّ خوف.
“قبل أن أموت، يجب أن أرى حفيدتي الوحيدة عروسًا!”
ابتسمت آني ابتسامةً هادئة وقالت:
“يا جدّي. أتمنى أن تحيا أطول منّي، في صحّةٍ وعافية.”
ارتفع صوته غاضبًا:
“تقولين هذا الآن…!”
ثم حدّق بابنه، والد لُوبيز، الذي كان يحتسي الحساء ببرودٍ لا يليق بالمقام.
“أيّ تربية هذه؟ أنجبْتَ أبناءً بلا طاعة ولا أدب! تَف! تَف! لم يعد يعجبني فيكم شيء.”
قالت لُوبيز برفق وهي تُمسك بيد زوجها الشاحب:
“أبي… ستُرهق زوجي بكلامك. ينبغي أن أُحضّر لك دواءً قريبًا.”
ثم التفتت إلى آني بابتسامة تحمل غمزًا مبطّنًا:
“لقد نسي أبي أنّك أعلنتِ عدم الزواج مؤخرًا…”
صرخ الجد:
“وقاحة! أين الاحترام!”
لكن لُوبيز لم تُعره أيّ التفات، بل واصلت تهدئة زوجها بابتسامة واثقة.
في الجهة الأخرى، كتمت كارلا ضحكتها وهي تقف خلف آني. أما ديفيد، الأخ الأكبر، فقد ضحك هو الآخر قبل أن يسعل متظاهرًا بالجدّية.
قال بلهجةٍ رسمية أمام العائلة:
“آني.”
أجابت بخضوعٍ لائق بالمقام:
“نعم، أخي.”
قال بصرامةٍ مصطنعة:
“عليكِ أن تعتذري للكبار عمّا سبّبته من قلق، ثم تصعدين إلى غرفتك لتتفكّري في تصرّفك.”
أجابت آني بسرعة وهي تنحني قليلًا:
“أعتذر لإزعاجكم… سأصعد الآن لأفكّر في نفسي.”
“التزمي الهدوء فترة.”
“سأفعل.”
تبادلت مع أخيها نظرةً سريعة، تفهّمت منها أنّه يفتح لها باب الخروج من الجدال دون مشاكل. فانسحبت على عَجَل، بينما تبعتها كارلا وهي تُخفي ضحكتها.
—
في القصر الإمبراطوري، كان إيجيد جالسًا إلى مكتبه، غارقًا بين رزم الوثائق والأختام، حين دخل روبي دون استئذان.
قال الإمبراطور ببرودٍ وهو لا يرفع رأسه:
“اخرج. أنا منشغل.”
قهقه روبي قليلًا وقال ساخرًا:
“كالعادة… قاسٍ وعديم المزاح.”
اقترب وهو يلفّ خصلات شعره الفضي الطويل بين أصابعه، وعيناه تراقبان تغيّر ملامح صديقه القديم.
لقد كبر إيجيد كثيرًا عن صورة الماضي، بينما ظلّ هو أسيرًا لعمرٍ لم يتبدّل. الشيء الوحيد الذي تغيّر كان عيناه خلف النظارات الذهبية الموروثة.
سأله أخيرًا:
“ألديك ما تقوله؟”
قال روبي وهو يتكئ على الحائط بابتسامة ماكرة:
“لا شيء، أردتُ فقط رؤية وجهك. لكنك تبدو مشغولًا هذه الأيام، تخرج كثيرًا…”
ثم توقّف فجأة وقال بصوتٍ مثقلٍ بالمعنى: “هل هناك امرأة في حياتك؟”
ارتجفت أصابع إيجيد للحظة وهو يقلب الورقة، لكنّه التزم الصمت. كان ردّه الصامت أبلغ من الكلام.
إذًا ما قاله فِيز صحيح…
ابتسم روبي ابتسامةً خفيفة وغادر الغرفة صافِرًا:
“أعمل بجد إذن.”
أغلق الباب وراءه، وهناك كان فِز ينتظره بعينين متلهّفتين.
“روبي! كيف جرى الأمر؟ هل قال شيئًا عن السيّدة دْسِف؟”
زفر روبي بضيق وأجاب بخشونة:
“ولِمَ عليّ أن أبوح بأسراره؟”
لكن فِيز ظلّ يثرثر ملتصقًا به:
“لقد قلتُ لك… السيّدة دْسِف ليست عادية. عيناها ثاقبتان، شخصيتها قويّة… ليست حيّةً سامة، لكن…”
قاطعه روبي باستهزاء:
“بالطبع، ولهذا علقت بالطاغية نفسه.”
فغَر فِيز فاه وقال متوتّرًا:
“إذن ألا يجب أن نوقف هذا؟”
ضحك روبي بسخرية وقال:
“أتدري ما أكثر ما يكرهه في الدنيا؟”
“ما هو؟”
أطرق روبي رأسه قليلًا وقال:
“الأوامر. إن أمرتُه أن يبتعد عنها، فلن يفعل، بل سيزداد تمسّكًا بها. ولو كرّرتُ ذلك مئة مرة، فلن ينفصل. والأسوأ… ماذا لو جاء طفل فجأة؟”
شهق فِيز بصدمة:
“لا تقل هذا! جلالته… مستحيل أن…”
أجابه روبي ببرود:
“ولِمَ لا؟ أنا أعرف العالم جيدًا… كل شيء ممكن.”
ارتبك فِيز وقال:
“إذًا، ماذا سنفعل؟”
لم يُجبه روبي، بل واصل السير حتى وقف أمام مبنى شامخ، يتلألأ أعلاه لوح خشبي ضخم مكتوب عليه:
“جمعيّة السحر الإمبراطورية.”
التعليقات لهذا الفصل " 78"