لم يكن البخار الخفيف المتصاعد من سطح الماء أكثر ضبابيّة من أفكارها.
جلست آني في حوض الاستحمام تحدّق في الفقاعات العائمة فوق الماء، تحدّق بلا وعيٍ وكأنّ عقلها قد سافر بعيدًا.
ضمّت ركبتيها إلى صدرها، ودفنت وجهها بين الفقاعات، فداعب زبد الصابون وجنتيها، وأحسّت بحرارةٍ تفور في داخلها.
“آه… جلالتُه أنقذني.”
كلّما أعادت التفكير في الأمر، ازداد وقعُه غرابة. قطّبت حاجبيها وهي تغوص أكثر في أفكارها، فيما الماء الصابوني ينساب حولها.
“لماذا… لماذا أشعر أنّ جلالته يُحبّني؟”
لم تستطع آني تصديق هذا الوهم. لم تجد سببًا منطقيًّا يجعل الإمبراطور يعجب بها هي بالذات. ومع ذلك، أفكارها كانت تنجذب في ذلك الاتّجاه رغماً عنها.
تلك الابتسامة التي أطلّ بها عليها، لم تكن عابرة، بل كانت مشبعة بالصدق.
وفوق ذلك، ألم يعد بنفسه فقط من أجل حقيبتها الصغيرة؟
زفرت آني وهي تعقد حاجبيها بشدّة، ثم انفجرت بضحكة قصيرة.
“هاه… هراء. لا. كلّ ما في الأمر أنّ بيننا بعض أوجه التشابه، فأصبحت متعاطفة معه… هذا كل شيء.”
نعم، لابدّ أنّها ظاهرة طبيعيّة، كما يحدث مع الممثلات اللواتي ينغمسن في أدوارهنّ حتى يختلط عليهنّ الواقع بالخيال. هي كذلك لا غير.
هزّت رأسها لتنفض أوهامها، فتساقطت قطرات الماء من ذقنها حتى استقرّت عند عظم ترقوتها.
“يكفي. عليَّ ألّا أنغمس في خيالات فارغة. أنا هنا لأساعده وحسب، إذن يجب أن أبقى مؤدّبة.”
نهضت آني من الحوض، تمسح رغوة الصابون عن خدّها بظهر كفّها.
“من كان ذلك البارحة؟”
جاء وقت مواجهة الأسئلة. ابتلعت آني تنهيدةً ثقيلة، ثم نظرت إلى المرآة أمامها. انعكس فيها وجهها ووجه كارلا، التي كانت تسرّح شعرها القصير البنيّ بمشطٍ خشبيّ، وعينيها تلمعان بخبث.
لقد انتشرت ضجّة ما جرى البارحة في أرجاء القصر، ولم يكن بوسع كارلا أن تدع الأمر يمرّ دون أن تنبش فيه.
تظاهرت آني بالحزن، ودمعتاها تكادان تفرّان:
“ألا تقلقين عليّ؟”
ضحكت كارلا بخفّة:
“أنتِ بخير. ألم يتصرّف ذاك الفارس بمهارة؟”
عرفت آني أنّ الخدم سمعوا قصّةً مختصرة عمّا جرى، دون تفاصيل. وهذا ما أراحها قليلًا.
‘لحسن الحظ أنّها كانت ليلة متأخرة، وإلا لربما أدرك أحدٌ أنّه جلالته.’
فمن ذا الذي قد يتخيّل أنّ الرجل الذي أعاد سيدتهم إلى القصر في ساعةٍ متأخرة هو الإمبراطور نفسه؟
لكن كارلا، كعادتها، كانت تلتقط الخيوط بسرعة:
“ملابس ذاك الرجل… كانت على مقاس المعطف الذي جلبتِه من الحفل.”
شكرت آني ربّها أنّ كارلا لم تكن موجودة البارحة.
“همم، أجل… ربّما كان ذلك.”
ابتسمت كارلا بخبث، ثم تابعت غناءها الهادئ وهي تساعدها في ارتداء فستانها.
قالت آني ببرود:
“ليس ما تفكّرين فيه. لا توجد بيننا علاقة، فقط بعض الألفة لا أكثر.”
ضحكت كارلا وهي تقول:
“إذًا ستزداد معرفتكما أكثر عمقًا قريبًا.”
“لن يحدث.”
