خطواتٌ تتردّد في هدوء الليل.
كانت آني تسير من العربة نحو بوّابة القصر الحديديّة السوداء. كلما اقتربت ازدادت حيرتها.
‘أمرٌ غريب… لم أَرَ حرّاس البوّابة. هل غادروا ليستريحوا؟’
وقبل أن تستكمل ظنونها، تقدّم منها رجل.
“السيّدة دْسِف.”
استدارت بغتة، فإذا بها أمام شخص لم ترغب قطّ بلقائه. رجل هزيل القوام، نحيل الملامح، رثّ الثياب كأنّه تدحرج في طرقات الجبال.
همست باسمه بارتباك:
“… السيد جيركان؟”
لقد سمعت في الاجتماع الأخير أنّ أغلب أملاكه صودرت بسبب تهرّبه من الضرائب. عيناه بدتا غائرتين، معتمتين كليلٍ بلا قمر.
وفي تلك الأثناء، كان إيجيد يجلس في العربة، كفّه على فمه، غارقاً في فكرٍ مضطرب:
‘هل أسرفت في الجفاء معها قبل قليل؟… هل أظهرت ما كان ينبغي أن أخفيه؟’
رمى ببصره نحو المقعد الخالي أمامه. ذلك المقعد الأحمر الذي كانت تحتلّه آني طوال الطريق. وتدفّقت إلى ذهنه كلماتها:
“أتمنّى أن يحمل شعب إمبراطوريّة بوركوس ذكريات سعيدة عن هذا المهرجان.”
“وإن لم يتكرّر، فسأكتب كل شيء في سجلاتي… ولن أعذرك يا صاحب الجلالة.”
ضحكتها، صوتها العذب، عينيها البنفسجيتين المليئتين بالإصرار… جميعها كانت ما تزال حيّة فيه. بل بدت أجمل من أضواء المهرجان نفسه.
رفع عينيه إلى القمر المكتمل خلف النافذة، وتمتم في سرّه:
‘…الوقت يفرّ بسرعة بالغة.’
بالأمس فقط كان يعدّ الأيّام على تقويمه بانتظار هذا العام، والآن تمرّ لحظاته مع آني كالماء في يديه.
شدّ قبضته، وومضة عزيمة تعتريه:
‘لقد تعلّمت… يجب أن أبوح لآني بمشاعري.’
لكن عينيه وقعتا على كيسٍ صغير من القماش على أرضيّة العربة.
“آه…”
كان ذلك الكيس يحوي أوراق ملاحظاتها. هي التي لا تنسى أن تدوّن مشاعرها في كل رحلة، ثم ترتّبها بعناية في القصر.
‘لو تركتُه سيحزنها ذلك… الأفضل أن أعيده بنفسي.’
رفع رأسه، وأمر السائق:
“إلى قصر دْسِف.”
غير أنّ المشهد الذي استقبله عند وصوله جعل الدم يتجمّد في عروقه: جيركان يشدّ معصم آني بقسوة ويجرّها بعيداً.
صرخت:
“اتركني! دعني!”
لكن الرجل زأر:
“اصمتي!”
في تلك اللحظة تجمّدت ملامح إيجيد، وبرودة مرعبة غشيت عينيه. لم يستطع أن يقف متفرّجاً.
اندفع بخطوات غاضبة، وما هي إلا لحظة حتى دوّى صوت العظام:
“آآآآه!”
صرخة مروّعة خرجت من حلق جيركان حين لوى إيجيد ذراعه بقسوة.
سقط الرجل على الأرض يتلوّى، يصرخ مستغيثاً:
“النجدة! النجدة!”
لكن إيجيد داس بقدمه على بطنه فارتجّ جسده ثم غاب عن الوعي.
ارتجفت أنفاس آني وهي تتابع ما جرى، يدها على صدرها تكبح ارتجافاً لا ينتهي. وحين التفت إليها إيجيد، ابتسمت بابتسامة مرتبكة وقالت:
“ل… لم أكن أعلم أنّك ستعود. شكراً… لإنقاذي.”
أخفت يديها المرتجفتين خلف ظهرها، تخشى أن يظنّها خائفة منه. عندها تقدّم، وخلع رداؤه وألقاه على كتفيها. لم يقل شيئاً، لكن صمته كان أبلغ من كل كلام.
ارتسمت ابتسامة هزيلة على وجهها وهي تتمتم:
“أنا بخير… لم يُصب أحد بأذى.”
ثم التقط إيجيد كيس القماش من الأرض، ووضعه في يدها برفق، وأمسك بيدها يقودها نحو البوّابة. كان يخطو ببطء متعمّد ليلائم ارتجاف خطواتها.
وقبل أن يدخلا، ظهر من بعيد حرّاس وخدم هرعوا لاستقبال السيّدة. تسلّلت يد آني إلى معصمه ترجوه بصوت مرتجف:
“جلالتك… عد الآن. مكانك حساس…”
لكنه لم يبرح مكانه، بل أعطى أوامره للبوّاب فور وصوله:
“أدخِلوا السيّدة أولاً، وجهّزوا ماءً ساخناً ومناشف.”
ظنّ الخدم أنّه سيّد نبيل، فما عرفوا أنّه الإمبراطور نفسه، لكنهم انحنوا مطيعين.
بينما كانوا يسحبون آني إلى الداخل، التفتت خلفها. كان يقف هناك، شامخاً، كأنّه يحرسها من ظلال الليل. رفعت شفتيها المرتعشتين وهمست في سرّها:
“شكراً…”
وحين التقت عيناها بابتسامته، اتّسعت حدقتاها بدهشة. لم تكن تلك ابتسامة مصطنعة من التدريب، بل ابتسامة حقيقيّة مضيئة، كأنّها أشرقت بها الليلة المعتمة.
التعليقات لهذا الفصل " 76"