“وإلّا، لماذا أعادك بنفسه في ساعة متأخرة، ولماذا سحق السيد غيركان بذلك الشكل؟”
“ذلك لأن—”
“وهل ينزع معطفه كل مرّة؟”
لم تجد آني جوابًا، فاختارت الصمت. وضعت كارلا يدها على كتفها هامسة:
“على الأقل… وجدتِ صديقًا جيّدًا، أليس كذلك؟”
تردّدت آني. كان ما بينهما أقرب إلى علاقة عمل، لكن أحداث الأمس جعلتها غير قادرة على إنكار الحيرة في قلبها.
كارلا، التي لاحظت صمتها، ابتسمت في سرّها.
‘هاه… إنّه الرجل من الحفل إذن! والآن صار واضحًا أنّ مولاتي لا تخلو مشاعرها تجاهه.’
قالت مبتسمة:
“على أيّ حال، فرسان النخبة الإمبراطوريّون وصلوا بسرعة وأنهوا الأمر. يبدو أنّه رجل ذو قوّة.”
‘بالطبع، فهو الإمبراطور نفسه…’
لكن كارلا لا تعلم ذلك، ولو في أحلامها.
واصلت أسئلتها:
“كم عمره؟”
“أصغر منّي.”
بدت خيبة أمل على وجه كارلا، فهي تعلم أنّ مولاتها لا تميل عادةً إلى الأصغر منها. لكنّها عزّت نفسها:
‘لا يهم العمر، المهم أن يدخل القلب.’
ثم سألتها بإصرار:
“وكيف طِباعه؟”
أجابت آني بلا تفكير:
“طيّب.”
وفور نطقها بالكلمة، شعرت بالدهشة. كيف قالتها بهذه القناعة، رغم أنّ العالم كلّه يلقّبه بالجبّار؟ ومع ذلك، لم تُصحّح كلامها. بالنسبة إليها، كان إيجيد نقيًّا وبريئًا كطفل، مهما قيل عنه.
كارلا لم تتوقف:
“هل هو وسيم؟”
“همم…”
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي آني، وقد غاصت في ذكرياتها.
‘كان الأوسم على وجه الأرض.’
عينيه اللامعتين كالجوهر، بشرته النقيّة، ملامحه الهادئة، حتى ثيابه كأنّها صُنعت خصيصًا له… كل ذلك جعلها لا تملك سوى الاعتراف بجماله.
صفّقت كارلا بيدها بفرح:
“يا إلهي! يا لَحظّكِ السعيد يا آنستي.”
فأجابتها آني بابتسامة مائلة:
“ولِمَ أكون أنا المحظوظة؟ أليس هو من وجدني؟”
ضحكت كارلا:
“هو كذلك.”
وحين شدّت رباط ثوبها بإتقان قالت:
“ملابسه التي تركها البارحة قد غُسلت وجُفّفت، أخبريني متى أُعيدها له.”
“حسنًا.”
“وما نوع الهدية التي سنُحضّرها له ردًّا على كرمه؟”
“سأتولّى ذلك بنفسي.”
أجابت آني بحزم، وأطبقت شفتيها، عازمة على تقليل الكلام أمام كارلا كي لا يجرّها إلى المزيد من الأسئلة.
لكن كارلا، وهي ترافقها إلى الباب، تمتمت مبتسمة:
“آنستي، الغداء اليوم سيكون مع العائلة كلّها… الشيوخ أيضًا.”
شهقت آني داخليًّا:
‘أولئك الذين لا يتوقفون عن الضغط عليّ لأتزوّج…’
تنفّست بعمق، فيما كارلا قبضت يدها ملوّحة بتشجيع:
“كوني قويّة!”
أومأت آني برأسها، ثم تذكّرت شيئًا فجأة:
“بالمناسبة، كارلا. ألم تقولي إنّ طفلك الثاني مريض؟ لقد أحضرت دواءً، خذيه.”
ابتسمت كارلا متأثّرة:
“آه يا آنستي، إنّها مجرد نزلة برد خفيفة.”
“لكنّ البرد قد يتفاقم. أعطيه إيّاه.”
“أشكركِ من قلبي. سأحرص أن يتناوله اليوم.”
شكرتها كارلا مرارًا، قبل أن تغادر. وبقيت آني تحدّق في الباب الموارب، ثم نهضت أخيرًا متثاقلة.
التعليقات لهذا الفصل " 77"